عرض مشاركة واحدة
  #15  
قديم 06-02-2008, 07:20 PM
أبو الفداء الأندلسي أبو الفداء الأندلسي غير متواجد حالياً
قـــلم نــابض
 




افتراضي

الكلمة السابعة عشرة في لبس الحلي من غير الذهب والفضة كالبلاتين والحديد وغيرهما

روى البخاري : (التمس ولو خاتما من حديد)
قال الحافظ في الفتح (10/323): (استدل به على جواز لبس خاتم الحديد ولا حجة فيه لأنه لا يلزم من جواز الاتخاذ جواز اللبس فيحتمل أنه أراد وجوده لتنتفع المرأة بقيمته)
ـ وروى أبو داود (4223) والنسائي (5195) والترمذي (1785) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه : (أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من شبه فقال له مالي أجد منك ريح الأصنام فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال مالي أرى عليك حلية أهل النار فطرحه فقال يا رسول الله من أي شيء أتخذه قال اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالا) وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود
وروى الإمام أحمد (2/163) و(2/179) والبخاري في الأدب المفرد (1021) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على بعض أصحابه خاتما من ذهب فأعرض عنه فألقاه واتخذ خاتما من حديد فقال : هذا شر هذا حلية أهل النار فألقاه فاتخذ خاتما من ورق فسكت عنه وصححه الألباني في آداب الزفاف (ص217) فقال في مبحث طويل أحب أن أنقله كله لما فيه من التحقيق العلمي الجيد : (حديث صحيح رواه أحمد . والبخاري في الأدب المفرد بسند حسن . والحديث صحيح ، فإن له في المسند طريقا أخرى عن ابن عمرو ، وفيه ضعف وله شواهد .
والخلاصة أنه يجوز لبس الحلي من غير الذهب والفضة والحديد للمرأة كالبلاتين وغيره من المعادن والمواد الجديدة غير الضارة.
الكلمة الثامنة عشرة في نظر المرأة إلى الرجل
ـ قال الشيخ الألباني في الرد المفحم (ص116و117) : ومن ذلك تأويلهم لحديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها - كما تقدم بيان ذلك ( ص 46 - 47 ) - فإنه يدل على جواز نظرها إلى الضيفان الأجانب ونظرهم إليها أي : إلى وجهها . ولذلك جعلها القرطبي في تفسيره مخصصا لعموم قوله تعالى : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) ( النور : 31 )وبه وبحديث عائشة استدل كبار علماء الحنابلة من المقادسة وغيرهم - كما تقدم ( ص 66 ) - على إباحة نظر المرأة إلى غير عورة الرجل وقد يكون هذا من المتفق عليه بشرط انتفاء الشهوة فقد رأيت الحافظ ابن القطان يقول في كتابه ( ق 64 / 1 ): ( لا خلاف أعلمه في جواز نظر المرأة إلى وجه الرجل ما كان إذا لم تقصد اللذة ولم تخف الفتنة كنظر الرجل إلى وجه الغلمان والمردان إذا لم يقصد ولا خوف . . . كذلك أيضا لا خلاف في جواز إبداء الرجال شعورهم وأذرعهم وسوقهم بحضرة الرجال وبحضرة النساء)
إذا عرفت هذا فأنا أقول دون أي تردد : إن هؤلاء المتشددين على النساء مع مخالفتهم للنصوص الشرعية وأقوال الأئمة فإنهم لا يفكرون فيما يخرج من أفواههم أو على الأقل لا ينتبهون إلى أبعاد أقوالهم وإلا كيف يتصورون أن تغض المرأة بصرها عن الخطيب يوم الجمعة مثلا وهو يخطب أو عن المفتي وهي تستفتيه ؟ بل كيف يمكن لهذا المفتي وأمثاله من الباعة أن لا ينظروا إلى وجهها ويديها وهم يتعاملون معها " ؟ فالحق أقول : إن هؤلاء المتشددين يقولون ما لا يعقلون ويعملون بخلاف ما يقولون فأخشى أن يعمهم قول رب العالمين : ( يا أيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) [ الصف : 2 ] .
قال القرطبي في حديث فاطمة: (وقال بعضهم: وفيه حجة أن نظر المرأة إلى الرجل وكونها معه إذا لم تنفرد به جائز, أن ما ينكشف من الرجال للنساء في تصرفهم لا حرج فيه غير العورات, بخلاف النساء معهم , فقد تقدم هذا في الكلام على العورات)
الكلمة التاسعة عشرة في حكم الخلوة بالأجنبي
صح في الحديث (ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن أم مكتوم الأعمى . . . وهو من البطن الذي هي منه فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك فانتقلت إليه) فائدة أخرى وهو جواز قعود المرأة مع الرجل إن كان معه ذوات محرم منه فإن ابن أم مكتوم كان متزوجا. وبه يترجح أن يكون معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) ـ وهو في الصحيحين من حديث ابن عباس ـ ذو محرم منها أو ذات محرم منه ,قال النووي في شرح مسلم(9/109): (هذا الاحتمال الثاني هو الجاري على قواعد الفقهاء فإنه لا فرق بين أن يكون معها محرم لها كابنها وأخيها وأمها وأختها أو يكون محرما له كأخته وبنته وعمته وخالته فيجوز القعود معها في هذه الأحوال)
وقال السيوطي في الديباج (3/389): (قوله (ذو) قد يعين الاحتمال الأول لأنه نص في الذكر, ومحرم الرجل شرطوا أن يكون أنثى, وإنما يقال فيها: ذات محرم. إلا أن يقال إنه مجاز وتغليب)
وقال القاضي عياض في إكمال المعلم (4/450): (كما تقدم من أمن غلبة الشهوة والفتنة عليها لحضور ذي المحرم لغيرته عليها وذبه عنها.)
قلت: سواء كان سبب تحقيق هذا المقصد غيرة المحرم أو غيرها ,فالأمر سيان ,والقصد منع الشيطان من الإغواء ودليل ذلك.حديث : (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان)
الكلمة العشرون في حكم مؤاكلة الأجنبي في مائدة واحدة مع المحرم
ـ قال يحيى كما في الموطأ (2/934) : (سئل مالك, هل تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك : ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك ويكره للمرأة أن تخلو مع الرجل ليس بينه وبينها حرمة)
ـ وقال شيخ الإسلام في الفتاوى المصرية (ص32/دار الكتب العلمية): (وأكل النساء الأجانب مع الرجال لا يفعل إلا لحاجة من ضيق المكان أو قلة الطعام)
قلت: قد روى البخاري في الأدب المفرد (1053) وغيره من طريق موسى بن أبي كثير عن مجاهد عن عائشة قالت:(كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم حيسا فمر عمر فدعاه فأكل فأصابت يده أصبعي فقال: حس لو أطاع فيكن ما رأتكن عين فنزل) والحديث قال فيه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (6/421) : (إسناده جيد) فالحديث ظاهر في جواز مؤاكلتها للأجنبي مع وجود المحرم مع أمن الفتنة.
وفي أحكام النساء للإمام أحمد (ص46) عن ابن شوذب ذكره عن مطر : لقد كان النساء يجلسن مع الرجال في المجالس ,أما الآن فإن الأصبع من أصابع المرأة فتنة).قال محققه الأستاذ عبد القادر عطا: (كان هذا في منتصف القرن الثالث الهجري فما الحال في القرن الرابع عشر؟!) وصدق.
ـ ومن عجائب القصص في ذلك أن ابن الجوزي ذكر في أخبار النساء أن عمر بن سعيد العبدي خرج يريد سفراً له، فأخذته السّماء في بعض الطّريق فنظر، فإذا هو بقصرٍ عظيمٍ، فعدل إليه، وقرع بابه، فخرج إليه عبد الله بن يزيد فعرفه، فسلّم عليه وأنزله، وهيّأ له طعاماً ثمّ دعا بشرابٍ من خمرٍ عتيقٍ. فبينما هما يشربان إذ تطلّعت المرأة فرأت ابن سعيدٍ وكان غلاماً شابّاً، وسكر زوجها سكراً شديداً فخرجت المرأة إلى عمر بن سعيد فحدّثته وآنسته ودعته إلى نفسها فأبى، وقال: ما كنت بالذي أفعل برجلٍ أتاني منزله. ولم يزل يدافعها حتّى أفاق عبد الله بن يزيد من سكره، فأنشأ عمر يقول:
ربّ بيضاء خصرها يتثنّى قد دعتني لوصلها فأبيت
لم يكن شأني العفاف ولكن كنت ندمان زوجها فاستحيت
فعلم عبد الله بن يزيد ما أراد، فلمّا انصرف عمر بن سعيد عمد عبد الله إلى المرأة فجعل في عنقها حبلاً وعلّقها به إلى السّقف، فاضطربت حتّى ماتت. وعلم أنّ النّساء لا حفظ لهنّ، وآلى على نفسه أنّه لا يتزوّج امرأةً أبداً. وترك قصره وعاد إلى منزله.


الكلمة الحادية والعشرون في حكم مصافحة المرأة للرجل الأجنبي
قد ألفت في هذا الموضوع مسائل وقصدي في هذه الكلمة الرد على بعض ما أثاره المخالفون من شبه والله الموفق.
قال بعضهم: نفي عائشة هو مبلغ علمها ولا يلزم من عدم علمها عدم وجود المصافحة منه للنساء.والجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن نفسه فقال: (إني لا أصافح النساء) وهذا خبر منه لا يمكن تكذيبه وهو أعلم بنفسه من غيره.
فائدة
قال العسكري في الأوائل: أخبرنا أبو القاسم بن سيران رحمه الله قال: أخبرنا الجوهري، عن أبي زيد، عن عمر بن سعيد الدمشقي عن أبيه أن علياً عليه السلام قال لمعاوية في بعض منازعاتهما: يا ابن اللخناء، فقال معاوية: دع أبا الحسن ذكر أمي، فما هي بأخس نسائكم، وقد بايعت النبي صلى الله عليه وسلم فصافحها، وما رأيته صافح امرأة غيرها، فعلى مقتضى هذا الخبر، تكون هند أول من صافحها رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء.)
ـ وروى الطبري في الجامع (28/78):حدثني محمد بن سعد قال ثني أبي قال ثني عمي قال ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال كانت محنة النساء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال قل لهن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة رحمة الله عليه متنكرة في النساء فقالت إني إن أتكلم يعرفني وإن عرفني قتلني وإنما تنكرت فرقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت النسوة اللاتي مع هند وأبين أن يتكلمن قالت هند وهي متنكرة وكيف يقبل من النساء شيئا لم يقبله من الرجال فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعمر قل لهن ولا يسرقن قالت هند والله إني لأصيب من أبى سفيان قلح وما أدري أيحلهن لي أم لا قال أبو سفيان ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي فهو لك حلال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فدعاها فأتته فأخذت بيده فعاذت به فقال : أنت هند .فقالت: عفا الله عما سلف فصرف عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم...).
قال ابن كثير في تفسيره (4/355): (هذا أثر غريب وفي بعضه نكارة ,والله أعلم. فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيفهما بل أظهر الصفاء والود لهما وكذلك كان الأمر من جانبه عليه السلام لهما)
ورد بعضهم الاستدلال بحديث (إني لا أصافح النساء) على المنع من مس الأجنبية بأنه ليس على المسلمين التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم في تركه للمصافحة لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم :(إني لا أصافح النساء ) ليس فيه إلا الامتناع عن الفعل ، والتأسي لا يكون إلا بأفعاله وهو لم يفعل شيئاً في هذه الحادثة سوى الامتناع عن الفعل.
والجواب أن الترك نوعان , ترك وجودي وهو ما كان الترك فيه مقصودا , وترك عدمي وهو ما لم يكن الترك فيه مقصودا كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى, والترك المقصود له حكم الفعل وهو مذهب الشافعي وغيره ومن المعلوم أن ترك الفعل مع توافر دواعيه لا يكون إلا لمانع , كالحال هنا, فالداعي للمصافحة قائم وهو تأكيد البيعة, ومع ذلك لم يصافح , فدل على وجود مانع أوجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخالف عادته المستمرة في البيعة , خصوصا وأن للمصافحة فضلا في مغفرة الذنوب, وهذا المانع هو عدم المشروعية.
وقالوا أيضا: ( إن قوله صلى الله عليه وسلم :( إني لا أصافح النساء ) يدل دلالة واضحة من دلالة النص وألفاظه أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المعني والمختص بالخطاب ، حيث يقول (إني) وهو حرف لا يعني النفي ولا يعني النهي عن المصافحة في هذا النص ، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن نفسه في هذه الحادثة أنه لا يصافح النساء ، أي أنه يمتنع عن ذلك ).
والجواب : أن امتناعه عن المصافحة وهو رسول الله وأتقى الناس دال على أن الامتناع في حق غيره أولى.ونفيه عن نفسه أبلغ في نهي غيره. فالنبي صلى الله عليه وسلم بشر مثلنا يجد في نفسه من الرغبة إلى النساء كما نجد بل أكثر, وهذا مما يمدح به الرجال الكمل غير أن الله تعالى يعصمه كما في حديث جابر عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس منيئة لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال: ( إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه) ومع ذلك لم يصافح مع آكدية المصافحة في البيعة للتأكيد.
وزعموا أن قوله عليه الصلاة والسلام :( إني لا أصافح النساء ) لا يعتبر نهياً مطلقاً لأنه قاله في خصوص البيعة
والجواب أنه ترك المصافحة في البيعة مع توافر الدواعي لها لأنها توكيد للبيعة فتركه لها في غيرها أولى.
ـ وسئل الإمام أحمد ـ كما في الآداب الشرعية لابن مفلح /ص451/مؤسسة الرسالة ناشرون)عن الرجل يصافح المرأة ؟قال: لا . وشدد فيه جدا.قيل له: فيصافحها بثوب؟قال : لا)
قال ابن مفلح : (والتحريم اختيار الشيخ تقي الدين, وعلل بأن الملامسة أبلغ من النظر)
وتجويز تقي الدين الهلالي له وكلام لابن حزم في عدم الفرق بين ما يمس بحائل أو بغير حائل ومسألة مس الذكر بحائل وبيان الفرق بين المسألتين.
ـ ومن أدلة المنع حديث (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) وفي رواية عند البيهقي في الشعب (4/374) : (من أن تمسه امرأة ليست له بمحرم ) وهي ترد قول من زعم أن معنى (يمس) (يزني) والحديث صححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم:226) وضعفه الأستاذ الجديع وما أصاب في ذلك.وهو صحيح بحمد الله تعالى
ـ قال الشيخ الألباني في حديث المخيط: (وفي الحديث وعيد شديد لمن مس امرأة لا تحل له ، ففيه دليل على تحريم مصافحة النساء لأن ذلك مما يشمله المس دون شك ، و قد بلي بها كثير من المسلمين في هذا العصر و فيهم بعض أهل العلم ، و لو أنهم استنكروا ذلك بقلوبهم ، لهان الخطب بعض الشيء ، و لكنهم يستحلون ذلك ، بشتى الطرق و التأويلات ، و قد بلغنا أن شخصية كبيرة جدا في الأزهر قد رآه بعضهم يصافح النساء ، فإلى الله المشتكى من غربة,الإسلام .بل إن بعض الأحزاب الإسلامية ، قد ذهبت إلى القول بجواز المصافحة المذكورة ,و فرضت على كل حزبي تبنيه ، واحتجت لذلك بما لا يصلح ، معرضة عن الاعتبار بهذا الحديث ، والأحاديث الأخرى الصريحة في عدم مشروعية المصافحة ، و سيأتي ذكرها )
ـ وقال القرضاوي في (فتاوى معاصرة للمرأة والأسرة المسلمة\ص14) : (غير الزوج والمحرم لا يجوز له أن يمس امرأة مسلمة ولا جسدها, ولا يجوز لها أن تمكنه من ذلك, وفي الحديث : لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط ... الحديث.)
ومما استدل به على المنع من مس الرجل شيئا من جسد حديث (ليس للنساء وسط الطريق ) قال ابن حبان رحمه الله تعالى في صحيحه (12/416): (قوله (ليس للنساء وسط الطريق) لفظه أخبار مرادها الزجر عن شيء مضمر فيه وهو مماسة النساء الرجال في المشي إذا وسط الطريق الغالب على الرجال سلوكه والواجب على النساء أن يتخللن الجوانب حذر ما يتوقع من مماستهم إياهن)
وفي لفظ عند الطبراني في الأوسط (3018): (ليس للنساء سراة الطريق) وشيخه لا يعرف.
ومما استدل به على ذلك ما رواه أبو داود (2049) والنسائي (3229و3464وو3465) عن ابن عباس أن رجلا ـ [في رواية:أعرابيا] ـ قيل أنه أبو واقد كما قال النويري في نهاية الأرب ـ قال : يا رسول الله إن تحتي امرأة لا ترد يد لامس قال طلقها[في رواية:غربها إن شئت] قال إني لا أصبر عنها [في رواية :أخاف أن تتبعها نفسي]قال: فأمسكها)
ضعف هذا الحديث بعضهم , والجواب أن له طريقين أحدهما مرسلة والأخرى مسندة وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (رقم 1788)
واختلف الناس في معنى قوله (لا ترد يد لامس):
*فقيل: هو تعريض بالزنا ـ بل قيل : هو تصريح ـ , وأجيب بأنه لو كان الأمر كذلك ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم على إمساكها تعيش معه تزني متى طلبها لذلك أحد.فإنه صلى الله عليه وسلم لا يقر على دياثة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة ديوث , قيل من الديوث يا رسول الله؟ قال الذي يقر الخبث في أهله). والنبي صلى الله عليه وسلم حريص علينا, بالمؤمنين رؤوف رحيم, بعث ليزحزحوا عن النار ويدخلوا الجنة.
ولكان الأعرابي قاذفا, ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلده إن لم يأت بأربعة شهداء.
*وقيل: معناه أنها لا ترد سائلا صدقة.وأجيب بأنه لو كان أراد ذلك لقال: (لا ترد يد ملتمس).ولا يعقل أن يكون حل هذه المشكلة ـ إن صح أنها كانت مبذرة ـ الطلاق. بل هناك من الحلول ما هو أقرب وأيسر وألطف.
قال ابن كثير في التفسير (3/269/دار الكتب العلمية): (قال ابن قتيبة: إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلا وحكاه النسائي في سننه عن بعضهم, فقال: وقيل: سخية تعطي .و رد هذا بأنه لو كان المراد لقال: لا ترد يد ملتمس. وقيل: المراد أن سجيتها لا ترد يد لامس, لا أن المراد أن هذا واقع منها, وأنها تفعل الفاحشة. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثا وقد تقدم الوعيد على ذلك ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بفراقها فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها لأن محبته لها محققة ووقوع الفاحشة منها متوهم فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهم الأجل والله سبحانه وتعالى أعلم)
*وقيل: لا ترد يد من يريد لمسها.وهذا هو الظاهر, وهو الذي اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين(4/425/مكتبة ابن تيمية) فقال : (عورض بهذا الحديث المتشابه الأحاديث المحكمة الصريحة في المنع من تزويج البغايا ، واختلفت مسالك المحرمين لذلك فيه ؛ فقالت طائفة : المراد باللامس ملتمس الصدقة ، لا ملتمس الفاحشة ، وقالت طائفة : بل هذا في الدوام غير مؤثر ، وإنما المانع ورود العقد على زانية ؛ فهذا هو الحرام ، وقالت طائفة : بل هذا من التزام أخف المفسدتين لدفع أعلاهما ؛ فإنه لما أمر بمفارقتها خاف أن لا يصبر عنها فيواقعها حراما ؛ فأمره حينئذ بإمساكها ؛ إذ مواقعتها بعد عقد النكاح أقل فسادا من مواقعتها بالسفاح ، وقالت طائفة : بل الحديث ضعيف لا يثبت ، وقالت طائفة : ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية ، وإنما فيه أنها لا تمتنع ممن لمسها أو وضع يده عليها أو نحو ذلك ؛ فهي تعطي الليان لذلك ، ولا يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى ، ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها لداعي الفاحشة ، فأمره بفراقها تركا لما يريبه إلى ما لا يريبه ، فلما أخبره بأن نفسه تتبعها وأنه لا صبر له عنها رأى مصلحة إمساكها أرجح من مفارقتها لما يكره من عدم انقباضها عمن يلمسها ، فأمره بإمساكها ، وهذا لعله أرجح المسالك ، والله أعلم .)
ـ وروى مسلم (2657 ) ـ وقال ابن حبان مبوبا له: (ذكر إطلاق اسم الزنى على اليد إذا لمست ما لا يحل لها) ـ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كتب على بن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه ). قال الإمام النووي في شرحه (16/206): (معنى الحديث أن ابن آدم قدر عليه نصيب من الزنا فمنهم من يكون زناه حقيقيا بإدخال الفرج في الفرج الحرام ومنهم من يكون زناه الحرام أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله أو بالمس باليد بأن يمس أجنبية بيده أو يقبلها أو بالمشي بالرجل إلى الزنا أو النظر أو اللمس أو الحديث الحرام مع أجنبية ونحو ذلك أو بالفكر بالقلب فكل هذه أنواع من الزنا المجازي والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه معناه أنه قد يحقق الزنا بالفرج وقد لا يحققه بأن لا يولج الفرج في الفرج وان قارب ذلك والله اعلم)
ومما يدل على أن الصحابة كانوا يرون مس المرأة الأجنبية شيئا منافيا للشرع ما رواه البخاري في الأدب المفرد (1053) وغيره من طريق موسى بن أبي كثير عن مجاهد عن عائشة قالت: (كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم حيسا فمر عمر فدعاه فأكل فأصابت يده أصبعي فقال: حس لو أطاع فيكن ما رأتكن عين فنزل) والحديث قال فيه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (6/421) : (إسناده جيد) .فتأمل قوله : (حس) لمجرد مس أصبعه أصبعها.
ـ ومما يدل على أن لمس الأجنبية أو غمزها باليد قصدا زنا ما رواه البخاري ( 6438 ) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله. قال: أنكتها؟ لا يكني قال: فعند ذلك أمر برجمه.
ـ وفي رواية عند أحمد (1/238) وابن أبي شيبة (5/520) : (لعلك قبلت أو لمست أو باشرت)
ـ قال الحافظ : (المراد: ( لعلك وقع منك هذه المقدمات فتجوزت بإطلاق لفظ الزنا عليها) ، ففيه إشارة إلى الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة ( العين تزني وزناها النظر ) وفي بعض طرقه عندهما أو عند أحدهما ذكر اللسان واليد والرجل والأذن)


طريفة:
ـ قال الراغب الأصفهاني في محاضرات الأدباء : (روي أن حكيماً زوج ثلاث بنين، فلما كان رأس الحول سأل الأول عن امرأته فقال: هي امرأة من خير النساء إلا أنها خرقاء لا تعمل شيئاً فقال: أنزلها في بني فلان فإن نساءهن صناع لتتعلم، وسأل الثاني فقال: إنها لا تدفع يد لامس؛فقال: أنزلها في بني فلان فإن نساءهن عفيفات، وسأل الثالث فقال: سيئة الخلق فقال: طلقها فهذا شيء لا حيلة فيه).
ـ وروى بحشل في تاريخ واسط(1/97) نا زكريا قال ثنا هشيم عن سيار بن سليم عن الحسن البصري أن عائشة بنت عرار العدوية أتته فقال: ( لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مصافحة النساء لصافحناك) وسيار هذا لم أعرفه.
وقد روى ابن عدي في الكامل (4/179)ثنا إبراهيم بن عيسى بن أبي الحضرون ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا عبد الله بن جعفر عن العلاء عن عبد الرحمن قال سمعت أنس بن مالك يقول: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مصافحة النساء) وعبد الله هذا متروك الحديث.
ورواه أيضا (6/255) حدثنا حامد ثنا محمد بن كثير ثنا كثير بن عبد الله قال سمعت أنس بن مالك قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مصافحة النساء) ومحمد بن كثير بن مروان الفهري متروك.
طريفة أخرى
قال ابن قتيبة في عيون الأخبار (4/104/دار الكتب العلمية): (قيل لرجل في امرأته وكانت لا ترّد يد لامسٍ: علام تحبسها مع ما تعرف منها؟ فقال: إنها جميلة فلا تفرك وأمّ عيال فلا تترك)
ـ وأما حديث البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا ) فقال الحافظ : (يستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية والأمرد الحسن))
ـ وقال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة بعد تخريجه لحديث (إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة/رقم :529) : (عند ابن خزيمة و ابن حبان و البزار و الطبري و ابن مردويه من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن عن جدته أم عطية في قصة المبايعة ، قال : فمد يده من خارج البيت و مددنا أيدينا من داخل البيت ، ثم قال : اللهم أشهد . و كذا الحديث الذي بعده حيث قالت فيه ( قبضت منا امرأة يدها )، فإنه يشعر بأنهن كن يبايعنه بأيديهن . و يمكن الجواب عن الأول بأن مد الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة و إن لم تقع مصافحة . و عن الثاني بأن المراد بقبض اليد التأخر عن القبول ، أو كانت المبايعة تقع بحائل ، فقد روى أبو داود في المراسيل عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء أتى ببرد قطري فوضعه على يده و قال : (لا أصافح النساء .... ) . ثم ذكر بقية الأحاديث بمعناه و كلها مراسيل لا تقوم الحجة بها . و ما ذكره من الجواب عن حديثي أم عطية هو العمدة على أن حديثها من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن ليس بالقوي لأن إسماعيل هذا ليس بالمشهور و إنما يستشهد به كما بينته في حجاب المرأة المسلمة ( ص 26 طبع المكتب الإسلامي ) . و جملة القول أنه لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه صافح امرأة قط حتى و لا في المبايعة فضلا عن المصافحة عند الملاقاة ، فاحتجاج البعض لجوازها بحديث أم عطية الذي ذكرته مع أن المصافحة لم تذكر فيه و إعراضه عن الأحاديث الصريحة في تنزهه صلى الله عليه وسلم عن المصافحة لأمر لا يصدر من مؤمن مخلص ، لاسيما و هناك الوعيد الشديد فيمن يمس امرأة لا تحل له كما تقدم في الحديث ( 229 ) . و يشهد لحديث أميمة بنت رقيقة الحديث الآتي . و بعد كتابة ما تقدم رأيت إسحاق بن منصور المروزي قال في مسائل أحمد و إسحاق ( 211 / 1 ) :( قلت ( يعني لأحمد ) : تكره مصافحة النساء قال : أكرهه . قال إسحاق : كما قال ، عجوز كانت أو غير عجوز إنما بايعهن النبي صلى الله عليه وسلم على يده الثوب ) . ثم رأيت في المستدرك ( 2 / 486 ) من طريق إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن ابن عجلان عن أبيه عن فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ( أن أبا حذيفة بن عتبة رضي الله عنه أتى بها و بهند بنت عتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه ، فقالت : أخذ علينا ، فشرط علينا ، قالت : قلت له : يا ابن عم هل علمت في قومك من هذه العاهات أو الهنات شيئا ؟ قال أبو حذيفة : إيها فبايعنه ، فإن بهذا يبايع ، و هكذا يشترط . فقالت : هند : لا أبايعك على السرقة إني أسرق من مال زوجي فكف النبي صلى الله عليه وسلم يده و كفت يدها حتى أرسل إلى أبي سفيان ، فتحلل لها منه ، فقال أبو سفيان : أما الرطب فنعم و أما اليابس فلا و لا نعمة ! قالت : فبايعناه ثم قالت فاطمة : ما كانت قبة أبغض إلي من قبتك و لا أحب أن يبيحها الله و ما فيها و و الله ما من قبة أحب إلي أن يعمرها الله يبارك و فيها من قبتك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . و أيضا و الله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده و والده ) . قال الحاكم : (صحيح الإسناد) . و وافقه الذهبي .
قلت : و إسناده حسن وفي محمد بن عجلان و إسماعيل بن أبي أويس كلام لا يضر إن شاء الله تعالى . و هذا الحديث يؤيد أن المبايعة كانت تقع بينه صلى الله عليه وسلم و بين النساء بمد الأيدي كما تقدم عن الحافظ لا بالمصافحة ، إذ لو وقعت لذكرها الراوي كما هو ظاهر .
وجوز بعضهم مصافحة العجوز عند أمن الشهوة كما جاز لها أن تضع خمارها. واحتج الحنفية في المبسوط والبحر الرائق وفتح القدير وتبيين الحقائق بحديث (من مس كف امرأة ليس منها بسبيل وضع على كفه جمرة يوم القيامة) و بأن أبا بكر كان يصافح العجائز وبأن عبد الله بن الزبير استأجر عجوزا لتمرضه وكانت تغمز رجليه وتفلي رأسه .وليس لها أصل كما في الدراية.2/225 واستغربها الزيلعي في نصب الراية.
طريفة
ـ روى الدارقطني في الأفراد ـ كما قال الحافظ في اللسان (3/149) ـ وابن الجوزي في الموضوعات (باب الحذر من النساء الأجانب/2/255) من رواية شعيب بن مبشر عن معقل بن عبيد الله عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فجلست إليه فكلمته في حاجتها وقامت فأراد رجل أن يجلس مكانها فنهاه أن يقعد فيه حتى يبرد مكانها) وشعيب متكلم فيه. قال فيه ابن حبان: (يتفرد عن الثقاة بما ليس من حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به.)
ـ وفي فيض القدير: (كان ابن عمر رضي الله عنه ينهى عن القعود بمحل امرأة قامت عنه حتى يبرد) ولم أجد له إسنادا والله أعلم!
ـ تنبيه
قد يستدل أحد على جواز مس يد الأجنبية بما رواه أحمد في مسنده (4/69) عن عبد الله بن محمد عن امرأة منهم قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا آكل بشمالي, وكنت امرأة عسراء فضرب يدي, فسقطت اللقمة,فقال: لا تأكلي بشمالك...)والحديث حسنه الشيخ الألباني في جلباب المرأة المسلمة (ص71) وليس فيه شيء يدل على ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم ضربها غالبا بعصاه كما يفعل دائما فقد روى أحمد والنسائي عن ثوبان قال: جاءت هبيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يدها فتخ من ذهب أي خواتيم كبار فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يضرب يدها بعصية معه يقول لها: (أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار)
واحتج بعضهم للجواز بقوله: ( ما جاز النظر إليه جاز مسه ) ويد المرأة يجوز النظر إليها بغير شهوة فيجوز مسها بغير شهوة
والجواب أن هذا تلازم فاسد, وقياس للأعلى على الأدنى, وهو قياس ضعيف عند جمهور الأصوليين ,فلا أحد يقول : (يجوز النظر إلى النار إذن يجوز مسها) , ولا أحد يقول : (يجوز النظر إلى النجاسة إذن يجوز مسها) والصحيح من حيث التلازم أن يقال : (ما حرم النظر إليه حرم مسه) ولا عكس, و(ما أبيه مسه أبيح النظر إليه) ولا عكس.
واحتج المجيزون بما رواه الترمذي :( أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ يوماً بجماعة نسوة فأومأ بيده بالتسليم ) وما رواه أبو داود عن أسماء بنت يزيد :( مرّ علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلم علينا ) وفي رواية :( فألوى بيده بالتسليم ) وقالوا أيضاً :( فسلم عليهن بيده ) يفيد أن التسليم باليد والتسليم يعني المصافحة ولا يعني بالإيماء أو الإشارة لأن فيه تشبهاً باليهود والنصارى وقد نهى عن ذلك بقوله :( لا تشبهوا باليهود والنصارى فإن تسليم اليهود إشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالكف ) فما دام كذلك فلا يخرج الأمر عن كونه صلى الله عليه وسلم يسلم بيده مصافحة
والجواب أن الحديث ضعيف, وعلى فرض صحته فقد رواه أحمد (6/457) والترمذي(2697) مبوبا له بقوله : (باب ما جاء في التسليم على النساء) وفيه قال عبد الله بن المبارك : وأشار عبد الحميد ـ أي بن بهرام) ـ بيده.وعند البخاري في الأدب المفرد (1047) : (قال بيده إليهن بالسلام)
ولا تعارض بين نهيه وفعله فإنه يجوز الإشارة عند السلام لمن كان يتعذر سماعه للتسليم.أو الجمع بين الإشارة والتسليم باللفظ , وجزم النووي في الأذكار (198/دار الكتب العلمية): بأن حديث أسماء (محمول على أنه جمع بين اللفظ والإشارة ويدل على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث وقال في روايته (فسلم علينا) ). و قال ابن حجر في الفتح (11/14): (النهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حسا وشرعا وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس وكذا السلام)
قلت: ورواية أبي داود عنده في سننه برقم (5204) وقد ورد في جواز رد السلام بالإشارة في الصلاة حديث رواه أبو داود (925) عن صهيب قال: (مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه, فرد إشارة.)
واحتجوا أيضا بما روي عنه صلى الله عليه وسلم :( لما فرغ من بيعة الرجال جلس على الصفا ومعه عمر أسفل منه فجعل يشترط على النساء البيعة وعمر يصافحهن ).وقالوا : فيه دليل على أن عمر صافحهن.
والجواب أن الحديث لا أصل له.فيكون استدلالهم لا أصل له أيضا.
ـ طريفة :
من عجيب ما قرأته ما ذكره الأستاذ وحيد عبد السلام بالي في كتابه (الصارم البتار )
أنه كان عالج امرأة من المس وذكر أن الجني الذي كان بها خاطب زوجها مرة في بيتهما وأخبره أنه سيخرج من زوجته بشرط أن يصافحها فأذن له. فلما أخبر الزوج الأستاذ وحيد أنكر استنكر عليه ذلك وأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تصافح المرأة أجنبيا عنها !
ومن طريف الاستدلال قول أبي العباس الطبري في جزء فيه فوائد حديث أبي عمير (ص21): (وفي قوله (ما مسست شيئا قط ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم) ما يدل على مصافحته وإذا ثبتت المصافحة دل على تسليم الزائر إذا دخل, ودل على أن يصافح الرجل دون المرأة لأنه لم يقل فما مسسنا وإنما قال ما مسست وكذلك كانت سنته صلى الله عليه وسلم في التسليم على النساء ومبايعته إنما كان يصافح الرجال دونهن)

رد مع اقتباس