عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 12-13-2011, 01:34 AM
أبو مصعب الأزهري أبو مصعب الأزهري غير متواجد حالياً
عضو مميز
 




افتراضي

الضابط السادس: الخطأ يُقدر بقدره:

لقد سبق معنا أن الإنسان بطبيعته معرض للخطأ والزلل، والعثور والخطل.

ولما كان الأمر كذلك، وكان كل الفضلاء والصلحاء عرضة لذلك، كان الواجب وضع ضابط يحفظ لهم كرامتهم من أن تهدم، ومكانتهم من أن تهدر، بسبب ما لا بد أن يقع من الخطأ منهم.

وهذا الضابط مؤداه أن العبرة بما غلب على الشخص من الحسنات والصلاح لا يهدر مكانته الخطأ العارض الذي لا يمكن أن ينجو منه أحد غير معصوم.

قال سعيد بن المسيب رحمه الله: (ليس من شريف ولا عالم إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله).

ويقول ابن الأثير الجزري رحمه الله في نفس المعنى: (إنما السيد من عُدت سقطاته وأُخذت غلطاته فهي الدنيا لا يكمل فيها شيء).

ولو كان كل من أخطأ طرح وأُهملت حسناته لترتب على ذلك مفاسد عظيمة وأضرار جسيمة، يقول ابن القيم رحمه الله: (فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة وأُهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم، وتعطلت معالمها).

والنقول في هذا الباب كثيرة، وقد سبق معنا كلام ابن القيم في الرجل الجليل من أهل الإسلام أنه:
(قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده فلا يجوز أن ي تبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين).

وكلام الذهبي في الكبير من أئمة العلم أنه: (يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه).

ويقول الذهبي أيضاً رحمه الله: (ونحب العالم على ما فيه من الصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويلٍ سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن).

هذا منهج السلف رضوان الله عليهم، فأين هذا الأسلوب مما يمارسه بعض المنتسبين إلى العمل للإسلام من تصيدٍ لأخطاء الدعاة إلى الله والعاملين له وتضخيمها والنفخ فيها إن كانت موجودة واختلاقها أحياناً إن لم توجد منفذين بألسنتهم وأقلامهم مخططات أعداء الأمة في التشهير بالعلماء الصادقين، وتحطيم مكانتهم في القلوب ومنزلتهم في النفوس؟!

ومما يدخل في هذا الباب - باب تقدير الخطأ بقدره وإنصاف صاحبه - الحكم على المخالفين البعيدين الذين كثر خطؤهم وخروجهم عن الصواب، فهؤلاء وإن كنّا نخالفهم في أمورٍ كثيرة في الأصول والفروع، فإن الله تبارك وتعالى أمرنا أن لا نحكم عليهم إلا بعلمٍ وعدل، لا بما تهوى الأنفس وتتبَع من الظن.

وقد رأينا علماء أهل السنة والجماعة - رغم حساسية موضوع البدع وفرقها عندهم - لم يمنعهم ذلك من إنصاف هذه الفرق والحكم عليها بمقتضى منهج العدل والإنصاف الذي بينوه وحددوه.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا المنهج:
(ولما كان أتباع الأنبياء هم أهل العلم والعدل، كان كلام أهل الإسلام والسنة مع الكفار وأهل البدع بالعلم والعدل لا بالظن وما تهوى الأنفس).

ويقابل هذا المنهج المنصف العادل الذي هو منهج أهل السنة والجماعة في الحكم على مخالفيهم منهج أهل الأهواء والبدع الذين يقول عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(وأما أهل البدع فهم أهل أهواء وشبهات يتبعون أهواءهم فيما يحبونه ويبغضونه، ويحكمون بالظن والشبه، فهم يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى).

وعندما طبق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا المنهج منهج العدل والإنصاف على الفرق البدعية والكلامية، فإنه أظهر إنصافاً كبيراً، ذكر من خلاله محاسن هذه الفرق مع مساوئها بميزان منصف، فذكر من محاسنها أن كثيراً منها ذهب إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلقٌ كثير وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين وهو خيرٌ من أن يكونوا كفاراً).

وذكر أن بعض المتكلمين وإن كانوا يردون باطلأً بباطل وبدعة ببدعة لكن قد يردون باطل الكفار من المشركين وأهل الكتاب ونحوهم بباطل المسلمين، فيصير الكافرُ مسلماً مبتدعاً، وبعض المتكلمين يرد البدع الظاهرة ببدعة أخف منها.

ويقول عند حديثه عن الصوفية مبيناً غلو بعض الغلاة فيهم، وجفاء بعض الجفاة عنهم، وموضحاً المنهج الوسط الذي هو الحق بشأنهم:
(فطائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة... وطائفة غلت فيهم وأدعو أنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم، والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ... ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه، وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة...).

ومما ينبغي أخذه في الاعتبار في هذا الباب كذلك معرفة أن الطوائف المخالفة للسنة ليست بدرجة واحدة في مخالفتها لها، بل هي على درجات متفاوتة، فمن هؤلاء من تكون مخالفته في أمورٍ عظيمة، ومنهم من تكون مخالفته فيما دون ذلك، ومقتضى العدل والإنصاف أن يُحكم على كل طائفة ومخالف حسب مخالفته للسنة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن درجات المخالفين للسنة وتفاوتهم في المخالفة بأن:
(منهم من يكون قد خالف السنة في أصولٍ عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمورٍ دقيقة... ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يفارقون به جماعة المسلمين يوالون عليه ويعادون كان من نوعاً الخطإ، والله سبحانه يغفر للمؤمنين خطأهم في ذلك).

ويدخل في هذا المعنى أيضاً أهمية تقدير ظروف كثير من المسلمين الذين لم تتح لهم الفرصة للأخذ بالحق صافياً لقلة القائمين به وتحكم الرواسب والشوائب المختلفة في واقع المسلمين، مع غياب الفهم الصحيح للكتاب والسنة وفقههما والقدرة على التمييز بين صحيح الأحاديث وسقيمها، وشيوع الأهواء وكثرة الآراء، فعوام المسلمين وأشباههم ممن نشأ في هذه الظروف لا يجب عليهم من العلم ما يجب على من نشأ بدار علمٍ وإيمان فيها قائمون بالحق يبينونه للناس ويدعونهم إليه، وبالتالي فلا يُحاسَبُ أولئك حساب هؤلاء.

وقد أشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فبعد أن ذكر ما كان من ظهور الحق وقيام الأدلة عليه في عهد الإسلام الأول قال: (فلما طال الزمان خفي على كثير من الناس ما كان ظاهراً لهم، ودق على كثير من الناس ما كان جلياً لهم، فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة، ما لم يكن مثل هذا في السلف، وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين يغفر الله لهم خطاياهم ويثيبهم على اجتهادهم، وقد يكون للعامل منهم أجر خمسين رجلاً يعملها في ذلك الزمان، لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا من يعينهم على ذلك).

ومما يدخل في هذا المعنى أيضاً التفصيل بشأن من اتبعوا بعض مقالات أهل الكلام يظنون أنها الحق لِما التبس عليهم من أمرها وأمر أصحابها، فهؤلاء لا بد من التفصيل في الحكم بشأنهم، فمنهم الفاسق والعاصي، ومنهم المخطيء المغفور له المعذور في خطئه لما التبس عليه من الأمر.

يقول ابن تيمية رحمه الله عن الجهمية إنهم:
(قد خفي كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى يظن أن الحق معهم لما يوردونه من الشبهات، ويكونُ أولئك المؤمنون مؤمنين بالله واليوم الآخر باطناً وظاهراً، وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة، فهؤلاء ليسوا كفاراً قطعاً، بل يكون منهم الفاسق والعاصي وقد يكون منهم المخطيء المغفور له، وقد يكون معهم من الإيمان والتقوى ما يكون معهم من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه).

هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في شأن من التبست عليه أقوال الجهمية التي تعتبر كفراً في بعضها، فكيف بمن التبس عليه الحق، وأخذ بأقوال بعض المنتسبين لأهل السنة والجماعة يعتقد أنها هي السنة والحق؟.

ومما يؤسف له كثيراً غياب هذا الإنصاف وهذا العدل بهذا العلم عند الحديث في هذه المواضيع التي يخوض فيها كثيرٌ من الخائضين اتباعاً للظن وما تهوى الأنفس، بغير بينة من علمٍ ولا بصيرة من هدى.


الضابط السابع:
كلام الخصوم والأقران يُعبَأُ به يطوى ولا يروى:



كثير من التهم التي يتراشق بها المتراشقون في الساحة الإسلامية اليوم ترجع دوافعها إلى ما يكون بين الأقران والخصوم من حسدٍ ونحوه، وهذا ليس جديداً على تاريخ البشر بل هو قديم لم يسلم منه عصر من العصور سوى الأنبياء والصديقين.

ومنهج أهل السنة والجماعة وعلماء الجرح والتعديل هو عدم قبول هذا الكلام والاعتداد به إلا إذا قام دليل قاطع على صحته.

يقول الإمام الذهبي رحمه الله:
(كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأُ به، لا سيما إذا لاح أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس).

ويقول عن تأثير الشحناء ونحوها في حكم أهل الجرح والتعديل على أقرانهم: (... لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر، ولا من الكلام بنفسٍ حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنةٌ، وقد عُلِمَ أن كلام كثيرٍ من الأقران بعضهم في بعض مهدورٌ لا عبرة به، لا سيما إذا وثّق الرجل جماعةٌ يلوح على قولهم الإنصاف).

ويقول: (كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى ولعصبية لا يُلتفت إليه، بل يُطوى ولا يُروى).

ويقول الإمام أحمد بن حنبل فيما شجر بين الإمام مالك وابن أبي ذئب:
(وبكل حالٍ فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعّف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما إماما المدينة في زمانهما).

ويقول ابن حجر
:
(ومما ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح من كان بينه وبين من جرحه عداوةٌ سببها الاختلاف في الاعتقاد... ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب، فكثيراً ما يقع بين العصريين الاختلاف والتباين لهذا وغيره، فكل هذا ينبغي أن يتأنى فيه ويُتأمل، وما أحسن ما قال القشيري... أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان: الحكام والمحدثون، هذا أو معناه).

ويقول ابن جرير الطبري رحمه الله:
(لو كان كلُ من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به، وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك، للزم ترك أكثر محدثي الأمصار، لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قومٌ إلى ما يُرغَبُ به عنه).

ويقول ابن عبدالبر رحمه الله: (هذا بابٌ غلط فيه كثير من الناس، وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك).

(والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم لم يُلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة... والدليل على أنه لا يقبل في من اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماماً قول أحد من الطاعنين أن السلف رضوان الله عليهم قد سبق من بعضهم في بعض كلامٌ كثير في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد، كما قال ابن عباس ومالك بن دينار وأبو حازم، ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم القول فيه ما قاله القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلاً واجتهاداً لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان ولا حجة توجبه).

وقد ضرب العلماء أمثلة لكلام الأقران والخصوم بمثل ما جرى بين الإمام مالك وابن أبي ذئب، وبين الإمام أبي حنيفة رحمه الله والإمام النووي، وبين الإمام أحمد والمحاسبي.

يقول السبكي رحمه الله:
(الحذر كل الحذر أن تفهم أن قاعدتهم: الجرح يقدم على التعديل على إطلاقها، بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه، وندر جارحوه، وكانت هنالك قرينة دالةٌ على سبب جرحه من تعصبٍ مذهبي أو غيره لم يلتفت إلى جرحه).

ويقول أيضاً: (قد عرّفناك أن الجارح لا يُقبل منه الجرح وإن فسّره في حق من غلبت طاعته على معاصيه ومادحوه على ذامه ومزكوه على جارحيه، إذا كانت هناك منافسة دنيوية كما يكون بين النظراء أو غير ذلك، فحينئذ لا يلتفت لكلام الثوري وغيره في أبي حنيفة، وابن أبي ذئب وغيره في مالك، وابن معين في الشافعي، والنسائي في أحمد بن صالح، ونحوه، ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا أحدٌ من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنٌ وهلك فيه هالكون).

فإذا كان كلام هؤلاء الأئمة الأعلام لا يقبل في أقرانهم، فكيف يقبل في عصرنا الذي ضعف فيه التقوى واتبُّع الهوى، كلام بعض الجماعات والأفراد ضد أقرانهم على عواهنه، خاصة أن المطعون فيهم غالباً ما يكونون من العلماء الصادقين وممن عرف بالصلاح والورع، والصدق والتضحية في سبيل الحق، وغالب الطعانين اللعانين هم من علماء البلاط وحواشي السلاطين، أو ممن استدرجهم هؤلاء ولبّسوا ليهم.


الضابط الثامن: الظلم لا يسقط الأخوة الإيمانية:

بعض المشاكل الخلافية بين العاملين للإسلام تكون بدايته باتهام ظالمٍ من طرفٍ ضد طرفٍ آخر لسببٍ ما، فيقوم الطرف المتهم بالرد.

وغالباً ما يتجاوز الطرفان أو أحدهما الحدود الشرعية في حق الطرف الآخر إلى النيل من دعوته التي يحمل أو جماعته التي ينتمي إليها أو مذهبه الذي يأخذ به، قاطعاً بذلك حبل الإخوة الإيمانية وما يترتب عليها من موالاة.

ولا يخفى أن هذا خروج واضح على هدي الإسلام وتعاليمه، فالله يرشدنا في كتابه العزيز إلى أن نقابل إساءة الآخرين بالإحسان إليهم، فذلك أدعى لالتئام شرخ الصف ورأب صدع الجماعة. يقول تعالى: {أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم}.

وليس أجمل في هذا المقام من الهروب والفرار من ميدان معركة الشتائم والتهم التي يعتبر المنتصر فيها شر الخصمين.

وإن كان ولا بد من أن يأخذ الإنسان حقه لنفسه، والانتصار من خصمه فليكن ذلك بحقٍ وعدل، فلا يجوز أن ننسى أن ظلم إخواننا لنا لا يُسقط ما لهم علينا من حقوق الإخوة والموالاة وحرمة الظلم والمعاداة.

في هذا المقام يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي... وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدي عليك والكافر تجبُ معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك).

الضابط التاسع: الهجر لا بد أن يكون شرعياً:

من المظاهر والأسباب في الوقت نفسه للفرقة بين المسلمين اليوم ظاهرة التهاجر والتدابر بين العاملين للإسلام.

وفي غالب الأحيان يُلبَس هذا التهاجر والتدابر لبوساً شرعياً، بينما في الحقيقة تكون دوافعه شخصية لا علاقة لها بالهجر الشرعي، فالهجر الشرعي لا بد أن يكون دافعه خالصاً لله تعالى أولاً وأن يكون بصورة مشروعة ثانياً، وأن يغلب على الظن أنه يؤدي إلى تحقيق المقصود منه ثالثاً.

يقول ابن تيمية رحمه الله:
(فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله، فالطاعة لا بد أن تكون خالصة لله تعالى وأن تكون موافقة لأمره، فتكون خالصة لله صواباً، فمن هجر لهوى في نفسه أو هجر هجراً غير مأمور به كان خارجاً عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله... فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق نفسه، فالأول مأمور به والثاني منهي عنه).

وكما أن الهجر لا بد أن يكون خالصاً لله ولا بد أن يكون بالصورة الشرعية، فكذلك لا بد أن يكون مؤدياً للمقصود الشرعي منه ؛ لأن الهجر ليس مقصوداً لذاته ولا للنكاية بالمهجور، بل الهدف منه إنزجار المهجور عن مخالفته من جهة وألا يقتدى به من جهة أخرى، فإذا لم يؤد إلى هذه النتيجة لم يكن مأموراً به، بل يكون تأليف القلوب أولى منه.

يقول ابن تيمية رحمه الله:
(فالهجران قد يكون مقصوده ترك سيئة البدعة... وقد يكون مقصوده فعل حسنة الجهاد والنهي عن المنكر وعقوبة الظالمين... فإذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحدٍ بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها لم تكن هجرة مأموراً بها).

إن هذا الفقه في الهجر وضوابطه وأهدافه غائبٌ عن كثير من المتهاجرين اليوم الذين يتصيدون أخطاء بعضهم ليجعلوا منها مسوغاً لهجر أصحابها والنكاية بهم والتشفي فيهم، موهمين أنفسهم ومن حولهم أنهم بذلك يقومون بالهجر الشرعي المأمور به انتصاراً للسنة وردعاً للبدعة!

والحق أن هجر هؤلاء مع أن دوافعه مدخولة وصوره غير مشروعه، فإنه لا يؤدي إلى الهدف المشروع من الهجر وهو انزجار المخالف، بل في الغالب يدفع المخالف إلى مزيدٍ من العناد والإصرار.

ومن أسباب ذلك أن كثيراً من هؤلاء الذين يمارسون الهجر والهجر المضاد ليس لهم وزن ولا ثقل حتى يؤثر هجرهم في المهجور، ومن هذه حاله فإن الهجر المشروع ساقطٌ عنه، فكيف بالهجر الممنوع؟!

يقول ابن تيمية رحمه الله:
(وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يُفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يُشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف قوماً ويهجر آخرين "فهجر الثلاثة الذين خُلفوا وتألف آخرين كانوا سادة مُطاعين في عشائرهم" وجواب الأئمة كأحمد وغيره مبنيٌ على هذا الأصل... وإذا عُرِفَ مقصود الشريعة سُلِكَ في حصوله أوصل الطرق إليه).

هكذا تبين لنا أن الهجر بسبب ذنبٍ محقق ودوافع سليمة وصورة مشروعة يسقط إذا لم يكن مؤدياً إلى تغيير المنكر، ويكون التأليف أولى منه، فكيف بكثير من صور الهجر التي يعج بها واقع المسلمين ولم يتوفر فيها أي من الضوابط السابقة؟! وكأن أصحابها لم يسمعوا قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث).

كما أنه لا يكفي في سبب الهجر أن يرتكب المهجور معصية أو يعتقد بدعة، فلا بد مع ذلك من المهاجرة بتلك المعصية، والدعوة إلى تلك البدعة.

يقول ابن تيمية رحمه الله:
(... فبهذا ونحوه رأى المسلمون أن يهجروا من ظهرت عليه علامات الزيغ من المظهرين للبدع الداعين إليها، والمظهرين للكبائر، فأما من كان مستتراً بمعصيته أو مسراً لبدعة غير مكفرة، فإن هذا لا يُهجر، وإنما يُهجر الداعي إلى البدعة، إذ الهجر نوع من العقوبة، وإنما يعاقب من أظهر المعصية قولاً وعملاً).

ويقول رحمه الله:
(وأما من أظهر لنا خيراً، فإننا نقبل علانيته ونكلُ سريرته إلى الله تعالى فإن غايته أن يكون بمنزلة المنافقين الذين كانت النبي صلى الله عليه وسلم يتقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى. لما جاءوا إليه عام تبوكٍ يحلفون ويعتذرون).

(ولهذا كان الإمام أحمد وأكثر من قبله وبعده من الأئمة كمالكٍ وغيره لا يقبلون رواية الداعي إلى بدعته، ولا يجالسونه بخلاف الساكت. وقد أخرج أصحاب الصحيح عن جماعات ممن رُمِيَ ببدعة من الساكتين، ولم يخرجوا عن الدعاة من البدع).

هذه بعض أهم الضوابط الشرعية في مذهب أهل الحق والإنصاف من أهل السنة والجماعة، وهذا المنهج فوق كونه فريضة شرعية - لأنه منهج العلم والعدل - فهو ضرورة واقعية تمليها كل العوامل والظروف المحيطة بالعاملين للإسلام اليوم، التي تفرض توحيد الجهود وتعاون الطاقات الداخلية لمواجهة الأعداء الخارجيين، بدلاً من صرفها في مؤلفات وأشرطة الردود والردود المضادة والصراعات على المساجد ونحوها من الأمور التي استفرغ فيها كثير من الجهد الإسلامي.

ومع وضوح هذه الحقائق فإننا لا زلنا نتساءل مع المتسائلين المشفقين على مستقبل هذه الدعوة ومستقبل هذا الدين وهذه الأمة:
متى يفيق المسلمون من رقدتهم الطويلة ونومتهم العميقة؟
ومتى ينهضون للقيام بعمل جاد لدينهم ودعوتهم؟
ومتى يميزون بين صديقهم وعدوهم؟
ومتى يوجهون سهامهم الداخلية التي يتناحرون بها إلى عدوهم الخارجي الجاثم بكلكله على صدر أمتهم يدنس ويحتل مقدساتها ويذل ويهين كرامتها وينهب ويسلب ثرواتها وخيراتها؟!


والإجابة على هذه التساؤلات لا تتم إلا بالأخذ العملي الجاد بمنهج أهل السنة والجماعة الذي يدخل فيه بالضرورة منهج العلم والإنصاف والعدل السابق الذي يحكم علاقات المسلمين فيما بينهم وعلاقاتهم مع الآخرين.

ويوم أن يأخذ العاملون للإسلام من جماعات وأفراد بهذا المنهج فستكون تلك البداية الصحيحة لتحقيق معاني الوحدة والائتلاف بين المسلمين والقضاء على أسباب الفرقة والاختلاف بينهم، وعند ذلك ستكون الحاجة ماسة إلى معرفة معالم الإطار العام الذي يمكن للجميع التعاون والتناصر والتآزر من خلاله، تمهيداً للوحدة الكبرى التي ينبغي أن تكون مطلب الجميع وهدفهم الكبير.

وفي النقطة التالية سنحاول ذكر أبرز معالم هذا الإطار...

التوقيع

جرِّد الحجة من قائلها، ومن كثرة القائلين وقلّتهم بها، ومن ضغط الواقع وهوى النفس، واخلُ بها والله ثالثكما، تعرف الحق من الباطل .
ــــــــــــــــ
لن يُنصَف الحقُّ إلا إذا كان القلب خالياً عند الكتابة من كل أحدٍ إلا من خالقه سبحانه، وكم من الأشخاص يجتمعون في ذهن الكاتب والقائل عند تقييده للحق فيُصارعونه ليَفكوا قيده، فيضيع الحق، ويضيع معه العدل والإنصاف.
الشيخ الطريفي ـ وفقه الله ـ
رد مع اقتباس