انا لله وانا اليه راجعون نسألكم الدعاء بالرحمة والمغفرة لوالدة المشرف العام ( أبو سيف ) لوفاتها رحمها الله ... نسأل الله ان يتغمدها بواسع رحمته . اللهم آمـــين


ملتقى نُصح المخالفين ، ونصرة السنة لرد الشبهات ، ونصح من خالف السنة ، ونصرة منهج السلف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-27-2009, 01:22 AM
عبد الملك بن عطية عبد الملك بن عطية غير متواجد حالياً
* المراقب العام *
 




Icon41 البدعة بين النصيحة والخديعة

 



(البدعة بين النصيحة والخدعة)

إن الحمد لله نحمَده ونستعينه ونستغفِره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مُضل له ومن يُضلِل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد : فإنَّ خيرَ الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بِدعة وكلّ بِدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .

فهذا رد على ما أذاعته قناة اقرأ في برنامج الجمعة ضمن حلقة بعنوان " خدعوك فقالوا دي بدعة " أي خدعوك بقولهم هذه بدعة
من تقديم شاب مصري يدعى مصطفى حسني
نازع فيها من يخالفونه في موضوع البدعة ، وبدأ منازعته لهم للأسف باتهامهم بالخداع عَبْر هذا العنوان العريض ، وأكّد مراده منه منذ مطلع الحلقة
وإن الدارس لهذا الباب ( باب البدعة في العبادات ) يعلم أن أصول هذا الباب ، من حدّ البدعة وضابطها ، وشمولها لكل حَدَث ولو كان إضافيا أو نسبيا هو من المسائل التي لا يسوغ فيها الاجتهاد ، لاتفاق السلف عليها
كيف لا وهو جانب مهم من معنى شهادة أن محمدا رسول الله ، إذ قد عدّ النبي صلى الله عليه وسلم المخالف في هذا الباب راغبا عن سنته كما سيأتي في الحديث ، فلا متبوع بحق إلا رسول الله
كيف لا وهو مرتبط بأحد شرطي قبول العبادة اللذَين لا تقبل العبادة إلا بهما وهو المتابعة والموافقة لما كان عليه النبي وصحابته ، والآخر هو الإخلاص كما هو معروف
كيف لا وهو مرتبط بأصل هام وضروري من أصول الشرع ألا وهو
( الأصل في العبادات التوقيف والمنع ) فلا يعبد الله إلا بترخيص وتشريع من المشرع

أخي الكريم أود أن أنبهك أننا أمام حقائق جلية تتعلق بحلقتي الأستاذ مصطفى ( خدعوك فقالوا ) لا أظن والله من سمعهما متتبعا يخالفني في هذه الحقائق ، وهي والله مما لا يكاد يصدق عاقل صدورها عن شخص ، لما اشتملت عليه من تناقضات صريحة يعجب منها الإنسان ، والله بصورة تدهش وتذهل ولذلك سأذكر هنا بعضها مجملا ثم أبسط الكلام فيها موثِّقا كلامه بحروفه ما استطعت .
وأرجو أخي الكريم أن تركز في قراءتك وتصبر على ما سأذكره إن كان فيه شيء من الطول فالمراد مهم للغاية .

1ـ تكلم الأستاذ في الحلقة الأولى بصورة واضحة على أن مفهوم البدعة الذي ذكره من تعريفٍ للبدعة وذكرِ ضابطها وما يدل عليه من تطبيق هو مذهب العلماء والسلف وكل الأئمة باتفاق منذ أكثر من ألف ومائتي سنة وحتى قبل أربعمائة سنة .
فقد قال بالحرف الواحد عن مفهومه هو للبدعة وضابطها والذي طرحه في الحلقة فقال وكلامه بالعامية في الغالب :
( حنتكلم عن المفهوم اللي السلف والصحابة فهموه عن البدعة واللي تكلموا عنه في كتبهم وفي كتب أهل العلم من لدن الصحابة لغاية واسمحوا لي إنا نحنا بعد إذنكم مش حنستخدم كلام الناس اللي عايشين ...) كذا
ثم عاد بعد أن صور أن مخالفه ليس له من سلف إلا كلام المشايخ في الأشرطة فقال عن مذهبه الذي طرحه في مقام الدعاية له :
( لكن الأقوى أن يكون ابن حجر متفق مع الشافعي متفقين مع الصحابة وكل الأئمة من السلف )
ثم قال متابعا دون فصل للكلام :
( على أنا نحنا بقى دي الوقت كبرنا أو صغرنا عندنا مشكلة في البدعة [ يعني كما يزعم المخالف ] وهم [ يعني مخالفيه ] عرفوها بطريقة مختلفة ، خاصة وحانشوف دي الوقت في الكتب اللي أنا حاطط إيدي عليها وعايز أحط جواها في قلبي )
ثم كرر نحوا من هذا قائلا عن التطبيقات التي نقلها :
( وهل التطبيقات اللي حانشوفها ونحن ماشيين مع بعض في السلف الصالح في الألف سنة الأولانية [ ولوح بيده ]من أيام النبي صلى الله عليه وسلم لغاية أربعمائة سنة...هل علماء السلف الصالح [ ووضع يده على الكتب ] كانوا بيفتوا بأي تعالوا ...)
وتعدد منه الادعاء بأن ما طرحه هو مذهب الأئمة ويخص منهم الأربعة بالذكر وتعددت أساليبه غير أن أسلوبه الكلامي أحيانا يجعل من العسر نقله حرفيا ، للعامية في الكلام ولقطعه الكلام فجائيا وانتقاله إلى معنى آخر ، بحيث نقلُه يحتاج إلى ربط وهذا يسبب في إطالة فاحشة لو نُقل وسأحرص في الأيام القادمة على نقل لقطات منه على ملف فيديو وسأنزله على اليوتيوب ففيه ما يجلي حقيقته
ثم جاء في آخر الحلقة في آخر كلمات له وأكد ما سبق ، قائلا عما قرره من مذهبه وأنه عين مذهب السلف فقال :
( وهذي السلف أهم )
وفي المقابل صور مذهب مخالفه الذي نقله على سبيل الرد بأنه لا يوجد في أقوال السابقين ولا في الكتب ولم يرِد عن العلماء وذلك بأساليب متنوعة أكثرها تعريضية ( يا ترى العلماء قالوا كده ) ثم ينفي ( هل العلماء عرفوا البدعة كده ) ثم ينفي وتارة ( أوعى أقول لك قال ابن تيمية .. الشافعي .. مالك بتقول بس أنا سمعت في الشريط الشيخ قال كده ) وكررها مرارا مرسخا في أذهان المشاهدين أن مخالفيه لا يملكون إلا كلاما في أشرطة يعني معاصرين فقط ، وتارة ينادي بالتلقي عن العلماء ويصور أن انعدام هذا عند مخالفه هو مشكلة المخالف ويستدل بأنه ( حتى النبي أخذ عن جبريل ) مستنكرا هذا المذهب المجرّد من التلقي عن العلماء ، بل صرح أكثر من مرة بظهوره مؤخرا ووصفه بالاختراع من قبل بعض الشباب وأن قائليه ( هم الصحفيون ) وسبب ظهوره ( الجهل من هؤلاء وقلة العلم ) ( وهو غلط في نفسه ) ( وغلط على السلف ) ( وينافي تعريفات العلماء وتطبيقاتهم ) ( ومش علمي أصلا ) ( وكلام من لم يطلب العلم على المشايخ ) ( وسببه عدم العلم ) ( وهم لا يرجعون إلى السلف ) ( وما يعرفوش السلف بيعملوا أي ) ( وما يعرفوش معنى البدعة ) وبالتالي هو الذي يصدق عليه أنه بدعة ، ( ولو أصر عليه صاحبه سيضيع دين النبي ) وسبَّ أصحابه سبا عجيبا كما سيأتي .
وكل ما بين الأقواس هنا من كلامه بقريب من حروفه
وإضافة إلى هذا أكد مرارا ومرارا أن مخالفه لا يتبع العلماء السابقين بأساليب تعريضية كثيرة جدا
حتى أنه قال مصورا حجم المخالفة عند مخالفيه :
( يعني مش مسألة أنه قرر عن حاجة بدعة في حاجة السلف ما تكلموش فيها ؟
دا هو الأئمة تكلموا أن دي مش بدعة وهو قال بدعة )
فانظر إلى تصويره مذهب مخالفه
وقال متكلما على لسان مخالفه محاولا أن يصور قدر جهله :
( دا ، اللي خلاني ما اعرفش يبقى عندي الآلة أو المفتاح اللي يخليني أعرف أن دي بدعة ولا مش بدعة )

هل تصدق أخي الكريم أنه جاء في الحلقة الثانية بعد أسبوع وبعد أن رد عليه بعض الأفاضل فقال كلاما مناقضا لما سبق تماما ، وكأنه لم يتكلم في قناة شاهدها ألوف مألفة وهذا موطن العجب فقال :
( ما حبيتش تأخذ برأيي وعندك إمام ثاني أنت حلو وأنا مش غلط ، أنت ماشي صح وأنا ماشي صح .
أنا أصلا ما نقلتش الأقوال الأخرى لأنها مشهورة مش محتاجة تنقل ) ا.هـ كلامه
وقال : ( أنت صح معاك قول إمام وأنا صح معاي قول إمام )
وقال في هذه الحلقة مقررا الخلاف : ( نحن كذا مختلفين مع بعض وذا اسمه رحمة )
وقال بأنه أراد فقط أن يعرف المشاهد أن هناك قولا آخر في المسألة غير الذي يقوله مخالفه ، فقط هذا المراد من الحلقة
فهل يكون بيان أن هناك قول آخر وهو قولك يا أستاذ بمجانبة الصدق والقول بما يخالف الحقيقة وبتحريف الواقع ؟
هذا يذكرني بقصة مشهورة في أحد البلاد العربية :
يحكى أن رجلين يقود كل منهما سيارته التقيا في الطريق فتخاصما فوقف كل منهما بجانب الطريق إثر المناوشة ، فنزل أحدهما مسرعا وهو غاضب ففتح الصندوق الخلفي وأخرج منه المرفاع اليدوي ( الكريك ) ليضرب به الآخر وكان الآخر قد تباطأ في النزول قليلا فما أن نزل حتى كان صاحب المرفاع قد قاربه وإذا بهذا الذي كان قد تباطأ ضخم الجثة فلما رآه صاحب المرفاع تفاجأ وارتعب فلم يملك إلا أن قال مغيرا موقفه : ( هذا المرفاع لك ؟ )
الأستاذ فعل ما فعله صاحب المرفاع

كيف سنتعامل مع من تصدر منه مثل هذه المناقضات ؟
بالله اسألوا الدكاترة النفسيين عن مثل هذا المثال العلني هل يصدر مثله من شخص بشكل عارض أم عادة لايصدر إلا ممن به خلل متأصل ؟
وسأختصر عليك الطريق بعشرات الأمثلة للأستاذ نفسه في هذه الحلقة والتي جمع فيها بين الانكار للمشهور والمناقضة المكشوفة والمغالطات العلمية الصريحة والتي سيأتي نقضها تفصيلا

2ـ قال عن السلف ومن جاء بعدهم : ( هم زمان ما كانوش يقولوا دي سنة ودي بدعة ) ينفي اشتغالهم ببيان السنة من البدعة ؟!!
وهذا كلام والله سوقه يغني عن الرد عليه .
فيكفي أن العلماء ألفوا كتبا خاصة في بيان البدع من غيرها حتى أنه يصعب حصر ما كتب فيها خصوصا .
وأنا أدعوا كل أخ أن يأتي إلى أي مكتبة إلكترونية كالمكتبة الشاملة أو غيرها والتي تحوي أهم الكتب الاسلامية ويكتب في خانة البحث كلمة بدعة ، ثم يضغط على البحث فسيجد نتائج هائلة تتجاوز الآلاف من النتائج وعند متابعتها سيجد الباحث أنها تتكلم عن البدعة وتحذر من الأعمال البدعية في الآلاف منها .
والله كثير ممن يرضاهم الأستاذ من أهل العلم لا يمكن أن يقولوا بهذا بل يعارضونه .
بل قال الأستاذ عن مخالفيه في موضوع البدعة مشبها :
( صخرة ضخمة اسمها : الغلط والصح ، والبدعة والسنة ، اسمع لهذا وما تسمعش لهذا ، وأحاديث ضعيفة ، وذا على المنهج السليم وذا على المنهج الغلط ، صخرة عظيمة اسمها دي بدعة احنى بنحاول نقتلعها بعد ما ثبتت في قلوب كثير منا )
فالرجل بلغ مستوى من التفكير خطير يدل على أنه يعيش خللا بالغا ، هو وأمثاله يريدون أن يتكلموا بما شاؤوا ويكيفوا الدين على أمزجتهم دون أن يعترضهم أحد ، وتأمل نفرته من كل أساليب النقد بما فيها تضعيف الأحاديث ولذلك سيأتي غمزه في علم الحديث
وهذا الكلام منه يضاد دين الإسلام ، ويضاد مذاهب المسلمين كافة لا أقول السلف فحسب ، بل هذا الكلام يضاد حلقة الأستاذ نفسها لأنه كما اعترف في الحلقة يحارب الغلط الذي وقع من مخالفيه
فهل من يصدر منه هذا يكون خطؤه عارضا ؟

3ـ نفى في أكثر من مرة استدلال العلماء بمبدإ أن مالم يفعله رسول الله ولم يثبت عن السلف فهو بدعة ولو كان خيرا لسبقونا إليه ، ومن ذلك قوله :
( يا ترى النبي ما عملهاش ولو كان خيرا لسبقنا إليه ! ذا كلام العلماء ؟! ولا ذا كلام أصلا مش علمي )
وقال : ( التبديعيين ... اللي في وسطنا اللي كل شوية يقولك دي بدعة والسلف ما عملوهاش ولو كان خيرا لسبقك إليه النبي
سبب وجود هؤلاء هو قلة العلم عموما وقلة السعي لطلب العلم ) ا.هـ
وقال : ( ولا واحد من الأئمة قال : اللي النبي ما عملهاش ولم يكن عليها هدي السلف تكون بدعة )
بينما هذا الذي أنكره مشهور مستفيض لا خلاف فيه كما سيأتي بيانه
فمثل هذا الكلام هل يصدر من شخص طبيعي في غلطه ؟
4ـ قال بأن علم الحديث هو سبب وجود التبديعيين ؟!
وبرره بعدم الدراسة على الأصوليين الفقهاء ، فما علاقة علم الحديث بالبدعة لولا سوء النظرة لهذا العلم الشريف والبعد عن السوية في التصور ؟!!
وأنا أنقل له هنا كلاما للإمام إبراهيم الحربي الذي كان يشبهه الدارقطني بأحمد بن حنبل وهو معاصر لأحمد يبين فيه بعد أصحاب الحديث من البدع وأنهم أبعد الناس عن ذلك
يقول الإمام إبراهيم الحربي رحمه الله :
" لا أعلم عصابة خيرا من أصحاب الحديث ، إنما يغدو أحدهم ومعه محبرة ، فيقول : كيف فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وكيف صلى ، إياكم أن تجلسوا إلى أهل البدع ، فإن الرجل إذا أقبل ببدعة ليس يفلح ".
فشتان بين كلام الأئمة وكلام غيرهم ، واستفد أخي القارئ من فلتات ألسنة القوم لينكشف لك ما يخفونه وإلا كيف يجعل علم الحديث الذي هو نصف الدين سببا للانحراف وهل الدين إلا حديث وتفسير

5ـ ادعى أن ابن تيمية الذي هو سلفي من دماغه إلى أخمص قدميه بأنه في صفّه وضد مخالفيه السلفيين وحاجج به مرارا ومنه قوله :
( أوعى أقول لك قال ابن تيمية ... تقول بس سمعت الشيخ في الشريط )
وكرر نحو هذا واستدل به في التعريف وفي تطبيقين وصوّره ممن يقول بالبدعة الحسنة وبالمفهوم الذي ذكره
فبالله هل يقبل بهذا حتى من يقول بقوله من العقلاء ؟
وسيأتي نقل كلام ابن تيمية نفسه الذي يبطل ما نسبه له الأستاذ .
فهل يصدر هذا من أمين في نقله ؟

6ـ أيضا مالك بن أنس إمام دار الهجرة ذكره أكثر من مرة محتجا به على أنه معه في الموضوع في مفهوم البدعة وفي التطبيقات مع أنه لم ينقل عنه حرفا واحدا في أية جزئية
بينما مالك بن أنس لا يوافقه في شيء مما ذكر ، بل يقول ببدعية الدعاء بعد كل صلاة وبدعية التعريف بعرفة وينكر مسح الوجه بعد الدعاء وأيضا قراءة القرآن على القبور والموتى كما نقل عنه شيخ الاسلام والقرافي وهو في منح الجليل شرح مختصر خليل ولم يصح عن مالك سواه
وكل هذه أمثلة مثّل بها الأستاد لما ليس ببدعة عنده ، ودعا إلى فعلها ونسب لمالك أنه يوافقه في جوازها ، كما دل عليه احتجاجه بمالك عموما ومرارا ، بينما مالك يمنع من هذه الأفعال ويكرهها ويراها محدثة
بل يمنع مالك أيضا من أمثلة أخرى سوغها الأستاذ على قاعدته وألمح إلى أنها سائغة :
كقراءة القرآن قراءة جماعية من باب الذكر .
وكالدعاء بصورة جماعية عقب الفراغ من القراءة .
وكالاجتماع للختم في ليلة من رمضان تُخصَّص للختم .
وكتخصيص سورة كالاخلاص بالتكرار في الصلاة .
وكتخصيص القول عند ذبح الأضحية بقول اللهم منك وإليك . وتخصيص أحد قوائم الثابوت بابتداء الحمل .
بل والقول ببدعية غسل اليدين قبل الطعام لغير علة .
وكل هذه أنكرها مالك والأستاذ يسوغها بقاعدته بل يشنع على من يقول ببدعيتها .
بل مالك كان يبالغ في إنكار المحدثات وأبرز ما يبين هذا ما سيأتي من إنكاره على المؤذن تذكيره الناس بالصلاة فيما يعرف بالتثويب الغير الوارد .
وسيأتي عزو هذه الأقوال لمالك مفصلة .
فمن أين جعل الأستاذُ مالكا موافقا لمذهبه ؟
سلوا الباحثين والدارسين هل يكون صادقا من يقول إن مالكا يجوّز الإحداث في العبادات ما دام أن النصوص العامة قد جاءت بها ومادام أنها لاتخالف أصول الشرع ؟ وأن التخصيص دون دليل هو من البدع الحسنة وأنه ليس كل بدعة مستقبحة ؟
كيف وأشهب ينقل عنه منعه من البدعة ولو كانت في خير كما هو تعبيره وسيأتي
كيف وهو القائل : من ابتدع بدعة وزعم أنها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة
والله لا خلاف بين المتخصصين جميعا المنصفين أن مالكا بريء من مذهب كهذا .
إنه والله لخرق لأمانة العلم ومجانبة صارخة أن ينسب الأستاذ مذهبه لمالك
وأنا أطالبه إن كان واثقا من نفسه أن يذكر لنا لاحقا مستنده فيما نسبه لمالك بعيدا عن الانتقائية ، مع أني أكاد أجزم أنه ولو انتقى ما انتقى فلن يظفر بما ينجيه من تهمة مجانبة الأمانة وليغلطني إن استطاع .

7ـ وصف أحد الذين ألفوا في جواز المولد في القرن السابع بأنه أحد الصالحين مروجا مقالته ، بينما تكاد كتب التاريخ تتفق على كذبه وفساده وخبثه وسيأتي كلام ابن كثير فيه هو وبعض المؤرخين
فهل يفعل هذا أمين ؟
8ـ استدل بحديث صلاة ركعتين بعد الوضوء من بلال فأتى بلفظ ملفق من روايتين وعزاه للبخاري ! بينما شطره الأول ليس في الصحيح أبدا ، فحذف شطر البخاري الأول لأنه يبطل استدلاله وأتى بشطر من رواية أخرى حتى يتم له استدلاله وأبقى على شطر رواية البخاري الثانية وعزاه كاملا للبخاري
بينما الشطر الذي حذفه يبطل استدلاله أو على الأقل يشوش عليه
وهذا تفنن في خرق أمانة العلم وسيأتي إيضاحه جليا

فهذه فقرات مجملة سيأتي إيضاحها وتفصيلها ضمن هذا الرد وهي بعض ما وقع فيه الأستاذ من انتهاكات
وسيأتي أن الأستاذ ارتكب مخالفات أخرى كثيرة وكبيرة تجلي مقدار الأمانة عنده بصورة واضحة ، من حذف لبعض الكلام ومن خلط في نقل مواقف الأئمة ، وانتقائية فاحشة في اختيار بعض أقوالهم دون بعض ، ومن إلصاق كلام ببعض الأئمة يخالف عين كلامهم الذي لم ينقله وسيأتي كل هذا وغيره
ولقد حرصت أخي الكريم على أن يكون هذا الرد تأصيليا فجمعت لك من تطبيقات السلف صحابة وتابعين فمن بعدهم من خلال آثارهم ومن خلال تطبيقات الأئمة من كلامهم في هذا الموضوع الخطير ما يشفي صدر كل صادق
واقتصرت على الواضح منها والإيجابي الذي يحدد البدعة عندهم ويصف الفعل بالبدعة والذي هو تطبيق صريح لمعنى البدعة وهو الأصل في استعمال العلماء وهو الأكثر في التطبيق
فالعلماء ألفوا في البدع وبيانها وجمعوا ما وقفوا عليه مما يسمى بدعة ،
ألف ابن وضاح في القرن الثالث وألف الطرطوشي وأبوشامة والشاطبي والسيوطي فلم يكن أصل كلامهم التمثيل لما ليس بدعة كما فعل الأستاذ هداه الله فمثل هذا لا يوضح المراد
فذكرت لك جملة من التطبيقات الواضحة

وأشرع الآن مع الأستاذ مصطفى في هذه الجولة مع ما ذكره عن البدعة

أولا الطرح المشتت والغير هادف :

ـ الأستاذ هداه الله لم يوضح طول حلقته حتى قوله الذي يقول به .
لم يوضح ما هي البدعة عنده ، وذلك عندما ساق تعاريف مجملة دون بيان واضح لمعانيها ودون أن يمثل لها بأمثلة ولو بمثال واحد وفق مذهبه وهل تتضح مسألة كهذه دون تمثيل ؟
فهو لم يقل العمل الفلاني بدعة أو المثال الفلاني نموذج للبدعة التي أُعرّفها وإنما اكتفى بالتمثيل لما ليس ببدعة فقط .
وما قام به الأستاذ من طرح يوحي بأنه مهتم فقط بإخراج المشاهد من الحلقة مشوشا ، شاكا في هذا الباب من أصله وهذا أقرب إلى الأسلوب الهدمي أو التشويشي ، وذلك عندما حرص في طرحه على نقل تعريفات مجملة دون ربطها بالأمثلة ولا بتطبيقات العلماء لها ، لا الأمثلة المتفق عليها أو الصحيحة التي تنسجم مع التعريفات كما هو المنهج السوي ولا الأمثلة حتى المختلف فيها !!
و لاخلاف أنه بالمثال يتضح المقال ، فأين التوضيح ؟
وخاصة في موضوع دقيق وعلمي كهذا ولدقته فانظر ما جاء في فتاوى الأزهر عن مفهوم البدعة :
" إن تحديد المفاهيم عنصر هام من عناصر البحث فى أي موضوع ، وبدونه تختلف الأحكام وتتضارب الأقوال ، ويحدث التفرق .
وتحديد مفهوم البدعة التى هى ضلالة فى النار فيه صعوبة.
.... فإن موضوع البدعة دقيق ، وفيه كلام طويل " ا.هـ
وضرب الأمثلة من أهم ما يبين المفاهيم ، والأستاذ من أحوج الدعاة لذلك بسبب مستوى المشاهدين لحلقته التي هي مخصصة في الأصل لعامة الشباب ولا تختص بالمثقفين منهم
فأين الأمثلة على البدعة المذمومة عندك يا أستاذ ؟ أين الصور المعنية في التعريفات التي نقلتها ؟
لماذا لم تذكر مثالا واحدا طول حلقتك يصح وصفه بأنه بدعة مما تنطبق عليه النصوص الشرعية في وصف البدعة ولو بالمعنى الذي تنادي به ؟
لماذا ؟
وإنما اكتفى الأستاذ بعرض بعض الأمثلة لما ليس ببدعة عنده وبطرف من الأقوال التي لا تمثل التطبيق المذكور ، فهي تنفي البدعية ولا تفيد في تصوير البدعة المعنية ، وتتعلق بموقف بعضهم في جزئيات حصل في بعضها خلاف ، وتُمثّل عند قائليها الجانب الخارج عن التعريف لا المعنِيّ والمراد بالتعريف ، وهو من باب ما لا ينقض الوضوء ، كما يُشبّه شيخُ الاسلام أمثالَ هذا الأسلوب ، فمن أراد بيان نواقض الوضوء لا يقول في بيانها مثلا : شرب اللبن لا ينقضه وشرب العصير كذلك والسعال لا ينقضه والعطاس لا ينقضه والقفز لا ينقضه ...إلى ما لا يحصى من الأمور التي هي من قبيل السلب وإنما الإيضاح يكون بذكر الإيجاب ، النوم ناقض والبول ناقض ...
هكذا تُشرح المسائل ، فحضرة الاستاد شغل المشاهدين بما ليس بدعة في نظره هو ، بناء على ضوء اطلاعه الانتقائي .
أما ما كان بدعة فلم يهتم به ولو من النافذة التي تناسب مذهبه بحيث أشغل وقت البرنامج وهو ساعة كاملة تقريبا بما يظن أنه ليس بدعة
فمما لا يليق بالأستاذ الخوض في الموضوع دون هدف نزيه يجلب للمستمع الطمأنينة بضبط المسألة وإحكامها
فهو هداه الله لا ضبط التعريف ، ولا مثّل ولا بيّن نوع الأمثلة التي يسوغ فيها الخلاف والتي لا يسوغ والذي من شأنه أن يزيل اللبس والإشكال على المشاهد
ثم أضاف لهذا أنه بما خلص إليه من الحلقتين جعل المشاهد الكريم في حيرة عندما أوهمه أن هذا خلاف بين العلماء معروف حتى أنه صوّر من يقول الشيء الفلاني بدعة فهو من الفريق التبديعي ومن كان يقول ليس ببدعة فهو من الفريق الذي يتوسع في تجويز البدع ثم ترك المشاهد عند هذه النقطة
لم يبين حقيقة الخلاف ولا الصورة الواضحة لهذا الخلاف فضلا عن بيان وضبط مسائل الاجتهاد السائغة من غيرها
ولا يدري أن هؤلاء الذين يشاهدونه عندما يسمعون من الفريق الآخر احتجاجهم بنفس العلماء الذين احتج بهم الأستاذ سيتوهون إن كان كلام الأستاذ علق بأذهانهم .
فهو هداه الله لم يبال في طريقته ما الذي سيؤول إليه تفكيرهم ؟ و أيضا عندما يسمعون من العالم الواحد عن أمر يقول عنه بدعة ثم يقول عن أمر آخر ليس ببدعة كيف سيكيفون قوله ؟
طبعا الأستاذ بسياسته في الحلقتين تركهم في موطن ليس لهم معه إلا التيه وهذا من أبرز المآخذ على أستاذنا أصلحه الله
طبعا أنا أُرْجِع هذا الطرح المشتت من الأستاذ إلى عدة أسباب منها أن تجنب هذا التشتيت لا يخدم هدف الأستاذ من الحلقتين بل يصب في مصلحة القول الآخر الذي انبرى الأستاذ لنقده وتتفيهه
وحتى يكون طرحي مفيدا وصادقا وعلميا أكثر من كونه ناقدا أوضح الجانب العلمي للطرح الواضح بما يدل على ما وراء ذلك التشتيت من إخفاء لحقيقة المسألة وذلك بما يلي :

عند النظر في المسائل التي حكم عليها علماؤنا بموجب هذا الباب من بدعية أو عدمها نلحظ أنها تكاد تنحصر في الآتي :

1ـ أفعال اتفق السلف والخلف من العلماء على بدعيتها :
كالأذان يوم العيد فمع فعل بعض الأمراء له في عهد بني أمية لكن العلماء من السلف فمن بعدهم نصوا على بدعيته حتى نقل الإمام مالك عدم الخلاف في ذلك وسيأتي .
وكالمداومة على الجماعة في صلاة النفل المطلق وسيأتي النقل في ذلك .
وكذكر الله تسبيحا وتكبيرا ونحوه بأصوات ملحنة مطربة فإذا أضيف إليه معازف فهو أوضح.
وكقراءة سورة الأنعام في آخر صلاة التراويح .
وغيرها كثير وكلها ستأتي منقولة عن العلماء من مصادرهم .

2ـ أفعال اتفق السلف وجل الخلف على بدعيتها :
كالجهر بالذكر أثناء تشييع الجنازة ، وكذكر الله تسبيحا وتكبيرا ونحوه بأصوات ملحنة مطربة فإذا أضيف إليه معازف فهو المعروف بالتغبير الذي أغلظ فيه السلف النكير .
وكدعاء الرجل قائما بعد الصلوات ، وكرفع اليدين من الخطيب على المنبر في الجمعة في غير استسقاء وكمسح الوجه من دعاء القنوت أثناء الصلاة . وغيرها كثير وسيأتي عند الكلام على تطبيقات العلماء توثيق هذه الأقوال

3ـ أفعال حصل فيها شبه اتفاق والخلاف فيها لايكاد يذكر قليل وشاذ .
كالدعاء الجماعي دبر كل صلاة وكرفع المؤذن صوته بالصلاة والسلام على النبي عقب أذانه ، وكالرجوع القهقري تعظيما لبيت الله الحرام وكالمصافحة بعد كل صلاة وكالتلفظ بالنية للصلوات وغيرها .
وهذا حال أكثر الأفعال المبتدعة
والفرق بين هذه الفقرة والتي قبلها أن التي قبلها ظهر إنكارها عند السلف لحدوثها أيضا في وقتهم خلافا للفقرة الثالثة التي يبدو أن ما ذكر فيها قد حدث بعدهم

4ـ أفعال اختلف فيها السلف والعلماء لاختلافهم في صحة الحديث أو الأثر أو ضعفه .
كمسح الوجه بعد الدعاء ، وكقراءة القرآن على القبر ومنها الفاتحة ، وكصلاة الضحى
من صحح ما ورد رأى أنه سنة ومن ضعف رأى أنه بدعة

5ـ أفعال اختلف فيها السلف نتيجة بلوغ النص لطرف وغيابه عن الآخر .
كصلاة الجنازة في المسجد ، وكسجود الشكر ، والسجود على الحجر الأسود
من بلغه الحديث قال بمشروعية الفعل ومن غاب عنه قال ببدعية الفعل وستأتي في التطبيقات موثقة

6ـ أفعال اختلف السلف فيها تبعا لاختلافهم في ثبوت ذلك عن النبي من عدمه ولكن من جهة فهم النص
كالجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية
فمن فهم من حديث أنس أن النبي وأبابكر وعمر لم يكونوا يجهرون بها رأى أن الجهر بدعة ومن رأى أن الحديث لا يدل على نفي الجهر لم يبدع الجهر
7ـ أفعال اختلف فيها السلف نتيجة حدوث سبب لم يكن في زمن النبي مما أدى إلى عدم وجود سنة خاصة معمول بها في تلك الصورة
كانتشار البنيان والتوسع فيه بصورة تؤثر على إعلام الناس بصلاة الجمعة التي لم يكن لأول وقتها ـ وهو الذي تقام فيه الخطبة ـ علامة كونية ظاهرة كالزوال ، فليس أول وقت النداء يوم الجمعة هو أول وقت النداء للظهر فقد ثبت عن بعض الصحابة صلاتها وقت الضحى وهو مذهب الإمام أحمد ، فلم تكن هناك سنة خاصة معمول بها في مثل هذا الظرف حتى يرجع إليها .
فهذا السبب الحادث بعد النبي وهو انتشار البنيان هو الذي سبب في اختلافهم في إقامة أذان آخر كما فعل عثمان لقناعته بحاجة الناس إليه بعد حدوث ذلك التوسع في البنيان إذ إقامة الخطبة مباشرة بعد الأذان الغير محدد للناس بعلامة كونية ثابتة مع انتشار المساكن وبُعدها يجعل فوات الخطبة وربما الصلاة على الكثير أمرا حتميا
واعتبر بعض الصحابة هذا العمل بدعة حتى مع هذه المعطيات
كما سيأتي النقل عنهم
فانظر إلى حرص بعض الصحابة ولزومهم ما كان عليه عمله ص حتى في مثل هذه الحال

فهذه سبعة أنواع لمواقف السلف والعلماء من الأفعال التي توارد كلامهم فيها عن بدعيتها من عدمها بما يجلي مذهبهم وضابطهم في البدعة .
فقد تبين أن الفيصل عندهم والقاطع للنزاع ومربط الحكم عندهم والذي لم يختلفوا فيه هو التركيز على معرفة ورود الفعل عن النبي أو عن صحابته من عدم وروده
ولذلك نجدهم يحكمون بمشروعية ما ورد ولا يختلفون في هذا عند علمهم بثبوته
كما نجدهم يحكمون ببدعية ما لم يرد ولا يختلفون في هذا عند علمهم بعدم ثبوته
وعادة يرفقون أحكامهم بعبارات تدل على هذا كما سيأتي باستفاضة
وإليك الآن أمثلة على ما ذكرته من تشخيص أكتفي بها هنا والبقية ستأتي ضمن الأمثلة التطبيقية التي جاءت عن السلف والعلماء في هذا الباب
ففي رواية صحيحة ثابتة عند البيهقي
أن عائشة وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن أمرن بجنازة سعد بن مالك رضي الله عنه أن يمر بها عليهن فمر به في المسجد فجعل يوقف على الحجر فيصلين عليه
ثم بلغ عائشة رضي الله عنها أن بعض الناس عاب ذلك وقال هذه بدعة ما كانت الجنازة تدخل المسجد !
فقالت ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا مالاعلم لهم به عابوا علينا أن دعونا بجنازة سعد تدخل المسجد وما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل ابن بيضاء الا في جوف المسجد
والحديث في صحيح مسلم بنفس المعنى وبنفس الدلالة ويحمل نفس الحجة التي أريدها غير أن هذا اللفظ أوضح ولا تستغرب إذا قلت لك إنه أصح
فعائشة بينت أنهم لعدم علمهم بهذا الدليل صاروا إلى الإنكار والتبديع
وأما المثال الثاني فعن قنوت الصبح
فقد روى الطبري عن أبي مجلز ، قال : قلت لابن عمر : الكبر (1) يمنعك من القنوت (2) ؟ قال : « لا أحفظه عن أحد من أصحابي »
ومن طريق آخر عن أبي مجلز ، قال : قلت لابن عمر وابن عباس : الكبر (1) يمنعكما من القنوت (2) ؟ قالا : « لم نأخذه عن أصحابنا »
والأثر ثابت صحيح
بينما ذهب من قال بالقنوت إلى تصحيح روايات وردت في المسألة .
وأيضا المثال الثالث كما في المغني لابن قدامة :
" وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْقُنُوتِ فَهَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدِهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ [ يعني في المذهب ] : إحْدَاهُمَا ، لَا يُفْعَلُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ .
وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ مَسْحُ وَجْهِهِ فِيهِ ، كَسَائِرِ دُعَائِهَا
الثَّانِيَةُ : يُسْتَحَبُّ ؛ لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .
وَرَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ } .
وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ الصَّلَاةِ ، وَفَارَقَ سَائِرَ الدُّعَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ ا.هـ
وتأمل قوله :
" لَا يُفْعَلُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ "
وقوله : " الثَّانِيَةُ : يُسْتَحَبُّ ؛ لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ "
فالمنع لعدم وجود دليل ، والإستحباب عند وجود الدليل
وقال الحافظ في الفتح
" وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمُشَار إِلَيْهِ زِيَادَة أُخْرَى وَهِيَ " وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّد كَمَا صَلَّيْت وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْت عَلَى إِبْرَاهِيم " الْحَدِيث ...
وَبَالَغَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي إِنْكَار ذَلِكَ فَقَالَ : حَذَارِ مِمَّا ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي زَيْد مِنْ زِيَادَة " وَتَرَحَّمْ " فَإِنَّهُ قَرِيب مِنْ الْبِدْعَة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمْ كَيْفِيَّة الصَّلَاة عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ فَفِي الزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ اِسْتِدْرَاك عَلَيْهِ اِنْتَهَى ... فَإِنْ كَانَ إِنْكَاره لِكَوْنِهِ لَمْ يَصِحّ فَمُسَلَّمٌ ، وَإِلَّا فَدَعْوَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ لَا يُقَال اِرْحَمْ مُحَمَّدًا مَرْدُودَة لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي عِدَّة أَحَادِيث ..." ا.هـ
فتأمل قوله
" فَإِنْ كَانَ إِنْكَاره لِكَوْنِهِ لَمْ يَصِحّ فَمُسَلَّمٌ " ثم قال : " وَإِلَّا فَدَعْوَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ لَا يُقَال اِرْحَمْ مُحَمَّدًا مَرْدُودَة لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي عِدَّة أَحَادِيث ..." ا.هـ
فالإنكار لأنه لم يصح مسلّم ، وهو مردود لثبوته في أحاديث
وهكذا كل مسألة اختلف فيها السلف لا تجدها تخرج عما ذكرت أو تعود إليه
وهذه كتب أهل العلم فانظروا فيها وقارنوا
ومن هذا نعلم أنهم لا يختلفون في القاعدة التي ينطلقون منها في أحكامهم بالبدعة
وبعد هذا كونهم يختلفون في المسألة الفلانية تبعا لخلافهم هل ثبت الحديث أم لا أو تبعا لبلوغه لأحدهم وغيابه عن الآخر أو ... أو ... كما هو مذكور في النقاط السابقة فهذا لا يعني أنهم مختلفون في مفهوم البدعة كما يقرر الأستاذ سامحه الله
بل مفهوم البدعة وضابطها محل اتفاق من السلف ومن سار على خطاهم لم يختلفوا في ذلك
وهذا الذي دلت عليه تطبيقات السلف في عشرات المسائل وقد تتبعتها بفضل الله ، وسيأتي ذكر جملة منها ليست بالقليلة ، وسبحان الله لم يمر بي مثال واحد يناقض المفهوم الذي أشرت إليه وسيأتي تفصيله ، بينما جل التطبيقات ويكاد كلها تتنافى مع مفهوم الأستاذ وتدل على بطلانه وبعده عن مذهب السلف وأهل العلم
والمعلوم الذي لا خلاف فيه أنه كلما كان الأصل سليما كانت التطبيقات تابعة له وشاهدة بسلامته وكلما كان الأصل باطلا كانت التطبيقات الصحيحة كاشفة لبطلانه منافرة له
ومن شدة ظهور المعنى المذكور من خلال تطبيقات السلف وحدها والعلماء من بعدهم كدت أن أكتفي بسردها فقط دون تعليق لتتجلى الحقيقة للقارئ .
ولكن لاختلاف مستويات الناس وحاجة بعضهم بل كثير منهم لمثل هذا التبسيط ضممت لها هذه التوضيحات وما سيأتي من تعريفات ونحوها .
وإني أجد نفسي موقنة مطمئنة والله للمفهوم الذي أشرت إليه هنا وسأوضحه بالتعريفات والضوابط التي سأذكرها ، مصحوبة بالأمثلة الجلية والتي استقيتها من كتب الأئمة ، معتمدا على عبارات السلف أنفسهم في توضيحها كمالك وأحمد وغيرهما ، وعبارات الأئمة المعروفين بالتحقيق والتخصص في هذا الباب ، من أمثال الطرطوشي وأبي شامة وابن تيمية والشاطبي ( رائد علم المقاصد ) وابن الحاج صاحب المدخل وابن رجب وابن كثير وغيرهم
فلا خلاف بين السلف جميعا في مفهوم البدعة وإن اختلفوا في بعض الأمثلة .
وعلى كل ألخص لإخواني الكرام شيئا مما يضبط التعامل مع المخالف في هذا الباب وأيضا شيئا مما يتعلق بتمييز وتوضيح ما يسوغ فيه الخلاف مما لا يسوغ في هذه المسألة .

ـ فأولا لابد من التسليم بأن مذهب السلف في البدعة واحد وأصلهم وضابطهم واحد .
ـ أن المعنى المتفق عليه بين السلف دون خلاف وبإجماع منهم يتمثل في التالي :
أـ أن كل محدثة في الدين ( البدعة الشرعية وليست اللغوية ) بدعة ضلالة ولا شيء منها حسن ولا ممدوح .
ب ـ أن تخصيص العبادات بأحد المخصَّصات التالية دون دليل من سنة أو أثر تكون به العبادة بدعة مردودة
من ( زمن أو كيفية أو مكان أو عدد أو حال يعني سبب أو جنس )
ج ـ أن البدعة مراتب يختلف الموقف من صاحبها بحسب رتبتها ، وتمييزُ مراتبها إنما هو للمتخصصين من أهل العلم
وسيأتي توضيح هذا مفصلا بأدلته وأمثلته
طبعا من قال بهذا الأصل الذي اتفق عليه السلف فلا ينكَر عليه وإن خالف في تطبيق بعض الجزئيات .
كمن يرى بمسح الوجه بعد الدعاء يظن صحة الحديث ، أو من باب تحسين الظن بالحسن البصري وأنه يغلب على الظن أنه أخذه عن الصحابة
فهذا الفعل وأمثاله لو صدر من أحد فإنه يبين له دون إنكار إلا إذا صاحب جوابه ما يوجب الإنكار فذلك بحسبه
ويعامل هذه المعاملة من الاكتفاء ببيان ما يخالف فيه من جزئيات ولو تعددت منه دون الإنكار إلا عند قيام موجبه من أمور أخرى .
فإن كثرت الجزئيات التي يخالف بها قاعدة السلف بحيث تشير هذه الكثرة في مخالفة الجزئيات إلى مخالفة حقيقية للقاعدة أو استناد إلى هوى سبّب في عدم التقيد بالقاعدة فإنه يكون عندئذ في حكم من خالف القاعدة فيتعين الإنكار
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله :
" ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضا وأما الجزئي فبخلاف ذلك بل بعد وقوع ذلك من المبتدع له كالزلة والفلتة وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين حيث قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ثلاث يهدمن الدين : زلة العالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون ولكن إذا قرب موقع الزلة لم يحصل بسببها تفرق في الغالب ولا هدم للدين بخلاف الكليات
فأنت ترى موقع اتباع المتشابهات كيف هو في الدين إذا كان اتباعا مخلا بالواضحات وهي أم الكتاب وكذلك عدم تفهم القرآن موقع في الإخلال بكلياته وجزئياته " ا.هـ

فأهل العلم يفرقون بين مَن يوافق على القاعدة التي قررها السلف في مفهوم البدعة الشرعية ، ثم يخطئ في بعض الجزئيات
كأن يقول بجواز القراءة أحيانا على القبر أو يقول بالسبحة أو التعريف يوم عرفة أو بمسح الوجه بعد الدعاء مع اعتقاده بأن كل بدعة في الدين ضلالة لكنه أخطأ في جزئية من هذه الجزئيات أو أكثر
فهذا لا يجوز الانكار عليه مادام موافقا للسلف في أصلهم وقاعدتهم ومادام لا ينطلق في هذه الجزئيات وتجويزها من منطلق بدعي وما دام أن تلك الجزئيات لم تكثر منه بصورة تستلزم إعراضه عن تلك القاعدة التي دلت عليها تطبيقات السلف المتواترة ، وهذا منهج أهل العلم من السلف ومن جاء بعدهم من المحققين الذين ساروا على منوالهم .
هذه هي القاعدة الأصل في التعامل مع من يخالف في هذا الباب وهي التي يرجع إليها عند الاشتباه في معاملة المخالف
وهناك صور أخرى في التعامل مع المخالف تلحق بهذه القاعدة وتعتبر كالاستثناء
ومن ذلك ما وجدناه من منهج الأئمة بأن الانكار قد يسوغ حتى في حق من خالف في جزئية واحدة إن كان وجه الاحداث ظاهرا في تلك الجزئية أو كان فعله لها قائما على منهجية تدل على خلل في أصل اتباع السلف وإليك المثال التالي الذي يشهد للتفصيل في حال من يفعل البدعة بنحو ما ذكرت وهو من إمام رفيع وبتوضيح إمام محقق :
يقول الإمام ابن رجب في مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة :
" وأما الآثار الموقوفة فِي المسألة فكثيرة جداً .
وإلى ذَلِكَ [ عدم الجهر ] ذهب أكثر أهل العلم من أصْحَاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، منهم : أبو بَكْر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ، ومن بعدهم من التابعين ، وبه يَقُول سُفْيَان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق ...
وحكاه ابن شاهين عَن عامة أهل السنة ، قَالَ : وهم السواد الأعظم .
وروى شعبة ، عَن حصين ، عَن أَبِي وائل ، قَالَ : كانوا لا يجهرون بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .
وروى الأثرم بإسناده ، عَن عُرْوَةَ بْن الزُّبَيْر ، قَالَ : أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلاّ بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وعن الأعرج - مثله .
وعن النخعي ، قَالَ : مَا أدركت أحداً يجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) وعنه ، قَالَ : الجهر بِهَا بدعة .
وعن عَكْرِمَة ، قَالَ : أنا أعرابي إن جهرت بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .
وروى وكيع فِي (( كتابه )) عَن همام ، عَن قتادة ، قَالَ : الجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) أعرابية .
وعن سُفْيَان ، عَن عَبْد الملك بْن أَبِي بشير ، عَن عَكْرِمَة ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : الجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) قراءة الأعراب ...
وأكثر هؤلاء يكرهون الجهر ، كما أنكره عَبْد الله بْن مغفل ، وكما أنكره من قَالَ : ذَلِكَ قراءة الأعراب ، ومن قَالَ : هُوَ بدعة ، ونص أحمد عَلَى كراهته . "
فذكر ابن رجب بعض من خالف في المسألة من السلف ثم قال :
" وكان سُفْيَان الثوري وغيره من أئمة الأمصار يعدّون الإسرار بالبسملة من جملة مسائل أصول الدين الَّتِيْ يتميز بِهَا أهل السنة عَن غيرهم ، كالمسح عَلَى الخفين ونحوه ، حَتَّى قَالَ سُفْيَان لشعيب بْن حرب : لا ينفعك مَا كتبت حَتَّى ترى أن إخفاء : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) أفضل من الجهر بِهَا .
وَقَالَ وكيع : لا يصلَّى خلف من يجهر بِهَا .
وَقَالَ أحمد فِي الصلاة خلف من يجهر بِهَا : إن كَانَ يتأول فلا بأس بِهِ ، وإن كَانَ غير ذَلِكَ فلا يصلى خلفه .
يشير إلى أَنَّهُ يصلي خلف من جهر بِهَا من أهل العلم والحديث ، دون من يجهر بِهَا من أهل الأهواء، فإنهم المعروفون بالجهر بِهَا ... "
إلى أن قال :
" وَهُوَ أَنَّهُ إنما يسوغ الخلاف فِي هذه المسألة من مثل هؤلاء العلماءالمجتهدين ، دون أهل الأهواء الذين كَانَتْ هذه المسألة مشهورة عنهم ...
ونقل صالح بْن أحمد ، عَن أَبِيه ، قَالَ : نحن لا نرى الجهر ولا نقنت ؛ فإن جهر رَجُل - وليس بصاحب بدعة ، يتبع مَا روي عَن ابن عَبَّاس وابن عُمَر - فلا بأس بالصلاة خلفه والقنوت هكذا " ا.هـ

فانظر إلى الإمام أحمد كيف فصّل في حال من يخالف ما كان عليه النبي وكبار أصحابه في هذه الجزئية وجعل هذه المسألة وهي جزئية فيصلا يترك لأجلها الصلاة خلف من يخالف السنة فيها وإنما يستثني من تأول ويريد بذلك من خالف في هذه المسألة مع إعماله لمنهج السلف في الاستدلال وقاعدتهم ، خلافا لمن خالف فيها بسبب منهج بدعي يسير عليه
ولهذا المسلك أشباه ونظائر من المسائل يقف منها أهل العلم نفس الموقف .
فمن خالف ولو في جزئيات قليلة من هذا القبيل فلا أقل من باب أولى أن يعامل بمثل ما ذكر أحمد من التفصيل
ويشهد للإنكار على من خالف ولو في جزئيات ما ذكره ابن مفلح في الفروع عندما قال ناقلا :
" وقال الفضل بن مهران : سألت يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قلت : إن عندنا قوماً يجتمعون ، فيدعون ، ويقرأون القرآن ، ويذكرون الله تعالى ، فما ترى فيهم ؟
قال : فأما يحيى بن معين فقال : يقرأ في مصحف ، ويدعو بعد الصلاة ويذكر الله في نفسه ، قلت : فأخ لي يفعل ذلك ؟ [ يعني بهيئة جماعية ] . قال ابن معين : انـهه ، قلت : لا يقبل ، قال : عظه . قلت : لا يقبل . أهجره ؟ قال ابن معين : نعم .
ثم أتيت أحمد فحكيت له نحو هذا الكلام فقال لي أحمد أيضاً : يقرأ في المصحف ويذكر الله في نفسه ويطلب حديث رسول الله .
قلت : فأنهاه ؟ قال : نعم . قلت : فإن لم يقبل ؟ قال : بلى إن شاء الله ، فإن هذا محدث ، الاجتماع والذي تصف قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَهْجُرُهُ ؟ فَتَبَسَّمَ وَسَكَتَ ا.هـ
فها هو الإمام ابن معين يفتي بهجر من يذكرون الله بصورة جماعية محدثة وكذا أحمد لم يعترض على الهجر وأفتى بالإنكار على من يفعل هذا وهذا إنكار على من خالف في جزئية .
وبه نعلم أن الجزئية التي يتضح فيها جانب الاحداث والابتداع يتعين فيها الانكار فمن باب أولى من خالف في جزئيات تدل على لا مبالاة من البدع والمحدثات .
وربما المسألة الواحدة يتنوع فيها حال المخالف بها بناء على اعتبارات عدة
قال شيخ الإسلام في الفتاوى (1/281) :
" وتعريف ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حريث بالكوفة ، فإن هذا لما لم يكن مما يفعله سائر الصحابة ، ولم يكن النبى شرعه لأمته لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة ، بل غايته أن يقال هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة ، أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الإجتهاد ، لا لأنه سنة مستحبة سنها النبى لأمته .
أو يقال فى التعريف إنه لا بأس به أحيانا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة وهكذا يقول أئمة العلم فى هذا وأمثاله ، تارة يكرهونه وتارة يسوغون فيه الإجتهاد وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة ، ولا يقول عالم بالسنة إن هذه سنة مشروعة للمسلمين ، فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله ، إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع .
وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سنته ، ولا يكون فى الدين واجبا إلا ما أوجبه ولا حراما إلا ما حرمه ولا مستحبا إلا ما استحبه ولا مكروها إلاما كرهه ولا مباحا إلا ما أباحه ".ا.هـ

لكن من أنكر ( بمعنى عنف ) على أحد ممن يوافق السلف في أصل وقاعدة البدعة ويخالفهم في بعض الجزئيات تأولا ولأسباب لا تدل على تسويغ لجنس المحدثات ، من أنكر عليه تعنيفا لوقوعه في بعض البدع التي لا تزيد عن كونها جزئيات فهذا المنكِر هو الذي ينبغي أن ينكَر عليه .
إذ بعض من يمسح وجهه بعد الدعاء يظن أن الحديث فيه صحيح وكذا من يسبح بالمسبحة يظن صحة ماورد ، أو يظن أن طريقة العد ليست من جنس العبادة فلا بأس أن تكون بأي صورة ، وجملة من البدع وإن كانت قليلة قد تُفعل من قبل بعض من يعظم السلف لعدم ظهور جانب الاحداث فيها ، فمن ينكر على أمثال هؤلاء فهو مخطئ وهو الذي ينكر عليه ولكن وإن أنكرنا عليه لا نعتقد أنه بإنكاره الخاطئ صار بدعيا ولكن يلحقه من الذم بحسب خطئه
أما من كان مخالفا للسلف في أصلهم وقاعدتهم ، ويزعم أن البدعة شرعا فيها ما هو حسن كما يقول الأستاذ ، وأن البدعة الإضافية ليست من قبيل المذموم ، وبالتالي لزاما يخالف في جل الجزئيات فهذا يتعين الإنكار عليه بعد البيان والنصح ، فإن أصر فيوصف بالبدعة
وهذا الذي يدل عليه أثر أحمد السابق ، بل آثار السلف في هذا متواترة منها ما سبق وسيأتي الكثير

ولو اتفق الناس على لزوم قاعدة السلف ومذهبهم في البدعة لزال كثير من الخلاف ولن يبقى خلاف كبير في التطبيق .
وما يحصل من التردد في بعض الصور الدقيقة فالواجب فيه الاحتياط وعدم القول بالمشروعية
قال الإمام الكاساني في بدائع الصنائع :
" وَالْفِعْلُ إذَا تَرَدَّدَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ تُغَلَّبُ جِهَةُ الْبِدْعَةِ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ الْبِدْعَةِ فَرْضٌ وَلَا فَرْضِيَّةَ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ "
قالها عند الخلاف في البسملة .
فانظر إلى حرص العلماء ليظهر لك خطر الانفلات في البدع
وإذا علمت ما ذكرته لك هنا من تلخيص لموقف السلف وتوضيح لما يظهر في بعض أحكامهم من خلاف ، تبين لك أنه لم يكن عن خلاف في مفهوم البدعة ، وستتجلى الصورة واضحة لكل من يقارن تطبيقاتهم وسيأتي منها قدر غير قليل
وإذا علمت كل هذا تبين لك ما حمله طرح الأستاذ من تشتيت وتشويش .
وتبين لك أن إعراض الأستاذ عن ذِكْرِ ولو مثال واحد للبدعة المنهي عنها لم يكن مصادفة ولا سهوا .
كيف وهو قد قام بحذف أمثلة العلماء من التعريفات التي نقلها وجردها جميعها من الأمثلة التي ذُكرت مع النعريفات لتوضحها
بل حذف حتى الأمثلة التي تخص البدعة اللغوية في مواطن حتى لا يشعر المشاهد بأن التعريف عام لا يخص البدعة الشرعية !!
ومن أوضحها ما قام به في تعريف ابن حزم .
وسأنقل كلام ابن حزم كاملا ثم أبين المحذوف منه ليتبين لك ما ذكرته لك
قال الإمام ابن حزم عن معنى البدعة :
"وهو في الدين كل ما لم يأت في القرآن، ولا عن رسول الله (ص) إلا أن منها ما يؤجر عليه صاحبه، ويعذر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه ويكون حسنا، وهو ما كان أصله الاباحة كما روي عن عمر رضي الله عنه، نعمت البدعة هذه وهو ما كان فعل خير جاء النص بعموم استحبابه وإن لم يقرر عمله في النص " ا.هـ
فحذف الأستاذ قوله : " كما روي عن عمر رضي الله عنه، نعمت البدعة هذه "
لماذا ؟
فهي جملة قصيرة ، وتوسطت الكلام ، وذكرها صاحب التعريف يبين بها مراده ، فلماذا الحرص على الحذف ؟
مع أن الأستاذ كان يقرأ التعريف ويشرحه على مراده فلماذا استكثر قراءة هذه الكليمات ؟
واحتاج إلى أن يقول: " ثم قال " ليتفادى ركاكة القطع ؟
لماذا هذا العناء ؟
ولماذا صادف هذا إعراض الأستاذ في حلقتيه عن ذكر الأمثلة لما هو بدعة عند العلماء ولو الموافِقة له ؟ لماذا ؟
وهذا العمل منه يؤكد أن الأستاذ كان يفضّل أن يكسو التعريفات كسوة الإجمال وترك التوضيح ، حتى لا ينتبه المشاهد لأنه تعريف شامل للبدعة اللغوية ، لأنه يعكر على الأستاذ بغيته في إقناع الناس أن هؤلاء العلماء يريدون بتعريفاتهم البدع شرعا فقط .
وقد فعل مع تعريف أبي شامة ما هو أشد من هذا ، حيث حذف الأمثلة بنوعيها ومنها ما ينقض مذهب الأستاذ وسيأتي مفصلا وكذا فعل في تعريف ابن رجب حيث أعرض عنها .
فالأستاذ لو نقل الأمثلة لتبين للمشاهد أن التعريف لا يختص بالبدعة الشرعية وإنما هو تعريف عام شامل للبدعة اللغوية
وهذه والله وحدها تكشف حقيقة الأستاذ من حيث الأمانة العلمية

ـ الأسلوب التشويهي .

أهل العلم لهم أصول في نقد قول المخالف ، وآداب للنقد لايخرجون عنها ومن أهمها عرض قول الطائفة المخالفة من خلال كلام المعتبرين فيها ممن يمثلونها ، ولا يُعرض مذهب الطائفة بما يصدر عن شواذها وصغارها ، فمن يفعل هذا وينسب للطائفة ما يصدر من شواذها وصغارها يعتبره أهل العلم مخالفا للأمانة في النقد ، بحيث يصور للناس أن ما يعرضه ، هو قول عامة تلك الطائفة
والخروج عن هذا الأدب في النقد لا يصدر إلا ممن يحرص على تشويه قول مخالفه ، بحيث إنه يحتاج في إسقاط قول مخالفه بأن يعرضه في أسوء صورة وهذا عين ما فعله الأستاذ
فهو قد ذكر ضمن الأمثلة التي نسبها لمخالفيه قول مَنْ جعَل الوِرد القرآني الذي يحافظ عليه القارئ بدعة ، وهذا لا يقوله مخالفه البتة ، بل مخالفوه أكثرهم لهم أوراد يحافظون عليها ، فنحن إن أحسنا الظن به وقلنا إنه لم يلصقه بنا ظلما ليشوهنا وينفر المشاهد من مذهبنا وهذا غير مستبعد منه لما صدر منه من خروقات في الأمانة العلمية ، فإن أحسنا به الظن فهو قد بلغه من قول من لا يعتد به فكيف لو كان أمينا ينسبه لمخالفيه ؟! وأكثر مخالفيه لهم أوراد قرآنية يحافظون عليها ؟!
فحسبنا الله ونعم الوكيل
وأيضا ما نسبه لمخالفيه من تبديع من سبح مائة مرة أو صلى على النبي مائة مرة أو قال لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة مع أنه لم يوضح المراد من هذه الصورة وكرر الكلام وصار يضرب أمثلة بأرقام بصورة تَندّرية
وكذلك ما ألصقه بمخالفيه ظلما من قوله بأننا نرى أنه إذا التقى زميلان يتذاكران فدعيا الله قبل المذاكرة فنسب لنا أننا نقول هذا بدعة وهذا والله ظلم عظيم بل مركب
بل لو تكرر هذا منهما ورأيا الحاجة للدعاء في كل مذاكراتهما لشدة امتحان أو نحوه فدعاؤهما عبادة مشروعة ، بل من أعظم العبادات وهو من فعل العبادة في محلها ولا إشكال
فإلى الله المشتكى من هذا التشويه وهذا بعض من محاولات كثيرة يطول بيانها حرص فيها على التشويه
وفي مقابل ما يقوم به من تشويهات قرر تزيينا لقوله أنه اعتمد على كلام الأئمة الأربعة .
فقال في مقام الدعاية لما سيعرضه ( سأستخدم كلام الأئمة الأربعة ) وقال : ( حانجيب كلام الإمام البخاري ) وكرر أكثر من مرة الاعتماد على الإمام مالك
ولم يذكر حرفا واحدا ! لا عن مالك ولا عن أبي حنيفة ولا عن البخاري ! بل ولا عن الشافعي غير ما ساقه له من تعريف شرحه
وفق مراده
ولا يقول قائل إنه أتى بأقوالهم ونسي نقلها عنهم !
لأن الأستاذ كان يقرأ من أوراق ، حتى أنه استكمل عرض المسائل التي قرر من أول الحلقة الكلام فيها عندما عرضها في صورة فهرسة لما أعده ، فعرض تلك المسائل وهو يقلب الأوراق في كل مسألة وكلما أنهى ورقة وضعها ، وعندما جاء في آخر مسألة إلى الدبلة أظهر أن الوقت ضاق عن هذه المسألة ، ومع هذا أخذ بعد هذا من الوقت أكثر من خمس دقائق وكانت كافية لعرض أهم ما عنده ، لكنه اشتغل بذكر استدلالات من كيسه ، وبكلام يقطع المشاهد معه أنه قد أتى بما عنده وجاء في الحلقة الثانية يكرر بعض الكلام وأمضى أكثر الحلقة في أمور أكثر من جانبية .

ثانيا : أسلوب السب والشتم والازدراء للمخالف من قبل الأستاذ .

ـ الأستاذ خص نقده بمن يرى الأمور التالية بدعة :
( الفاتحة على الميت ـ الدعاء بعد الصلاة ـ إهداء القرآن للمقبور ـ المصافحة بعد الصلاة ـ قول صدق الله العظيم بعد قراءة القرآن ـ السبحة ـ مسح الوجه بعد الدعاء ـ الاحتفال بالمولد النبوي )
كل من يرى هذه الأمور بدعة رشقه الأستاذ بسهام السب والشتم وكَذّبه وجَهّله وسخِر منه وتَفّهَه ، ومن لم يصدّق فليشاهد حلقته الأولى
وإليك بعض ما قاله عن مخالفيه
( التبديعيين ) كررها نابزا وشاتما لهم مرارا ومرارا ، ومن سمعه علم مدى صدق ما أقول ، بل لهجته بها على أشد من مجرد النبز
وقال بعبارة ـ عن مخالفه ـ شديدةٍ وغير متناسقة ( أنت اللي بدعة ) وقال ( البدعة هو اللي بيقول هي بدعة )
ونقَل قول مخالفه بأن مسح الوجه بعد الدعاء لم يرِد فقال مخاطبا له ( بِتكْذب ؟ ، بِتكْذب ؟ ) ، وقال مكذبا لمخالفه : ( تزوّد من عندك ؟)
وقال مجهّلا له في أخرى مخاطبا ( ما فتحْتشْ كتب السلف ) وأيضا ( ما يعرفش السلف ) ( ما يعرفش يرد ) (مش عارف تعريف البدعة )
وقال ( يعْرفوها الزّايْ هم ما تعلّموش ) وقال مخاطبا محقّرا لمخالفه (تَعَلّم معنى البدعة وبعْدَين تعال ) وقال مستخفا ( أنت عالم ؟ ) ويصفهم بـ ( قلة علم ) ونحوها من المعاني مرارا ومرارا
وقال (قرأوا شوية كتب ) ( ما تعلموش على المشايخ )
وقال محقرا لمخالفه مخاطبا المشاهد ( قل له ما لكش دعوى )
واستخف بمخالفيه واصفا لهم بالصحفيين الذين يقرؤون ولا يفرقون بين الصواب من الخطأ
وجل هذه العبارات كررها مرارا بالمعنى وأحيانا باللفظ حتى ملأ الحلقة بها والكارثة أنه بنفسه لا يحسن القراءة
أما استخفافه وسخريته وتهكمه من مخالفه بطرق أخرى فلم يغفلها الأستاذ
تارة عن طريق الأسلوب المصحوب بإشارات السياق واللهجة ، وتارة عن طريق المحاكاة لمخالفه ليصور للمشاهد بشاعة تصرف المخالف مقبحا له بتمثيل طريقة التكلم متقمصا دوره .
وأوضحها عندما شرع في الكلام عن السبحة ، فوالله لقطة منافية لأدب الإسلام بشدة
وأما حركات رأسه وعينيه وأكتافه هزا وتغميضا بأسلوب تمثيلي واستخفافي بالغير فهذا لون آخر سلكه الأستاذ
ناهيك عن التأفف والتأحح بصورة غير لائقة وتخبيط الفخذين
بل بلغ به الأمر أنه سعى لإغاظة مخالفه وإثارته زيادة على ما في ما سبق من الإغاظة وإثارة المخالف وهذا نذير بشرّ لا تحمد عقباه وسعي في الفتنة
فمن أراد أن يعرف هل أنا خرجت عن الأدب في الرد أم لا فلينصف وليتق الله ولا تحمله العاطفة على البغي .

والغريب أن بعض من شاهد الحلقة كما في تعليقاتهم في عدة مواقع من الإنترنت لا يقبل الاعتراض على الأستاذ فيما صدر منه في حلقته وإذا وجد أحدا يعلق على كلام الأستاذ وما صدر منه من سب لمخالفيه وشتمهم كما وضحنا ، بادر بوصف من يعترض بأنه طعّان ! وعابه على اعتراضه ! ودعاه للإشتغال بنفسه .
سبحان الله هذه ديمقراطية إسرائيل وأمريكا !!
هذه سياسة من يقول :
نحن الذين نقول أما أنتموا فالساكتون الصامتون النُّوَّم
فالأخلاق والأدب نطالَب به وحدنا بينما غيرنا فالضوء أمامه أخضر يسب ويشتم ويستخف ويُحسب له أدبا وخلقا
وإذا اعترضْنا حضرتْ القيم والمبادئ !!
ووحدة الصف نُسأل عنها ونُحاسب عليها وحدنا ومتى انتقدنا من يخالف السنة الصحيحة الصريحة صرنا مفرقين للأمة ومشتتين للصف !!
بينما غيرنا له حق النقد والرد حتى على من يخالف آراء البشر ومحدثاتهم وهو مع هذا يحارب الخلاف
لماذا هذه السياسة
إن العقلاء لا تنطلي عليهم هذه الأساليب الجائرة ، والمحاولات المنافية للصدق إلباسا للحق لباس الباطل والباطل لباس الحق فهي سُنة من يعجز عن الكلام في السليم وسُنة من لم يجد ورقة يقدمها إلا الشعارات

والمهم أن الأستاذ هداه الله فيما نقلنا عنه آنفا من سب وشتم لم يستثن في سبه وشتمه واستخفافه وتهكمه أحدا ممن يقول ببدعية تلك الأفعال لا طائفة مسماة ولا غير مسماة ولا مؤسسة علمية ولا شيخا ولا عالما ولا داعية و لا كبيرا ولا صغيرا
فعمم في كلامه وشمل كل من يقول بهذا ولم يستثن أحدا !!
وليكذبني هو أو غيره إن كانوا قادرين على تكذيبي
واللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية تقول ببدعية كل هذا على خلاف بينها في السبحة ومع هذا بعضهم قال ببدعيتها أيضا وفي هذه اللجنة كبار العلماء فضلا وعلما من أمثال فيما نحسب الولي الصالح والعامل العالم إمام هذا العصر عبد العزيز بن باز رحمه الله وباقي إخوانه العلماء الفضلاء وهم جمع رحم الله الميت وحفظ الله الحي
وهذه مواطن كلامهم من فتاواهم في فتاوى اللجنة
الفاتحة على الميت رقم 8946 ، الدعاء بعد الصلاة رقم 3552ـ 3901 ـ 5124 ، إهدا القرآن 2232 ـ 4835ـ 8601 المصافحة بعد الصلاة 3866 قول صدق الله العظيم 3303 4310 7306 ، مسح الوجه بعد الدعاء 2396 ،الا حتفال بالمولد 2139 ـ 7136 وعدة فتاوى أخرى تجاوز العشرة فتاوى
ففي كل هذه المواطن حكموا ببدعية هذه الأفعال ونهوا عنها
بل غيرهم من العلماء كثير في كل البلاد الإسلامية ، في موريتانيا والمغرب والجزائر ومصر والسودان وبلاد الشام واليمن والكويت والإمارات وقطر ففيهم كثير ممن يقول بهذا الذي سبّه وتفّهه
فالعجب مِن هذا التهجم الشامل لأعلى مؤسسة علمية دينية في المملكة وفي عقر دارها وهي من أبرز المؤسسات العلمية في العالم !!
والشامل أيضا لهيئات وعلماء في شتى بقاع ديار الإسلام ومن قبل شاب صغير لا يعرف بمكانة علمية بل يعتمد باعترافه على غيره في التحضير
وإذا قال الأستاذ بأنه لم يشمل في كلامه من ذكرناهم وليس أمامه بعد هذا الكشف إلا أن يزعم هذا ، فنقول له إئتنا بحرف واحد يستثني من ذكرنا في حلقتك التي خصصتها بالسب ؟
فلسنا نعقل أحدا يسب قولا ويسب القائل به دون تخصيص ثم يقول أنا لا أعني القائل الفلاني ولا الفلاني ولا الجهة الفلانية القائلة به ولا الصنف الفلاني وكل هؤلاء لا أعنيهم
فهذا مع بعده ففيه لو سلمنا به عدم احترام لكل هؤلاء القائلين بما سبه وشتمه
ثم ليحدد لنا ولو بالوصف من الذين عناهم بذلك السب ؟
وما هو السبب والمعنى الذي قام في هؤلاء وسوغ سبهم ولم يوجد في أولئك ؟
وإذا كان هذا السبب أو المعنى لهذه الدرجة من تعلق كل ذلك الشتم به فلماذا لم يذكره مطلقا فضلا عن أن يوضحه
وهل سب التلميذ لأجل قول إلا سب لمن علّمه ذلك القول ؟
وما هو جواب الأستاذ عن سب الأقوال ؟
إن ما حصل من الأستاذ ليعد في أدنى أحواله تهميشا واستخفافا وتنقصا وعدم اعتبار لكل من ذكرنا من مخالفيه بهيئاتهم ومؤسساتهم وعلمائهم ودكاترتهم وفضلائهم
ومن المفارقات الغريبة أن نفس القناة الذي أذاعت هذه الحلقات المتهجمة والعدائية بصورة صارخة ، أذاعت قبلها بمدة حلقة في التوحيد قدمها الدكتور محمد العريفي حفظه الله وكان تكلم فيها عن التوحيد الذي جاءت به الرسل وعرض خلال البرنامج صورا لبعض القبور المشيدة والتي تعبد من دون الله في إحدى المقابر لأحد البلاد العربية ولا أذكر الآن أنه سمى البلاد أم لا .
وتكلم الشيخ الدكتور بكل حكمة بل وبالغ في استعمال الحكمة وحذّر من هذه المظاهر بعيدا عن أي عبارة سب أو شتم .
وبعد تلك الحلقة تغيّب الأستاذ عن القناة مدة وقامت القناة بعد أيام قليلة لا أذكر كم ؟ بكتابة اعتذار لأهل البلدة التي فيها تلك المقبرة ، يصف هذا الاعتذار ما قام به الدكتور بالإساءة إلى أولئك القوم الذين لم يتعرض لهم الشيخ إطلاقا
فمسحوها في وجه الشيخ وصوّروه معتديا ، مسيئا إلى غيره ، مع عدم صدور أي لفظ منه حفظه الله فيه سب أو شتم وكنت قد شاهدت الحلقة مباشرة
فانظر إلى الحرص على وحدة الصف حتى في قضايا الشرك بالله ويعتذرون على حساب الشيخ الموحد
ولكنْ مَن سبّهم الأستاذ الآخر في حلقته عن البدعة أشد السب فلسان حال القناة ـ والأسبوع الثامن تقريبا يمر ـ يقول فليذهبوا إلى الجحيم
وسلوا هؤلاء المتحاملين على أهل السنة أتباعِ السلف
من هو الذي حقق لهم كتب التراث وكتب السنة وكتب السلف ؟
اجردوا المطبوعات من كتب أئمة الدين السابقين ، وانظروا من نشرها وحققها وحرص على إفادة الناس بها في كل التخصصات ؟
أكثر من ستين في المائة منها هو جهد خالص من أتباع السلف والباقي مشترك ، وهذا على أدنى احتمال .
مَن الذي قدّم للأمة موسوعة المكتبة الشاملة الالكترونية بمرافقها العلمية التي هي الأكثر إفادة في هذا الزمان من أي عمل علمي آخر على الاطلاق على يد أخينا نافع وإخوانه ؟
من الذي أحيى علم الحديث في هذا الزمان ؟
من الذي علم الناس ضرورة التمييز بين الصحيح والضعيف
الإمام المعلمي والعلامة أحمد شاكر والعلامة الألباني والعلامة مقبل بن هادي والعلامة حماد الأنصاري وتلاميذهم والمستفيدون منهم الذين يغطون أكثر من ثمانين بالمائة من المشتغلين بعلم الحديث في هذا العصر يمثلون حراكا علميا زاهرا يجهله من يجهل هذا العلم ؟
من الذي أثرى المكتبة الاسلامية بالدراسات العلمية الموسعة المتمثلة في رسائل الماجستير والدكتوراة التي فاقوا بها عشرات المرات ما يقدمه غيرهم في شتى التخصصات وأعني المنشور منها أما المخبأ فعلمه عند الله
والله الذي لا إله إلا هو إن أتباع السلف في أقل نسبة يمكن أن تقدر ولو من قبل خصومهم لا تقل عن خمسين بالمائة بل أكثر والله من كل خير يصيب هذه الأمة في شتى الجوانب الشرعية
آلاف الدكاترة وحملة الماجستير من المتخصصين يحاضرون في الجامعات ويثرون المكتبات بالبحوث الهامة .
فهل يقابَل أمثال هؤلاء بالإهانات والاستخفافات ؟
لا نقول إلا الله المستعان وهو حسبنا


ثالثا : مجانبة الأستاذ التوفيق

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله :
" وكذلك كل من اتبع المتشابهات أو حرف المناطات أو حمل الآيات ما لا تحمله عند السلف الصالح أو تمسك بالأحاديث الواهية أو اخذ الأدلة ببادي الرأي ... لا يفوز بذلك أصلا .
والدليل عليه استدلال كل فرقة شهرت بالبدعة على بدعتها يآية أو حديث من غير توقف ـ حسبما تقدم ذكره ـ وسيأتي له نظائر أيضا إن شاء الله
فمن طلب خلاص نفسه تثبّت حتى يتضح له الطريق ومن تساهل رمته أيدي الهوى في معاطب لا مخلص له منها إلا ما شاء الله ا.هـ

ومن اتباع المتشابه جمع زلات العلماء وهفواتهم في جزئيات ، وتتبّعُها لمعارضة أصل شرعي ثابت تضافرت عليه النصوص ، وتوافر فيه النقل ليوهم هذا المتتبع للجزئيات أن العلماء معه فيما ذهب إليه ، وأنهم مختلفون في ذلك الأصل ، ولهذا كان الأئمة يحذرون من سياسة تتبع الزلات .
فليس العلم أن تجمع فقط أقوالا لمسائل شتى ولعدة علماء وتغلق عينيك عن غيرها ، ثم في كل مسألة تطلب قائلا بها دون مراعات أن مجموع ما عندك من أقوال لا يوجد من قال به مجتمعا بل يكون الذين نقلتَ عنهم يستنكرون جل أقوالك
ولهذا نبه العلماء على هذا الأسلوب التنقيبي الانتقائي المشين وها هو الإمام الأوزاعي يقول :
"من أخذ بقول أهل الكوفة في النبيذ وبقول أهل مكة في المتعة والصرف وبقول أهل المدينة في الغناء أو قال الحشوش والغناء فقد جمع الشر كله "
ولو نظرنا في واقع ما حصل من بعض العلماء من زلات ، لتجلى لنا المعنى ، ففيهم من كان يجوّز السحر حتى ألف فيه الرازي ، وفيهم من كان قد قال بأن علم الله لا يشمل الجزئيات كما فعل الغزالي أبو حامد ومنهم من كان يقول بأن نور النبي أزلي وهذا قول عظيم كابن حجر الهيتمي ، ومنهم .. ومنهم ..
وهذه الطريقة في تتبع الغير معتبر من الأقوال وفي حكمه الضعيف من الأقوال أشبه بما وقع فيه الأستاذ .
وسيأتي بيانه مفصلا
وأنا أعلم أن شريحة من الناس لا يهمها الدليل وستعرض عني وعن غيري ولو قال الحق الذي لايرده عاقل ، فهؤلاء لست أعنيهم بهذا الرد ابتداء ، وإن كنت أعنيهم تبعا لأنهم لابد أن يموتوا عن بينة ، قبِلوا أو ردوا ، فهذا وإن كنت قد لا أرجوه منهم لعنادهم ولكن لابد أن يبيّن لهم .
لكني أعني بهذا الرد إفادة لهم تلك القلوب التي لا يربطها بالأشخاص الصورة الشخصية ، ولا مجرد الأساليب الشبابية التي قد تكون جذابة للبعض رائقة لهم من هز الرأس والأكتاف وتلويح الأيدي والأطراف ، وتغميض العينين والأجفان بالطرق المبالغ فيها الأشبه بالتمثيلية قصدت أم لم تقصد
وإنما يربطها بالأشخاص نور الدليل والصدق في تحري الحق بأسبابه الظاهرة والعمل بها باطنا وظاهرا
فهؤلاء الذين أعنيهم ابتداء
ولذلك أقول مبينا :
إن الأستاذ حقيقة ليست له أهلية لخوض مواضيع علمية وقد اعترف بأنه لا يحضّر للمادة بنفسه وهذا ليس عيبا لكن من كان قادرا على التحضير بنفسه أكمل منه وأوثق في المعلومة منه لأن الأستاذ ـ بعد اعترافه وبَعْد لمسِنا لما هزّ عِلميته من أخطاء مرت وستأتي ـ قد فتح بابا للتخوف من المجهول الذي يقف وراءه وهل هو خريجة أوخريج كلية إعلام فعلا ؟
وما علاقة هذا المجهول بالعلوم الشرعية ما دام أن تخصصه إعلام ؟
وهل من ورائهما أحد ؟
ومن هو الشيخ الذي يراجع لهم ؟
ما مذهبه ؟ ما هي علميته ؟ لماذا اكتفى الأستاذ بوصفه مطنبا ومجلًّا ثم امتنع من ذكر اسمه ؟ ما السبب ؟
ما سر هذه السرية ؟
أمور تحيّر وفي قناة كهذه !
ثم الأستاذ صراحة مع ما اعترف به من اعتماده على غيره ممن ذكرهم فقد وقع في أخطاء لا تقع من مؤهل أو متمرس ، هذا ومعه الفريق الذي يعد له ويراجع !!
فمع ما سبق نجده وقع في الآتي :
ـ قرأ عن ذلك الملك الذي كان يقيم المولد ويحتفل به بأنه عَمّر الجامع المظفري ، أي قام بتعميره وعمارته ، فظن أن اسمه هكذا " عُمر بن الجامع المظفري " فلم يدرك معنى الجملة وهي ظاهرة ، ثم الجامع المظفري من أشهر الجوامع في دمشق ، وأيضا اسم الملك بعيد كل البعد من حروف تلك الجملة .
ـ عندما ذكر السيوطي عدّه في تلاميذ ابن حجر وهو لم يدركه
وعندما أراد إصلاح هذا الخطأ في الحلقة الثانية اعتذر بخطإ أشد من الأول ، فقال : ( لأن تلميذه جلال الدين السخاوي فقلت جلال الدين السيوطي باعتبار السخاوي فعلا تلميذ ابن حجر وكلاهما جلال الدين ) هكذا بهذا المعنى
والسخاوي مشهور ليس في اسمه ولا لقبه جلال الدين أصلا !! فما أدري من أين أتى بهذا ؟
ـ عندما ذكر كتاب الطبقات لأبي الحسين بن أبي يعلى نسب الكتاب لأبي يعلى وهو لابنه أبي الحسين
ـ عندما تكلم عن أدلة الشرع مثّل عند كلامه عن القياس بتحريم الحشيش وأنه تحريم بالقياس بينما هو محرم بالنص " كل مسكر حرام "
وهذا الخطأ تترتب عليه إشكاليات قد لا يعيها الأستاذ نحن في غنى عنها
ـ عدم تفريقه في حقيقة الأمر بين البدعة اللغوية والشرعية وإن أظهر التفريق وذلك بِعَدّه لتعريف الشافعي والعز ابن عبد السلام بأنها تعريفات للبدعة الشرعية بينما هي تعريفات عامة شاملة للغوية
ـ دعواه أن الاحتفال بالمولد تلقته الأمة بالقبول ؟!
وعلاقة هذا بعلميته يدركها المتخصصون .
ـ استدل على مشروعية الدبلة في الخطوبة بتختمه صلى الله عليه وسلم بخاتم الفضة ؟!
( بدون تعليق )
ـ استدل على مشروعية الدعاء الجماعي بعد كل صلاة بالاستغفار الوارد ثلاثا !!!
ـ ناهيك عن ضعفه في القراءة بصورة مزرية حتى أنه في أكثر من مرة لا يقيم الاسم المجرور بحرف الجر مقامه .

إذًا لماذا يا أستاذ ما دام أن هذه هي حالك تتهجم وتتنقص من خصومك وتصفهم بالصحفيين وأنهم (قرؤا شوية كتب) و(يعرفوها الزاي هم ما تعلموش) و(تعلّمْ معنى البدعة وبعدين تعال) وغيرها من عبارات الإزدراء والتجهيل التي ملأت بها الحلقة ناهيك عن السب والشتم
ثم مع هذا نجد الأستاذ يظهر انزعاجه ممن انتقده على الأخطاء الصريحة التي وقعت منه ويستخف بهم !
فهل هذا من الإنصاف في شيء ؟ بل هل يعقل هذا ؟
هلّا احترمهم حتى يطلب منهم التغاضي عنه ؟
قال الإمام الطرطوشي رحمه الله تعالى :
" فتدبروا هذا الحديث فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم وإنما يؤتون من قبل إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم فيؤتى الناس من قبلهم
قال : وقد صرف عمر رضى الله عنه هذا المعنى تصريفا فقال : ما خان أمين قط ولكان ائتمن غير أمين فخان
قال : ونحن نقول ما ابتدع عالم قط ولكنه استفتى من ليس بعالم فضل وأضل وكذلك فعل ربيعة قال مالك رحمه الله تعالى بكى ربيعة يوما بكاء شديدا فقيل له أمصيبة نزلت بك قال لا ولكن أستفتى من لا علم عنده وظهر في الإسلام أمر عظيم "

رابعا : حرص الأستاذ على انتقاء واستخلاص ما ينصر به قوله وإخفاء وحذْف و تجنّب ما ينقضه .

تارة يفعل هذا في نفس العبارة التي ينقلها يبقي منها ما يظن أنه يقرر مذهبه ويحذف ما ينقض مراده وإن كان هذا قليلا لانكشافه .
وتارة في نفس الكتاب فيستخلص ما يروق له ويترك ما يبطل مراده .
وتارة في نفس أقوال الإمام الذي يحتج به ، فينقل عنه قولا ويترك عنه أقوالا تخالف ما يقرره الأستاذ
ونحن الآن في سنة 1430 هـ الموافق 2009 م وفي وقت الشبكة العنكبوتية ( الانترنت ) ومحركات البحث الالكتروني وفي وقت العالم أصبح فيه قرية صغيرة ، فلا مجال لأن نتبلى على بعض ولا للخداع وسنذكر بينتنا في كل ما سنذكره .
وليت الأستاذ استحضر ما ذكرناه من سهولة المتابعة وإلا لما وقع فيما وقع فيه ولا ورط نفسه هذه الورطة التي أغلب الظن أنها بسبب ذلك المجهول الذي أحال عليه ، ولو كان الأستاذ يقظا لما وقع في الشباك ولكن لقلة خبرته بالناس وقع فيما وقع فيه ، هذا إن أحسنا به الظن
وسأبدأ بالأمثلة التي طرحها الأستاذ نفسه ومثّل بها لما ليس بدعة عنده وأبيّن ما ارتكبه من تجاوزات تقدح في أمانته وأبين موقف أهل العلم منها
ثم أثني بالأئمة الذين حاول أن يستكثر بهم ناقلا عنهم قولا ، ومُعْرضا عن أقوالهم الأخرى التي لا تنقض مذهبه فقط بل وتبطل ترجيحاته في نفس الأمثلة التي اختارها

المثال الأول : قراءة القرآن على القبور :

نقل عن أحمد القول بجواز قراءة القرآن على القبور ناقلا رواية الخلال التي في إسنادها كلام وسيأتي الكلام عنها وقرأها من طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى
وصاح بها يتهلل وجهه ( فتوى الإمام أحمد) ( إمام أهل السنة )
هذا وهذا فقط الذي نقله الأستاذ ، وصور للمشاهد أن هذا هو مذهب أحمد لا غير
بل أضاف إلى هذا أن ألصق إلى أحمد بالباطل استدلالا مناقضا لمذهب أحمد كما سيأتي
بينما أخفى الأستاذ عن المشاهدين الروايات الأكثر والأصح بلا خلاف عن أحمد ، والتي تنقل تبديعه للقراءة ونهيه عنها ، وهي معتبرة في مذهب أحمد ، حتى أن بعض كبار الحنابلة يرجحها على رواية الجواز فهل هذا البتر من الدين بالله عليكم ؟ هل هذا من الصدق ؟ أين الأمانة ؟
وإليك هذه الروايات :
ـ ما رواه الدوري في تاريخه (5414) سألت أحمد بن حنبل ما يقرأ عند القبر؟ فقال: " ما أحفظ فيه شيئًا "
ـ وقول أبي داود في مسائله (158): ((سمعت أحمد سُئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا)).
وفي مسائل عبد الله :
" قال سألت ابي عن الرجل يحمل معه المصحف الى القبر يقرأ عليه ؟ قال هذه بدعة
قلت لأبي وان كان يحفظ القرآن يقرأ ؟
قال لا ، يجيء ويسلم ويدعو وينصرف ، الزيارة بعد حين رخص النبي صلى الله عليه وسلم فيها يقولون ذاك " ا.هـ
وفي مسائل ابن هانئ (946) عن أحمد قال :
" القراءة على القبر بدعة " .
نقلا من فتح الغفور في حكم قراءة القرآن على القبور لأن مسائل ابن هانئ ليس عندي
ـ ونقل في فتح الغفور روايات أخرى عن أحمد من طريق المروذي ومهنا وحنبل وأبي طالب وابن بدينا وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم عن أحمد عدم جواز القراءة عند القبر، وبعضهم يروي عنه بِدْعيتها . كذا عن فتح الغفور
وكتاب فتح الغفور لم أقف عليه كاملا وإنما على جزء منه في ملتقى أهل الحديث ومنه نقلت النقلين الأخيرين
وقد نص شيخ الإسلام على أن هذا القول وهو المنع من القراءة على القبور هو الذي رواه عن أحمد أكثر أصحابه ، وإن كان كثير من المتأخرين من الحنابلة أخذوا بالرواية الأخرى لكن أكثر الروايات عن أحمد بالمنع
والذي يهمنا قول أحمد نفسه لا ما اختاره من جاء بعده فلا خلاف من حيث واقع الرواية أن أكثر الروايات عن أحمد بالنهي أو المنع أو كراهة القراءة على القبور لا الجواز ، وإن كان الجواز هو رواية عنه لم تصح إلا من طريق ابنه عبد الله كما سأبين
وأيضا أهل العلم اختلفوا في المترجح نقله عن أحمد من بين هذه الروايات ، فمنهم من ذهب إلى المنع أو الكراهة وهم قدماء أصحابه كأبي بكر المروذي وعبد الوهاب الوراق وغيرهما ، وهذا رأي معتبر في نقل قول أحمد كيف لا وهو الأصح عن أحمد رواية .
حتى أنه نُقل عن أحمد القول بأنه إن صليت الجنازة في المقبرة فلا تقرأ فيها الفاتحة
ومنهم من ذهب إلى الجواز ، ومنهم من فصّل بين وقت الدفن فنقلوا الجواز ووقت ما بعد الدفن فقالوا بالمنع
قال شيخ الإسلام في الفتاوى :
" ولهذا لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائما للقراءة عنده إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن ذلك ليس مما شرعه النبي صلى الله عليه و سلم لأمته لكن اختلفوا في القراءة عند القبور هل هي مكروهة أم لا تكره والمسألة مشهورة وفيها ثلاث روايات عن أحمد :
إحداها : أن ذلك لا بأس به وهي اختيار الخلال وصاحبه وأكثر المتأخرين من أصحابه وقالوا هي الرواية المتأخرة عن أحمد ...
والثانية : أن ذلك مكروه حتى اختلف هؤلاء هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة إذا صلى عليها في المقبرة وفيه عن أحمد روايتان .
وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحابه عنه وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه كعبد الوهاب الوراق وأبي بكر المروزي ونحوهما وهي مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام لأن ذلك كان عنده بدعة وقال مالك ما علمت أحدا يفعل ذلك
فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه
والثالثة : أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها كما نقل ابن عمر رضي الله عنهما وعن بعض المهاجرين وأما القراءة بعد ذلك مثل الذين ينتابون القبر للقراءة عنده فهذا مكروه فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا
وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها لما فيها من التوفيق بين الدلائل والذين كرهو القراءة عند القبر كرهها بعضهم وإن لم يقصد القراءة هناك كما تكره الصلاة فان أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك ا.هـ هذا الكلام بطوله لشيخ الإسلام .

فلا أدري لماذا أخفى الأستاذ كل هذه الروايات ولم يلمح إليها البتة ولو إشارة ، بل أوهم بعرضه للكلام أن أحمد لم يقل إلا بالجواز ، بينما أكثر الروايات عنه خلاف ذلك وهي أصح رواية بلا خلاف مع الرواية الثالثة التفصيلية ، وهذا تصرف لا يمت إلى الأمانة العلمية بصلة فإلى الله المشتكى من هذه الانتهاكات العلمية الصارخة .
هذا بالنسبة إلى ما فعله الأستاذ مع قول أحمد من بتر .
أما غير أحمد في هذه المسألة فقد أخفى الأستاذ أقوالهم بل حرص على تصوير أنه لا أحد يقول بما يقول به مخالفه ، وهذه والله كاشفة فقد سبق قول شيخ الإسلام عن رواية المنع :
" وهي مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام لأن ذلك كان عنده بدعة وقال مالك ما علمت أحدا يفعل ذلك
فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه " ا.هـ
سبحان الله أبو حنيفة ومالك وأكثر الروايات عن أحمد والمشهور عن الشافعي وجمهور السلف على المنع من القراءة على القبور ثم يأتي الأستاذ ويلتقط إحدى الروايات عن أحمد ثم يشيد بها ويهمل كل هذه الأقوال بل ويصور للقارئ أنه لا يوجد ما يخالف ما نقله
إن لم يكن هذا عبث في العلم وقلة أمانة واستخفاف بالغير فماذا سيكون ؟
قال في منح الجليل شرح مختصر خليل من كتب المالكية ، وسأنقل ما نقله عن مالك فقط :
" ( وَ ) كُرِهَ قِرَاءَةٌ عَلَى الْمَيِّتِ ( بَعْدَهُ ) أَيْ الْمَوْتِ ( وَعَلَى قَبْرِهِ ) أَيْ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، وَلِمُنَافَاتِهَا لِلْمَقْصُودِ مِنْ التَّدَبُّرِ فِي حَالِ الْمَيِّتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّوْضِيحِ .
مَذْهَبُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَرَاهَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ وَنَقَلَهَا سَيِّدِي ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ قَائِلًا ؛ لِأَنَّا مُكَلَّفُونَ بِالتَّفَكُّرِ فِيمَا قِيلَ لَهُمْ وَمَاذَا لَقُوا وَنَحْنُ مُكَلَّفُونَ بِالتَّدَبُّرِ فِي الْقُرْآنِ فَآلَ الْأَمْرُ إلَى إسْقَاطِ أَحَدِ الْعَمَلَيْنِ .ا هـ
فَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا ا هـ .
وأكده بنقل القرافي عن مالك المنع منها ،
وفي كتاب (الدين الخالص) للعلامة محمود خطاب السبكي رحمه الله :
" يكره تحريمًا عند النعمان ومالك قراءة القرآن عند القبر ؛ لأنه لم يصح فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس من عمل السلف، بل كان عملهم التصدُّق والدعاء لا القراءة "ا.هـ نقلا
وأيضا قول كمال الدين بن حمزة الحسني الشافعي كما في مواهب الجليل :
" وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ وَشَيْخِهِ مَالِكٍ وَالْأَكْثَرِينَ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَا يَصِلُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ قَالَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ : فَإِهْدَاءُ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ الْوُصُولَ عَبَثٌ مَكْرُوهٌ " ا.هـ
قال شيخ الإسلام
" ولهذا لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائما للقراءة عنده إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن ذلك ليس مما شرعه النبي صلى الله عليه و سلم لأمته "
فأين الأستاذ من هذه الأقوال ؟ لماذا لم يشر إليها على الأقل ؟ بل لماذا أوهم خلافها ؟

المهم هنا أنه تبين صنيع الأستاذ من استخلاصه للأقوال بانتقائية مجانبة للأمانة .
وما سيقول إذا سأله أحد مشاهدي حلقته :
لماذا نقلت مذهب أحمد مبتورا وحذفت الروايات الأخرى وفيها ما هو أصح وهي تبين أنه قال بالبدعية فترة من عمره على أقل الأحوال ؟
لماذا لم تبين أن المنع من القراءة مذهب جمهور السلف ومذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما من أئمة السلف ؟
وهذا التبديع من أحمد ولو سلمنا أنه رجع عنه أحمد ، فهو يبين أن القول ببدعيته محل اعتبار ويبين أن أحمد لا يكتفي بالنصوص العامة

المثال الثاني : التسبيح بالمسبحة أو بالحصى ونحوه .

استدل الأستاذ بأثر عن أبي هريرة أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة ( 2000) عقدة يسبح بها
والأثر إسناده ضعيف فيه عبد الواحد بن موسى الفلسطيني لا يعرف بتوثيق
وشيخه أبو نعيم المحرر بن أبي هريرة لم يوثقه أحد وقال عنه الحافظ في التقريب مقبول يعني إذا توبع ولم يتابع وهو هنا قد تمشى روايته باعتباره يروي عن أبيه شيئا مشاهدا
وأيضا تلميذه زيد بن الحباب قال عنه الحافظ "صدوق يخطئ" وهو في الحقيقة إلى الصدوق أقرب
ولكن العلة في عبد الواحد لا يحتج به
فالأثر ضعيف ومتنه منكر
ويستلزم عند النظر أن يكون طول الخيط ما يقارب عشرة أمتار بل أكثر ، هذا إذا كانت العقدة الواحدة بقدر نصف سنتمتر وعندما تضرب في العدد ألفين وهو عدد العقد ينتج عشرة أمتار ، مع أننا لم نحسب مسافة ما بين العقدة والأخرى ، وإن قلنا إن العقدة بقدر ربع سنتمتر ، وهو يكاد يستحيل باعتباره حجما غير مناسب لا لصنعها ولا لاستخدامها ، فتكون السبحة على هذا الاحتمال الأقل طولها خمسة أمتار من غير ما بين العقد من مسافات
المهم هذا طول منكر لا يعرف إلا في بؤر السحرة والمشعوذين ولو كان واقعا لاشتهر فكيف وهو قد روي من طريق ضعيف ؟
وانتقى الأستاذ مع هذا الأثر المنكر كلاما لشيخ الإسلام يرخص فيه التسبيح بالمسبحة ثم كلاما للسخاوي
وصور في نفس الوقت أن مخالفه ليس له سلف في القول بالبدعية وذلك عندما قال على لسان مخالفه وبلهجة تهكمية ووالله في منتهى الخروج عن الأدب ومن لم يصدق فليسمع الحلقة ، قال متقمصا دور مخالفه وبصوت ساخر :
" ـ السبحة ، بدعة .
ـ ليه ؟
ـ فيه شيخ سمعته في الشريط مؤلف مجموعة عن بدعية السبحة ا.هـ
واكتفى بهذا المقطع الذي مثّله بنفسه مبينا للمشاهد أنه قول مخترع من أصحاب الأشرطة ، ليؤكد للمشاهد ما حرص عليه طول الحلقة مِنْ سَلْب مخالفه تبعية العلماء السابقين .
فانظر إلى هذا العرض التشويهي لقول مخالفه ، ولو كان الأستاذ واثقا من قوله لما لجأ إلى هذه الأساليب الجائرة
وإليك الآن ما يبطل زعمه مما حرص الأستاذ على كتمه بذلك الأسلوب السيء من آثار وأقوال
روى ابن وضاح وهو من علماء القرن الثالث
عن عبد الله بن مسعود أنه رأى أناسا يسبحون بالحصا ، فقال : « على الله تحصون ، لقد سبقتم أصحاب محمد علما ، أو لقد أحدثتم بدعة ظلما »
وعنده بسند صحيح عن الصلت بن بهرام قال : « مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به ، فقطعه وألقاه ، ثم مر برجل يسبح بحصا ، فضربه برجله ثم قال : » لقد سبقتم ، ركبتم بدعة ظلما ، أو لقد غلبتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما "
وقد جاء من طرق وبألفاظ مقاربة وبمجموعها يثبت وهو صريح في إنكار عد التسبيح بالحصى وما في حكمها .
ولا خلاف بين أهل العلم السابقين فيما أعلم أن ابن مسعود كان يمنع من التسبيح عدًّا بالحصى وما شابهها من المسابح
وفي قصة أخرى
قَالَ أَبُو مُوسَى الأشعري مخاطبا ابن مسعود رضي الله عنه : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّى رَأَيْتُ فِى الْمَسْجِدِ آنِفاً أَمْراً أَنْكَرْتُهُ ، وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ خَيْراً. قَالَ : فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ : إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ - قَالَ –
رَأَيْتُ فِى الْمَسْجِدِ قَوْماً حِلَقاً جُلُوساً يَنْتَظِرُونَ الصَّلاَةَ ، فِى كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ ، وَفِى أَيْدِيهِمْ حَصًى فَيَقُولُ : كَبِّرُوا مِائَةً ، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً ، فَيَقُولُ : هَلِّلُوا مِائَةً ، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً ، وَيَقُولُ : سَبِّحُوا مِائَةً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً ...
قَالُوا : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ. قَالَ : فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَىْءٌ ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ ، هَؤُلاَءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ -صلى الله عليه وسلم- مُتَوَافِرُونَ وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ ، وَالَّذِى نَفْسِى فِى يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِىَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ، أَوْ مُفْتَتِحِى بَابِ ضَلاَلَةٍ.
وبينتُ في التطبيقات دلالته على المراد
وروي بسند ضعيف عن أبان بن أبي عياش قال : « سألت الحسن عن النظام من الخرز والنوى ونحو ذلك ، يسبح به ؟ فقال : » لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا المهاجرات "
وروي بسند ضعيف عن إبراهيم النخعي أنه كان ينهى ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسابيح التي يسبح بها.
بل كان ابن مسعود وابن عمر يكرهان العد حتى دون مسبحة
قال ابن أبي شيبة :
حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن إبراهيم قال كان عبد الله يكره العدد ويقول أيمن على الله حسناته.
حدثنا أزهر السمان عن ابن عون عن عقبة قال قال سألت ابن عمر عن الرجل يذكر الله ويعقد فقال تحاسبون الله ؟.
وكلاهما ثابت
فالعجب من الأستاذ كيف يحرص على تسفيه قول من يرى أن السبحة بدعة ؟
فماذا سيقول عمن ينكر العد من أصله من أمثال هذين الصحابيين ؟
وعندما ينضم له عد بوسيلة محدثة كان ابن مسعود يراه أشد نكارة كما هو موقفه ممن يفعل ذلك
وقد كان جماعة من أهل العلم يرون كراهة التسبيح بالمسبحة ونحوها قال شيخ الإسلام :
" والتسبيح بالمسابح من الناس من كرهه ومنهم من رخّص فيه لكن لم يقل أحد : أن التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع وغيرها .ا.هـ.
وقال :
" وأما التسبيح بما يجعل فى نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه ومنهم من لم يكرهه ، وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه وأما إتخاذه من غير حاجة أو إظهاره للناس مثل تعليقه فى العنق أو جعله كالسوار فى اليد او نحو ذلك ، فهذا إما رياء للناس أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة ، الأول محرم ، والثاني أقل أحواله الكراهة " ا.هـ
مع أن الأستاذ قرأ هذا النقل لكن لم يبين ما فيه من دلالة على ذهاب بعض أهل العلم للبدعية التي يشنع على من يقول بها
و سئل سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله فقال :
" تركها أولى ، و قد كرهها بعض أهل العلم ، و الأفضل التسبيح و التهليل بالأنامل، كما كان يفعل ذلك النبي صلى الله عليه و سلم و روي عنه أنه أمر بعقد التسبيح بالأنامل و قال : " إنهن مسؤولات مستنطقات "
والمراد نقل الكراهة عن بعض أهل العلم
وقد جاء في فتاوى الأزهر ما يدعوا لإعادة النظر في السبحة لدى من يقول بجوازها حيث جاء فيها :
" وإحصاء الذكر بالسبحة من اختراع الهند، كما يقول الأستاذ السيد أبو النصر أحمد الحسينى "مجلة ثقافة الهند -سبتمبر1955 " اخترعه الدين البرهمى فيها ، ثم تسرب إلى البلاد والأديان الأخرى ، وتسمى السبحة فى اللغة السنسكريتية القديمة فى الهند "جب ما لا " أى عقد الذكر .
ثم يقول : وتختلف الفرق البرهمية فى عدد حباتها وفى ترتيبها، فالفرقة الشيوائية سبحتها أربع وثمانون حبة ، والفرقة الوشنوية سبحتها مائة وثمان حبات . والخلاف راجع إلى حاصل ضرب 12 "عدد الأبراج السماوية" فى 7 "عدد النجوم الظاهرة بما فيها الشمس والقمر عند الفرقة الأولى" أو فى 9 "عدد النجوم الظاهرة عند الفرقة الثانية بإضافة أحوال القمر الثلاثة" وكل سبع حبات فى مجموعة متميزة .
وعند ظهور البوذية فى الهند بعد البرهمية اختار رهبانها السبحة الوشنوية "108 " من الحبات . وعند تفرق طوائفها فى البلاد قلد رهبان النصرانية هؤلاء فيها ، وكل ذلك قبل ظهور الإسلام .
... وبناء على هذه الأخبار لم تكن "السبحة" المعهودة لنا معروفة عند المسلمين حتى أوائل القرن الثانى الهجرى ، ويؤيد ذلك ما نقله الزبيدى فى "تاج العروس " عن شيخه أن السبحة ليست من اللغة فى شيء ولا تعرفها العرب ، إنما حدثت فى الصدر الأول إعانة على الذكر وتذكيرا وتنشيطا .
يقول الأستاذ الحسينى فى المجلة المذكورة : ويظهر أن استعمالها تسرب بين المسلمين فى النصف الثانى من القرن الثانى الهجرى، فإن أبا نواس ذكرها وهو فى السجن ، فى قصيدة خاطب بها الوزير ابن الربيع فى عهد الأمين "193-198" .
أنت با ابن الربيع ألزمتنى النسك وعودتنيه والخير عادة
فارعوى باطلى وأقصر حبلى وتبدلت عفة وزهادة
المسابيح فى ذراعى والمصحف فى لبتى مكان القلادة

وهو أقدم ذكر للسبحة بالشعر العربى فيما يعلم ...وبقى استعمالها بين المسلمين بين راض ،عنها وكاره لها ، ... هذا ، وقد تفنن الناس اليوم فى صنع السبحة من حيث المادة والحجم والشكل واللون والزخرفة وعدد الحبات ، وعنى باقتنائها كبار الناس سواء أكان ذلك للتسبيح أم للهواية أم لغرض آخر ..." ا.هـ

ومع أن الفتوى آلت إلى تجويز المسبحة لكن ما نقلوه والله يوجب إعادة النظر في لك
وختاما أُبيّن للقارئ أنه لاخلاف بين أهل العلم المعتبرين أن الأصل والسنة هو التسبيح باليد دون استعمال مسبحة ونحوها وهذا لم يبينه الأستاذ
وأن المسبحة لا تستحب ولا هي من السنة وإنما غايتها في قول كثير من أهل العلم أنها رخصة فقط وأيضا هذا لم يوضحه
ولا أظن أن عالما معتبرا ينص على أنها تستحب إذ هي محدثة باتفاق فغايتها أنها رخصة
وأيضا أبين للقارئ أمرا يوضح له أن هجوم الأستاذ على أتباع السلف في هذه المسائل لم يكن أمينا وذلك أن أكثر أتباع السلف في هذا العصر يرخصون في المسبحة وفيهم جلة من كبار علمائنا ممن توفي وممن هو على قيد الحياة وفي المقابل كثير منهم يرى بدعيتها وأنا أميل إلى هذا .
فلماذا هذا الهجوم الشامل ؟
بل لو كانوا كلهم يقولون ببدعية المسبحة لما ساغ منه هذا الهجوم التسفيهي لهم ، لكون ما يقولون به هو قول معتبر قال به صحابة فكيف وجلهم يرخصون في المسبحة ؟
هذا يبين لكل عاقل قدر التحامل الشديد والكراهية الدفينة التي تجر إلى الظلم دون شعور

ـ المثال الثالث : المصافحة بعد كل صلاة .

لم يذكر الأستاذ عن أحد من أهل العلم تجويزه المصافحة بعد كل صلاة وهذا يخالف قانون الحلقة الذي رسمه لنفسه
ومع هذا قال عن المسائل التي طرحها مخالفا الواقع بصورة صارخة :
( ما جبناش قول إمام واحد في أي مسألة ، جبنا قول أئمة )

وهذه المسألة التي سفّه فيها موقف مخالفه فإليك ما قيل فيها :
نص الإمام العز بن عبد السلام نفسه الذي أشاد به الأستاذ على بدعية المصافحة في فتاويه وهو مطبوع خلافا لقوله الآخر ، ونقله عنه البرزلي
ففي مواهب الجليل من كتب المالكية :
" َقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْجَامِعِ وَسُئِلَ عِزُّ الدِّين عَنْ الْمُصَافَحَةِ عَقِبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ أَمُسْتَحَبَّةٌ أَمْ لَا ؟ وَالدُّعَاءُ عَقِيبَ السَّلَامِ مُسْتَحَبٌّ لِلْإِمَامِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَمْ لَا ؟ ...
( فَأَجَابَ ) الْمُصَافَحَةُ عَقِيبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ مِنْ الْبِدَعِ إلَّا لِقَادِمٍ يَجْتَمِعُ بِمَنْ يُصَافِحُهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْمُصَافَحَةَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ الْقُدُومِ ، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَأْتِي بَعْدَ السَّلَامِ بِالْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ وَيَسْتَغْفِرُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : { رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ } .
وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَقَدْ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْصَرِفَ عَقِبَ السَّلَامِ انْتَهَى


وسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - أَغْدَقَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ عَلَى رُوحِهِ الزَّكِيَّةِ - عَنْ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ هَلْ هِيَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ أَمْ لَا ؟ أَجَابَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : أَمَّا الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصَّلَاةِ فَبِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى
وَسُئِلَ عَنْ الْمُصَافَحَةِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ : هَلْ هِيَ سُنَّةٌ أَمْ لَا ؟ .
الْجَوَابُ
فَأَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ . الْمُصَافَحَةُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ مَسْنُونَةً بَلْ هِيَ بِدْعَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

قال ابن الحاج في المدخل :
"وينبغي له - أي للإمام - أي يمنع محدثوه من المصافحة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وبعد صلاة الجمعة بل زاد بعضهم في هذا الوقت فعل ذلك بعد الصلوات الخمس وذلك كله من البدع وموضع المصافحة في الشرع إنما هي عند لقاء المسلم لأخيه لا في أدبار الصلوات الخمس وذلك كله من البدع فحيث وضعها للشرع نضعها فينهى عن ذلك ويزجر فاعله لما أتى من خلاف السنة اهـ.

قال الحافظ في فتح الباري في تعقب على النووي :
قَالَ النَّوَوِيّ : وَأَصْل الْمُصَافَحَة سُنَّة ، وَكَوْنهمْ حَافَظُوا عَلَيْهَا فِي بَعْض الْأَحْوَال لَا يخْرج ذَلِكَ عَنْ أَصْل السُّنَّة .
قُلْت [ الكلام للحافظ ] : لِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَال ، فَإِنَّ أَصْل صَلَاة النَّافِلَة سُنَّة مُرَغَّب فِيهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدَ كَرِهَ الْمُحَقِّقُونَ تَخْصِيص وَقْت بِهَا دُون وَقْت ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ تَحْرِيم مِثْل ذَلِكَ كَصَلَاةِ الرَّغَائِب الَّتِي لَا أَصْل لَهَا " ا.هـ كلام الحافظ

وقال العلامة علي القاري في شرح المشكاة عند نقده لكلام العز في تقسيم البدعة :
" وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي كَلَام الْإِمَام نَوْعُ تَنَاقُضٍ لِأَنَّ إِتْيَان السُّنَّة فِي بَعْض الْأَوْقَات لَا يُسَمَّى بِدْعَةً مَعَ أَنَّ عَمَلَ النَّاسِ فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنَ لَيْسَ عَلَى وَجْه الِاسْتِحْبَاب الْمَشْرُوع ، فَإِنَّ مَحَلّ الْمُصَافَحَة الْمَشْرُوعَة أَوَّل الْمُلَاقَاة وَقَدْ يَكُون جَمَاعَة يَتَلَاقَوْنَ مِنْ غَيْر مُصَافَحَة وَيَتَصَاحَبُونَ بِالْكَلَامِ وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مُدَّةً مَدِيدَةً ثُمَّ إِذَا صَلَّوْا يَتَصَافَحُونَ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ السُّنَّة الْمَشْرُوعَةِ ، وَلِهَذَا صَرَّحَ بَعْض عُلَمَائِنَا بِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ مِنْ الْبِدَع الْمَذْمُومَة نعم لو دخل أحد في المسجد والناس في الصلاة أو على إرادة الشروع فيها فبعد الفراغ لو صافحهم لكن بشرط سبق السلام على المصافحة فهذا من جملة المصافحة المسنونة بلا شبهة ومع هذا إذا مد مسلم يده للمصافحة فلا ينبغي الإعراض عنه بجذب اليد لما يترتب عليه من أذى يزيد على مراعاة الأدب فحاصله أن الابتداء بالمصافحة حينئذ على الوجه المشروح مكروه لا المجابرة وإن كان قد يقال فيه نوع معاونة على البدعة والله أعلم اِنْتَهَى كَلَامه .

قال العلامة الشمس آبادي في عون المعبود شرح أبي داود :

" وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام أَنَّ الْبِدَع عَلَى خَمْسَة أَقْسَام : وَاجِبَة وَمُحَرَّمَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ وَمُبَاحَةٌ ، قَالَ وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصُّبْح وَالْعَصْر اِنْتَهَى .
وَرَدَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْح الْمِشْكَاةِ [ فذكره ثم قال ]
قُلْت : وَاَلَّذِي قَالَهُ عَلِيٌّ الْقَارِي هُوَ الْحَقّ وَالصَّوَاب ، وَقَوْل النَّوَوِيّ خَطَأ . وَتَقْسِيم الْبِدَع إِلَى خَمْسَة أَقْسَام كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَام اِبْن عَبْد السَّلَام وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْإِمَام النَّوَوِيّ أَنْكَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقِينَ وَمِنْ آخِرِهِمْ شَيْخُنَا الْقَاضِي الْعَلَّامَة بَشِير الدِّين الْقِنَّوْجِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فَإِنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ رَدًّا بَالِغًا .
قُلْت : وَكَذَا الْمُصَافَحَة وَالْمُعَانَقَة بَعْد صَلَاة الْعِيدَيْنِ مِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وكذلك العلامة المباركفوري قال بنفس كلام الشمس آبادي
وقال الإمام المناوي في فيض القدير :
" ... ومباحة كالمصافحة عقب صبح وعصر (قوله ومباحة : كالمصافحة إلخ : المصافحة المذكورة بدعة مكروهة لأنها مخالفة للسنة الصحيحة وهي ترك المصافحة عقب الصلوات "

وقال العلامة ابن عابدين الحنفي :
" لكن قد يقال إن المواظبة عليها بعد الصلوات الخمس خاصة قد تؤدي بالجهلة إلى اعتقاد سنيتها في خصوص هذا المواضع، وأن لها خصوصية زائدة على غيرها، مع أن ظاهر كلامه أنه لم يفعلها أحد من السلف في هذه المواضع وَكَذَا قَالُوا بِسُنِّيَّةِ قِرَاءَةِ السُّوَرِ الثَّلَاثَةِ فِي الْوَتْرِ مَعَ التَّرْكِ أَحْيَانَا لِئَلَّا يُعْتَقَدَ وُجُوبُهَا
وَنَقَلَ فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ : وفي الملتقط: تكره المصافحة بعد أداء الصلاة بكل حال، لأن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يفعلوا ذلك، ولأنها من سنن الروافض ا.هـ
ثم نقل عن ابن حجر عن الشافعية أنها بدعة: لا أصل لها في الشرع، وأنه ينهى فاعلها أولاً ويعزر ثانياً . وفي المدخل: أنها من البدع، وموضع المصافحة في الشرع هو إنما عند لقاء المسلم لأخيه، لا في أدبار الصلوات، فحيث يضعها الشرع يضعها. فينهى عن ذلك ويزجر فاعله لما أتى به من خلاف السنة ا.هـ
في حين لم ينقل الأستاذ ما قال به عن أحد من أهل العلم


ـ المثال الرابع : الدعاء بعد كل صلاة .

ذكره الأستاذ وأراد الدعاء المعروف بعد الصلوات من الإمام والمأمومين .
ولم يذكر الأستاذ مَن سلفُه في القول باستحبابه أو مشروعيته ولا قائل به من السلف
ومع هذا فقد قال بالحرف الواحد عمن يقول ببدعية هذا الدعاء بالخصوص :
( أنت مش عارف تعريف البدعة )
فسبحان الله ، هل مالك بن أنس إمام دار الهجرة مش عارف تعريف البدعة ؟
جاء في كتاب ( الدر الثمين ) للشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي
" كره مالك وجماعة من العلماء لأئمة المساجد والجماعات الدعاء عقيب الصلوات المكتوبة جهراً للحاضرين ". نقلا
ونقله القرافي أيضا عن مالك على ما أذكر
وإلى بدعية هذا الدعاء ذهب العز بن عبد السلام
ففي مواهب الجليل من كتب المالكية :
" َقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْجَامِعِ وَسُئِلَ عِزُّ الدِّين عَنْ ... الدُّعَاءُ عَقِيبَ السَّلَامِ مُسْتَحَبٌّ لِلْإِمَامِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَمْ لَا ؟ ...
( فَأَجَابَ ) ... وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَأْتِي بَعْدَ السَّلَامِ بِالْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ وَيَسْتَغْفِرُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : { رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ } .
وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَقَدْ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْصَرِفَ عَقِبَ السَّلَامِ انْتَهَى

وقال شيخ الإسلام في الفتاوى :
" وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فهو بدعة لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه و سلم بل إنما كان دعاؤه في صلب الصلاة فإن المصلي يناجي ربه فإذا دعا حال مناجاته له كان مناسبا وأما الدعاء بعد انصرافه من مناجاته وخطابه فغير مناسب وإنما المسنون عقب الصلاة هو الذكر المأثور " ا.هـ

وهل الإمام الشاطبي مش عارف تعريف البدعة ؟!
قال في مواهب الجليل :
" وَقَدْ أَلَّفَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ فِيهِ [ في بدعيته ]وَرَامَ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَصْحَابُهُ الرَّدَّ عَلَيْهِ وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ ا.هـ
وسيأتي أن خمسة عشر من فقهاء المالكية ذهبوا إلى بدعية هذا الدعاء فقول ابن عرفة شاذ مردود في مذهب مالك وهو أشذ عند مقارنته بأقوال المذاهب الأخرى

قال الشاطبي في الاعتصام عن هذا الدعاء ناقلا بدعيته عن العلامة ابن بطال وعن أحد شيوخه فقال :
" قال بعض شيوخنا الذين استفدنا منهم :
... ولو كان هذا حسنا لفعله النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه رضي الله عنهم ولم ينقل ذلك أحد من العلماء مع تواطئهم على نقل جميع أموره حتى : هل كان ينصرف من الصلاة عن اليمين أو عن الشمال ؟
وقد نقل ابن بطال عن علماء السلف إنكار ذلك والتشديد فيه على من فعله بما فيه كفاية
هذا ما نقله الشيخ بعد أن جعل الدعاء بإثر الصلاة بهيئة الاجتماع دائما بدعة قبيحة واستدل على عدم ذلك في الزمان الأول بسرعة القيام والانصراف لأنه مناف للدعاء لهم وتأمينهم على دعائه بخلاف الذكر ودعاء الإنسان لنفسه فإن الانصراف وذهاب الإنسان لحاجته غير مناف لهما " ا.هـ
وقال الشاطبي أيضا :
" فتارة نسبتُ إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه كما يعزى إلى بعض الناس بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة الإمامة وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء " ا.هـ

قال الشاطبي رحمه الله ردا على من زعم أن الدعاء بعد الصلوات لم ينكره العلماء فقال :
" بل ما زال الإنكار عليهم من الأئمة فقد نقل الطرطوشي عن مالك في ذلك أشياء تخدم المسألة فحصل إنكار مالك لها في زمانه وإنكار الإمام الطرطوشي في زمانه واتبع هذا أصحابه ، ثم القرافي قد عد ذلك من البدع المكروهة على مذهب مالك وسلمه ولم ينكره عليه أهل زمانه ـ فيما نعلمه ـ مع [ قوله ] أن من البدع ما هو حسن
ثم الشيوخ الذين كانوا بالأندلس حين دخلتها هذه البدعة ـ حسبما يذكر بحول الله ـ قد أنكروها وكان من معتقدهم في ذلك أنه مذهب مالك وكان الزاهد أبو عبد الله بن مجاهد وتلميذه أبوعمران الميرتلي رحمهما الله ملتزمين لتركها حتى اتفق للشيخ أبي عبد الله في ذلك ما سنذكره إن شاء الله " ا.هـ

وقد اجتمع عندي خمسة عشر إماما من أئمة المالكية قالوا ببدعية الدعاء بعد كل صلاة بالهيئة المعروفة بما فيهم الشاطبي وهم :
ـ الإمام الطرطوشي
ـ ابن بطال
ـ الإمام القرافي
ـ ابن رشد محمد بن أحمد
ـ أبو عبد الله بن مجاهد
ـ أبو عمران الميرقلي
ـ خليل صاحب المختصر
ـ أحمد بن قاسم أبو العباس
ـ محمد بن محمد الحطاب
ـ محمد بن يوسف العبدري أبو عبد الله
ـ أحمد بن أحمد زروق
ـ أحمد بن محمد الدردير
ـ أحمد بن غنيم بن مهنا النفراوي
ـ العلامة الزرقاني في الشرح على المختصر
هؤلاء كنت قد استفدت جلهم من أحد إخواني من طلبة العلم له رسالة خاصة في الدعاء المذكور وقيدتهم منها وهذا قبل سنوات فأسأل الله أن يوفقه لكل خير وأن ينفع به
يضاف إليهم علماء الأندلس الذين نقل عنهم الشاطبي آنفا
وهؤلاء الخمسة عشر وغيرهم لا يوجد في المالكية من يخالفهم ممن يعتمد قوله فيما أعلم إلا على سبيل الشذوذ كما هو قول ابن عرفة
وأنا لا أعلم إلى لحظتي هذه أحد ممن يعتد بقوله ويقتدى به من العلماء المعروفين من قال بهذا الدعاء المحدث على الوجه المعمول به في المساجد غير ابن عرفة
وببدعية هذا الدعاء أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء كما في الفتوى رقم 3901 / 5124 / 3552
فهل هؤلاء كلهم مش عارفين تعريف البدعة ؟!!
بل مجرد الجلوس من الإمام بعد الصلاة قد جاء عن بعض السلف إنكاره
جاء في المدونة
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَبَلَغَنِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ : أَنَّهُ كَانَ إذَا سَلَّمَ لِمَكَانِهِ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : جُلُوسُهُ بَعْدَ السَّلَامِ بِدْعَةٌ .
وفي المدونة
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ : أَنَّ أَبَا الزِّنَادِ أَخْبَرَهُ قَالَ : سَمِعْتُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَعِيبُ عَلَى الْأَئِمَّةِ قُعُودَهُمْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَقَالَ : إنَّمَا كَانَتْ الْأَئِمَّةُ سَاعَةَ تُسَلِّمُ تَنْقَطِعُ مَكَانَهَا .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَبَلَغَنِي عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهَا السُّنَّةُ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : يَجْلِسُ عَلَى الرَّضْفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ .
قال ابن أبي شيبة
حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي الاحوص قال : كان عبد الله إذا قضى الصلاة انفتل سريعا فإما أن يقوم وإما أن ينحرف.
حدثنا هشيم عن منصور وخالد عن أنس بن سيرين عن ابن عمر قال : كان الامام إذا سلم قام وقال خالد : انحرف.
حدثنا أبو أسامة عن الاعمش عن أبي زرين قال : صليت خلف علي فسلم عن يمينه وعن يساره ثم وثب كما هو.
حدثنا علي بن مسهر عن ليث عن مجاهد قال : قال عمر : جلوس الامام بعد التسليم بدعة.
حدثنا وكيع عن محمد بن قيس عن أبي حصين قال : كان أبو عبيدة بن الجراح إذا سلم كأنه على الرضف حتى يقوم.
حدثنا أبو معاوية عن عاصم عن عبد الله بن الحارث عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول : اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام.
حدثنا علي بن مسهر عن ليث عن مجاهد قال : قال عمر : جلوس الامام بعد التسليم بدعة.
وعند عبد الرزاق عن معمر والثوري عن حماد ، وجابر ، وأبي الضحى عن مسروق : أن أبا بكر كان إذا سلم عن يمينه وعن شماله قال : السلام عليكم ورحمة اله [ ثم ] انفتل ساعة إذ كأنما كان جالسا على الرضف .
وقال عن معمر عن قتادة قال : كان أبو بكر إذا سلم كأنه على الرضف حتى ينهض.
وقال عن أيوب عن ابن سيرين قال : قلت لابن عمر : إذا سلم الامام انصرف ؟ قال : كان الامام إذا سلم انكفت وانكفتنا معه

فانظر رحمك الله فالجلوس من الإمام في مكانه محدث وعابه عمر فيما روي عنه كما عابه خارجة بن زيد فيما صح عنه فكيف بما يفعله أئمة اليوم من الدعاء علاوة على الجلوس
وسبق قول الشاطبي عن أحد شيوخه :
" هذا ما نقله الشيخ بعد أن جعل الدعاء بإثر الصلاة بهيئة الاجتماع دائما بدعة قبيحة واستدل على عدم ذلك في الزمان الأول بسرعة القيام والانصراف لأنه مناف للدعاء لهم وتأمينهم على دعائه بخلاف الذكر ودعاء الإنسان لنفسه فإن الانصراف وذهاب الإنسان لحاجته غير مناف لهما " ا.هـ

ومع كل هذا ومع عدم نقل الأستاذ عن أحد ممن يقول بأنه ليس بدعة فهو يعتبر من يقول بالبدعية مش عارف تعريف البدعة ، و يسبنا ويشتمنا ويستخف بنا لأننا وافقنا هؤلاء العلماء وخالفناه
فهل مثل هذا يكون صدقا ؟
بينما لو بقي هو وكل من يقول بقوله إلى آخر عمرهم يبحثون فلن يجدوا من يقول بذلك الدعاء المعروف ممن يداني مالكا والطرطوشي وابن تيمية والشاطبي .
فما أرخص الدعاوى .

المثال الخامس : الاحتفال بالمولد النبوي :

أيضا بطريقة تبجحية استنكارية استخفافية بالمخالف عرض الأستاذ ما وقف عليه من أقوال وهو لا يقف إلا على ما يخدم قوله .
ولم يكتف بهذا حتى ادعى تلقي الأمة بالقبول للمولد وهذا محض تقول ، وهو والله من أظهر الأدلة على أن الأستاذ يلقي الكلام دون مبالاة ولا مراعاة لصحة الكلام من عدمه

وإليك الأقوال التي أعرض عنها الأستاذ في المولد وادعى خلافها بتلقي الأمة بالقبول .
فممن أنكر الاحتفال بهذه المناسبة ( الذي هو محدث باتفاق ) :
الإمام الشاطبي في " الاعتصام " ، وابن الحاج في " المدخل " ، والشيخ تاج الدين علي بن عمر اللخمي وألّف في إنكاره كتاباً مستقلاً ، والعلامة أبو عبد الله الحفار المالكي شيخ الإسلام ابن تيمية في " اقتضاء الصراط المستقيم " ، والشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه " صيانة الإنسان " ، والسيد محمد رشيد رضا ألف فيه رسالة مستقلة ، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ألف فيه رسالة مستقلة .


قال العلامة ابن الحاج في " المدخل " :
( فإن خلا ـ أي المولد ـ منه ـ أي من السماع وتوابعه ـ وعمل طعاما فقط ، ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان ، وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط ، إذ إن ذلك زيادة في الدين ليس من عمل السلف الماضين ، وإتباع السلف أولى ، بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه ، لأنهم أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعظيما له ولسنته صلى الله عليه وسلم ، ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك ، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ، ونحن لهم تبع ، فيسعنا ما وسعهم ، وقد علم ان إتباعهم في المصادر والموارد ، كما قال الشيخ أبو طالب المكي ـ رحمه الله ـ في كتابه .
وقد جاء في الخبر : ( لا تقوم الساعة حتى يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً ) ، وقد وقع ما قاله عليه الصلاة والسلام بسبب ما تقدم ذكره وما يأتي بعد ؛ لأنهم يعتقدون أنهم في طاعة ، ومن لا يعمل عملهم يرون أنه مقصر ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ) ا.هـ

ويرى ابن الحاج في " المدخل " : أن نية المولد بدعة ، ولو كان الاشتغال في ذلك اليوم بصحيح البخاري ، وعبارته :
" وبعضهم ـ أي المشتغلين بعمل المولد ـ يتورع عن هذا ـ أي سماع الغناء وتوابعه ـ بقراءة البخاري وغيره عوضاً عن ذلك ، هذا وإن كانت قراءة الحديث في نفسها من أكبر القرب والعبادات وفيها البركة العظيمة والخير الكثير ، لكن إذا فعل ذلك بشرطه اللائق به على الوجه الشرعي لا بنية المولد ، ألا ترى أن الصلاة من أعظم القرب إلى الله تعالى ، ومع ذلك فلو فعلها إنسان في غير الوقت المشروع لها لكان مذموماً مخالفاً ، فإذا كانت الصلاة بهذه المثابة فما بالك بغيرها " .

وقال الإمام الشاطبي رحمه الله ممثلا لبعض البدع :
" وجعل الثاني عشر من ربيع الأول ملحقا بأيام الأعياد لأنه عليه السلام ولد فيه وكمن عد السماع والغناء مما يتقرب به إلى الله بناء على أنه يجلب الأحوال السنية أو رغب في الدعاء بهئية الاجتماع في أدبار الصلوات دائما بناء على ما جاء في ذلك حالة الواحدة أو زاد في الشريعة أحاديث مكذوبة لينصر في زعمه سنة محمد صلى الله عليه و سلم "
وقد أنكره في غير موطن من كتابه

وقال العلامة تاج الدين عمر بن علي اللخمي الإسكندراني المشهور بـ : ( الفاكهاني ) في رسالته في المولد المسماة بـ " المورد في عمل المولد " :
( لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة ، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة ، الذين هم القدوة في الدين ، المتمسكون بآثار المتقدمين ، بل هو بِدعة أحدثها البطالون ، وشهوة نفسٍ اغتنى بها الأكالون ، بدليل أنَّا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا : إما أن يكون واجباً ، أو مندوباً ، أو مباحاً ، أو مكروهاً ، أو محرماً .
وهو ليس بواجب إجماعاً ، ولا مندوباً ؛ لأن حقيقة الندب : ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه ، وهذا لم يأذن فيه الشرع ، ولا فعله الصحابة ، ولا التابعون ولا العلماء المتدينون ـ فيما علمت ـ وهذا جوابي عنه بين يدي الله إن عنه سئلت . ولا جائز أن يكون مباحاً ؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين .
فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً ، أو حراماً ) .
ومن علماء المالكيَّة الإمام العلامة الأستاذ أبو عبد الله الحفَّار المالكي، وله في ذلك جواب حافل نقله الونشريسي في المعيار المعرب، نختصر منه ما يلي، قال رحمه الله:
"ليلة المولد لم يكن السلف الصالح يجتمعون فيها للعبادة، ولا يفعلون فيها زيادةً على سائر ليالي السنة، والخير كلُّه في اتِّباع من سلف، فالاجتماع في تلك الليلة ليس بمطلوب شرعًا، بل يؤمر بتركه ... "
كما في المعيار المعرب و الجامع المغرب لفتاوى علماء إفريقية و الأندلس و المغرب(7 / 99 ).

وقال شيخ الإسلام في الفتاوى :
"وأما إتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الاول التى يقال انها ليلة المولد او بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة او اول جمعة من رجب او ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الابرار فإنها من البدع التى لم يستحبها السلف ولم يفعلوها والله سبحانه وتعالى أعلم " ا.هـ
وقال في الفتاوى أيضا :
" وهكذا القول فى ليلة المولد وغيرها والبدع المكروهة ما لم تكن مستحبة فى الشريعة وهى أن يشرع ما لم يأذن به الله فمن جعل شيئا دينا وقربة بلا شرع من الله فهو مبتدع ضال وهو الذى عناه النبى بقوله كل بدعة ضلالة فالبدعة ضد الشرعة والشرعة ما أمر الله به ورسوله أمر ايجاب أو أمر استحباب "

وقال شيخ الإسلام في الاقتضاء
" إذ الأعياد شريعة من الشرائع ، فيجب فيها الاتباع ، لا الابتداع .
وللنبي صلى الله عليه وسلم خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة : مثل يوم بدر ، وحنين ، والخندق ، وفتح مكة ، ووقت هجرته ، ودخوله المدينة ، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين . ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا . وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى عليه السلام أعيادًا ، أو اليهود ، وإنما العيد شريعة ، فما شرعه الله اتبع . وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه . وكذلك ما يحدثه بعض الناس ، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام ، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتعظيمًا . والله قد يثيبهم (1) على هذه المحبة والاجتهاد ، لا على البدع- من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا . مع اختلاف الناس في مولده . فإن هذا لم يفعله السلف ، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا . ولو كان هذا خيرًا محضا ، أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا ، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا ، وهم على الخير أحرص . وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره ، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا ، ونشر ما بعث به ، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان . فإن هذه طريقة السابقين الأولين ، من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان " ا.هـ

وقال العلامة محمد عبد السلام خضر الشقيري في كتابه السنن والمبتدعات :
" في شهر ربيع الأول وبدعة المولد فيه : لا يختص هذا الشهر بصلاة ولا ذكر ولا عبادة ولا نفقة ولا صدقة ، ولا هو موسم من مواسم الإسلام كالجمع والأعياد التي رسمها لنا الشارع - صلوات الله وتسليماته عليه ، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين -، ففي هذا الشهر ولِد صلى الله عليه وسلم ، وفيه تُوفي ، فلماذا يفرحون بميلاده ولا يحزنون لوفاته ؟! فاتخاذ مولده موسماً ، والاحتفال به بدعة منكرة ، وضلالة لم يرد بها شرع ولا عقل ، ولو كان في هذا خير فكيف يغفل عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضوان الله عليهم - ، وسائر الصحابة والتابعين وتابعيهم ، والأئمة وأتباعهم ؟ " ا.هـ

ومن علماء المالكية المتأخِّرين بمصر الشيخ المفتي محمَّد عليش المالكي، من علماء الأزهر ومن فقهاء المالكية في زمانه من نحو قرن، قال في كتابه فتح العلي المالك :
"عمل المولد ليس مندوبًا، خصوصًا إن اشتمل على مكروه، كقراءة بتلحين أو غناء، ولا يسلم في هذه الأزمان من ذلك وما هو أشدّ." ا.هـ
وقال السيد رشيد رضا في كتابه " ذكرى المولد النبوي " :
" إن من طباع البشر أن يبالغوا في مظاهر تعظيم أئمة الدين أو الدنيا في طور ضعفهم ـ أي البشر ـ في أمر الدين أو الدنيا ؛ لأن هذا التعظيم لا مشقة فيه على النفس ، فيجعلونه بدلاً مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي يقوم بها أمر الدين أو الدنيا ، و إنما التعظيم الحقيقي بطاعة المعظم ، والنصح له ، والقيام بالأعمال التي يقوم بها أمره ويعتز دينه إن كان رسولا ، وملكه إن كان ملكا ، وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم ثم للخلفاء ، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل ، ولكنهم دون أهل هذه القرون التي ضاع فيها الدين في مظاهر التعظيم اللساني ، ولاشك أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بكل تعظيم ، وليس من التعظيم الحق له أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به ، وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين فقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية.
ومازالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم ، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا ، وكما تساهل الخلف الذين اتبعوا سننهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع لضاع أصل ديننا أيضا ، ولكن السلف الصالح حفظوا لنا الأصل ، فالواجب علينا أن نرجع إليه ونعض عليه بالنواجذ " اهـ .

وقد أفتت اللجنة الدائمة بالمملكة ببدعية هذا الاحتفال كما في الفتوى رقم ( 2139 ـ 7136 ) وعدة فتاوى تجاوز العشرة فتاوى .

فهل يقال في مسألة محدثة كهذه باعتراف الأستاذ وأنها حدثت بعد قرون ومع إنكار كل من نقلنا عنهم هذه البدعة .
هل يقال إنها قد تلقتها الأمة بالقبول ؟
الجواب يعرفه القارئ
أما عن أول من أحدث المولد وابتدعه إذ لا خلاف أن القرون المفضلة قرون السلف لم يحتفل فيها أحد بالمولد فأول من ابتدعه هم الفاطميون الشيعة الباطنية فقد جاء في فتاوى الأزهر :
" لا يعرف المؤرخون أن أحدا قبل الفاطميين احتفل بذكرى المولد النبوى -كما قال الأستاذ حسن السندوبى - فكانوا يحتفلون بالذكرى فى مصر احتفالا عظيما ويكثرون من عمل الحلوى وتوزيعها كما قال القلقشندى فى كتابه " صبح الأعشى" . ...
ولانتشار البدع فى الموالد أنكرها العلماء ، حتى أنكروا أصل إقامة المولد ، ومنهم الفقيه المالكى تاج الدين عمر بن على اللخمى الإِسكندرى المعروف بالفاكهانى، المتوفى سنة 731 هـ ، فكتب فى ذلك رسالته " المورد فى الكلام على المولد" أوردها السيوطى بنصها فى كتابه " حسن المقصد" .
ثم قال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: وقد أتى القرن التاسع والناس بين مجيز ومانع ...." ا.هـ
مع أن بقية الفتوى أجازت أصل المولد لكن مرادنا من النقل تحديد تاريخ هذه البدعة
والفاطميون كانوا معروفين بالبدع والموالد
فالخلاصة أن أول من احتفل بالمولد النبوي هم بنو عبيد القداح ( الفاطميون ) ، ويدلُّ على ذلك : ما ذكره المقريزي في خططه وما ذكره القلقشندي في صبح الأعشى .
وقد رجح نسبة هذا المولد للفاطميين جماعة من العلماء المتأخرين وصرَّحُوا به .
منهم : محمد بخيت المطيعي في كتابه أحسن الكلام ص(44) ، وعلي محفوظ في كتابه الإبداع ص(251) ، وحسن السندوبي في كتابه تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي ص (62) ، وعلي الجندي في كتابه نفح الأزهار ص(185، 186) ، وإسماعيل الأنصاري في كتابه القول الفصل ص (64) ، وغيرهم من المؤلفين في هذا المجال .
انظر بحث الشيخ حمد الجاسر بتعليق الباحث الناصح سليمان الخراشي
ودولة الفاطميين كانت حريصة على بث البدع بين المسلمين لتشويه الدين وقد حكم العلماء بزندقة أمرائها
قال ابن كثير :
" وقد كان الفاطميون أغنى الخلفاء وأكثرهم مالا ، وكانوا من أغنى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم ، وأنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات وكثر أهل الفساد وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية والدرزية والحشيشية، وتغلب الفرنج على سواحل الشام بكماله، حتى أخذوا القدس ونابلس وعجلون والغور وبلاد غزة وعسقلان وكرك الشوبك وطبرية وبانياس وصور وعكا وصيدا وبيروت وصفد طرابلس وإنطاكية وجميع ما والى ذلك، إلى بلاد إياس وسيس، واستحوذوا على بلاد آمد والرها ورأس العين وبلاد شتى غير ذلك، وقتلوا من المسلمين خلقا وأمما لا يحصيهم إلا الله، وسبوا ذراري المسلمين من النساء والولدان مما لا يحد ولا يوصف، وكل هذه البلاد كانت الصحابة قد فتحوها وصارت دار إسلام، وأخذوا من أموال المسلمين ما لا يحد ولا يوصف، وكادوا أن يتغلبوا على دمشق ولكن الله سلم، وحين زالت أيامهم وانتقض إبرامهم أعاد الله عزوجل هذه البلاد كلها إلى المسلمين بحوله وقوته وجوده ورحمته " ا.هـ كلام ابن كثير .
وهؤلاء هم سلف مروجي البدع .
فانتبه أخي الكريم للمخطط الذي قد لا تدرك أبعاده ، فالإسلام الصافي دين كاسح ، يجتاح الباطل بقوة لا توصف ، ولذلك هم يريدون بث البدع والمحدثات ليزيلوا صفاء الاسلام وبالتالي لتضعف فيه خاصية الاكتساح .
بأقل كلمات هذه هي الحقيقة
والبدعة ثغرة عظيمة لا يمكن أن يغفل عنها أعداء الاسلام
وبالتالي متى ما أردنا أن نقطع الطريق على هذه الاختراق الخطير من العدو فلا ملجأ ولا عصمة إلا بلزوم ما كان عليه المسلمون أول الإسلام زمن الصحابة والتابعين
فالذي كانوا عليه هو الذي قادهم إلى المجد .
هو الذي لاخلاف بأنه الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم
هو الأقرب إلى المنبع والذي من شأنه الصفاء
هو الطريق الوحيد والأقرب لجمع كلمة المسلمين
هو أضمن طريق على الإطلاق إلى الجنة
هو أبعد طريق عن التغيير والتبديل
فلماذا لا يرضى مدعوا الحرص على الإسلام والمنادون بنبذ الخلاف والساعون بالشعارات فقط لتوحيد كلمة المسلمين ، لماذا إن كانوا صادقين لا يرضون بهذا الطريق الواضح وفقط .
لماذا ؟
الجواب واضح ، هم أحرص الناس على الفرقة ، وعلى رسم طرق شتى ، وعلى تكدير المنبع ، وعلى تشتيت الكلمة ، وعلى تغيير معالم الإسلام !!
وإلا فهل يتصور عاقل يملك ذرة من الفهم أن رسول الله النبي الأمين يفتتح حلقات العلم بالتطبيل والتزمير ؟ وبعروض الأزياء النسائية والفواصل الطربية كما يفعل حضرة الداعية !!
بل هل يتصور أن يرضى بهذا ؟
أي عقلية هذه يمكن أن نتصور أنها منصفة وتحمل خيرا للمسلمين
فأقوال السلف من صحابة وتابعين وتابعيهم متوفرة بأسانيدها وقد حوتها كتب مسندة معروفة موثقة من تأليف أئمة متفق عليهم كتبت قبل أكثر من ألف سنة ، وسبل تمييز الصحيح منها بفضل الله هي محل اتفاق بين أهل السنة كافة
فيا ترى نسأل أنفسنا أسئلة واقعية
الذين عاشوا مع النبي وعاشروه وهم أعرف بيوم ميلاده الذي هو محل خلاف عندنا ، ومنهم من كانت تربطه به بنوة كبناته ومنهم العم وابن العم ومنهم الصهر ومنهم الصاحب المقرب و...و...الخ وأصحابه بلغوا في حياته قرابة المائة ألف
وفي نفس الوقت هم أتبع الناس للسنة وأقرب الناس له حالا وأقرب الناس إلى ربهم ولا خلاف أن محبتهم له لا تعدلها محبة بل لا يجرؤ عاقل أن يزعم محبته للنبي أكثر منهم ومن زعم هذا فلا شك في كذبه
إذًا أيتصور ممن هم أبعد الناس عن تحري سنته ممن جاء بعد قرون أن يكونوا أكثر أدبا معه صلى الله عليه وسلم وأكثر حبا وأكثر وفاءا ؟
أيعقل أن يكون نابليون الصليبي أبرّ بمحمد صلى الله عليه وسلم من أبي بكر الصديق ؟!
فقد ذكر الجبرتي أن نابليون أمر الشيخ البكري بإقامة الاحتفال بالمولد وأعطاه ثلاثمائة ريال [ لعله قصد فرنك ] فرنسي ، وأمره بتعليق الزينات ، بل وحضر الحفل بنفسه من أوله إلى أخره ا.هـ
وإن تعجب فاعجب من كافر كنابليون وتمييزه لما هو دخيل على الدين وما يبعد عن روح الإسلام ليدعمه بينما مسلمون يصرون على فعل كل شيء دون تمييز فسبحان الله
ثم بدعة المولد قائمة على التشبه بالنصارى باعتراف مروجيها
قال السخاوي :
" إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدا أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر " ا.هـ (التبر المسبوك /14)
صدق رسول الله لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه
وأثر التبعية في زرع الهزيمة النفسية أمر لا يخفى

المثال السادس مسح الوجه بعد الدعاء :

انظر كيف بدأ هذا الرجل الكلام عن هذه المسألة
قال هداه الله على هيئة حوار متكلما على لسان مخالفه كالتالي :
ـ ( الأستاذ ) : مسح الوجه بعد الدعاء .
ـ ( مخالفه ) : بدعة
ـ ( الأستاذ ) : ليه ؟
ـ ( مخالفه ) : لم يؤثر عن النبي و عن السلف .
ـ ( الأستاذ بلهجة توبيخية شديدة ) : بتكذب ، بتكذب ، جمعت العلم كله علشان قلت لم يؤثر عن السلف ؟ أيش عرفك أنه لم يؤثر عن السلف ؟ قرأت أيه ؟ " ا.هـ
والكلام كله للأستاذ ساغه على هيئة حوار

وهذه هي منزلة المخالف عند الأستاذ ، وهو طول الحلقة يعامل مخالفه معاملة الذليل ، ويصوّر خصمه دائما بصورة التافه الحقير ، وهذا هو الإسلام الذي ينادي به أمثال هؤلاء تحت أكذوبة ما يسمونه بالرأي والرأي الآخر .
وأنت لا تعرف أدب الخلاف إذا اقتديت بالسلف فأنكرت عين ما ينكره السلف .
أما الأدب الرفيع فهو حلية هؤلاء الذين يسلقون أتباع السلف بألسنة حداد والله المستعان

انظر أيها القارئ المنصف ماذا قال الإمام أحمد في رواية عنه أخفاها الأستاذ
وكذا ماذا قال الإمام مالك ؟ وماذا قال عبد الله ابن المبارك عن نفس المسألة ( مسح الوجه بعد الدعاء )
قال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتابه الوتر :
" وأما أحمد بن حنبل فحدثني أبو داود قال : سمعت أحمد ، وسئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ من الوتر . فقال : لم أسمع فيه بشيء ، ورأيت أحمد لا يفعله "
هذه رواية عن أحمد كتمها الأستاذ
وأما مالك فقال الإمام ابن نصر في نفس الكتاب :
" وسئل مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء ، فأنكر ذلك ، وقال : ما علمت " ا.هـ (كذا)
أي ما علمت شيئا في المسألة يجوزها ، بدليل إنكاره
أما ابن المبارك فروى البيهقى في السنن الكبرى عن علي الباشانى قال سألت عبد الله - يعنى ابن المبارك - عن الذي إذا دعا مسح وجهه ؟
قال [ ابن المبارك ] : لم أجد له ثبتا ، قال علي ولم أره يفعل ذلك ا.هـ
أي لم أجد فيه شيئا ثابتا .
وكان الإمام سفيان الثوري يكرهه قال ابن نصر المروزي :
" وسئل عبد الله [ بن المبارك ] عن الرجل ، يبسط يديه فيدعو ثم يمسح بهما وجهه ، فقال : كره ذلك سفيان "
فمسألة كهذه يقول فيها أئمة رفعاء كهؤلاء مثل هذا الكلام الذي صرحوا فيه بعدم ورد شيء بلغهم ثم يأتي الأستاذ ويصرّ على تكذيب مخالفه لأنه نفى ورود شيء عن السلف في المسألة وربما يكون هذا الذي كذبه الأستاذ اعتمد في نفيه على كلام هؤلاء الأئمة وفهم منهم نفي وجود أي رواية في الباب
فلماذا كتم الأستاذ هذه الروايات وأحدها في السنن الكبرى ؟
لماذا حرص على أن يصور مخالفه بأنه يكذب في هذه المسائل ليشكك في كل ما ينكرونه من بدع ؟
إذًا لا تلم مخالفك إذا اتهمك بما اتهمته به ! عندما قلت في مقام عام مصورا أن السلف لم يكونوا يهتمون بتصنيف العبادات المحدثة من غيرها فقلت :
" هم زمان ما كانوش يقولوا دي سنة ودي بدعة "
مع أن أقل الناس علما لا يشك في أن السلف كانوا يكثرون من قول هذه سنة وهذه بدعة فضلا عن أن هذا كان يصدر منهم
لا تلم مخالفك إذا اتهمك بما اتهمته به ! عندما ذكرت أن الكلام التالي لا يقوله العلماء
( النبي ما عملهاش ولو كان خيرا لسبقونا إليه )
هذا الذي ذكرتَ أنه لا يقوله العلماء وأنه ليس كلاما علميا وأنه كلام محدث وبدعة
لا تلم مخالفك إذا اتهمك بما اتهمته به ! لأن هذه العبارة عبارة أهل السنة كافة في ضبط البدع ، ولا يخفى هذا على الكثير وستأتي النقول فيه.
وأمور أخرى أنت أقرب فيها إلى التهمة من مخالفك فدع عنك العبارات المنافية للأدب والأساليب المنافية للإحترام
بل أنت قد خرقت الأمانة بإعراضك عن رواية أحمد الأخرى وقول مالك والثوري وابن المبارك

ومع ما حصل فالرواية التي نقلها الأستاذ هي كالآتي
سئل أبي وأنا أسمع عن رفع الأيدي في القنوت يمسح بها وجهه قال الحسن يروى عنه انه كان يمسح بها وجهه في دعائه اذا دعا " ا.هـ
فأين تجويز أحمد لمسح الوجه ؟
غاية ما في جوابه أنه نقل ما يعرفه من فعل الحسن ، أما أن أحمد يجوزه فليس بصريح ، وهذا الجواب قد يصدر عند حصول تردد من الإمام في المسألة أو لغير ذلك كما هو معلوم
وأحمد وإن اعتمدت كتب المذهب نقل الجواز عنه كإحدى الروايات لكن مفهوم هذه الرواية مفيد لمن يريد معرفة أقوال أحمد كلها ، ومعرفة أيها قد يكون سبق ، ومفيد في الترجيح أيضا لأن عزو المسألة لأحمد في كتب مذهبه فيه أقوال
وما نقله أيضا الأستاذ عن إسحاق بن راهويه فقد أوهم السامع أنه مشترك بينه وبين أحمد وأنه قول لكليهما وليس كذلك
وقد نقل ابن نصر عن إسحاق استحسان مسح الوجه فقال
"ورأيت إسحاق يستحسن العمل بهذه الأحاديث "
وقد أوهم الأستاذ مشاهديه أن إسحاق استحب هذا العمل مع علمه بأنه محدث واحتج بهذا المثال على تجويز السلف للمحدثات وأنهم لا يلتفتون لكون الفعل محدثا ما دام أنه لا يخالف أصول الشرع ، وهذا عمل غير لائق بأمانة العلم ، فإسحاق من الظاهر أنه قال بالمسح للأحاديث الواردة وهو صريح ما نقله عنه تلميذه محمد بن نصر :
" يستحسن العمل بهذه الأحاديث " فلماذا ينسب الأستاذ إلى إسحاق خلاف كلامه ؟!
أهكذا تكون الأمانة ؟ أين في كلام إسحاق أنه فعله مع اعترافه بأنه محدث ؟
وكذا عبارة أحمد عند ابن نصر دالة على تعويل أحمد في المسألة على الوارد ، سلبا أم إيجابا
قال محمد بن نصر المروزي في كتاب الوتر له :
" وأما أحمد بن حنبل فحدثني أبو داود قال : سمعت أحمد ، وسئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ في الوتر . فقال : لم أسمع فيه بشيء ، ورأيت أحمد لا يفعله . قال : وعيسى بن ميمون هذا الذي روى حديث ابن عباس ليس هو ممن يحتج بحديثه ، وكذلك صالح بن حسان ، وسئل مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء ، فأنكر ذلك ، وقال : ما علمت ، وسئل عبد الله عن الرجل ، يبسط يديه فيدعو ثم يمسح بهما وجهه ، فقال : كره ذلك سفيان " ا.هـ
فتأمل تعليل أحمد عدم المسح بضعف الرواية يتبين لك المراد
وتأمل أيضا ما نقله ابن قدامة عن أحمد وإن كان في المسح داخل الصلاة
ففي المغني :
" وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْقُنُوتِ فَهَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدِهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ [ يعني في المذهب ] : إحْدَاهُمَا ، لَا يُفْعَلُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ .
وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ مَسْحُ وَجْهِهِ فِيهِ ، كَسَائِرِ دُعَائِهَا الثَّانِيَةُ : يُسْتَحَبُّ ؛ لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .
وَرَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ } .
وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ الصَّلَاةِ ، وَفَارَقَ سَائِرَ الدُّعَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ ا.هـ
تأمل قوله :
" لَا يُفْعَلُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ "
وقوله : " الثَّانِيَةُ : يُسْتَحَبُّ ؛ لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ "
فالمنع لعدم وجود دليل ، والإستحباب عند وجود الدليل
فلا يوجد ما ينادي به الأستاذ من أنه لا يلزم وجود دليل خاص وإنما تكفي الأدلة العامة وإن لم توجد فيكفي أن لا تصادم أصول الشرع
فهذا التأصيل البدعي لا يوجد عند السلف قاطبة ولا عند من جاء بعدهم ممن سار على منهجهم وإنما هو تأصيل بدعي حادث لا يشهد له إلا بعض التطبيقات الخاطئة الشاذة لدي بعض متأخري أهل العلم التي تصادم عامة تطبيقات أهل العلم سلفا وخلفا
فإلصاق هذا الأصل المبتدع الحادث بأحمد بن حنبل وإسحاق خطأ فادح

أما الأقوال الأخرى عن أهل العلم فهو لون آخر من الأمانة العلمية ضرب به الأستاذ المثل ، وأبرز ذلك قول العز بن عبد السلام في المسألة فلقد ملأ الأستاذ حلقته إشادة بالعز ومذهبه في البدعة وعندما وصل إلى هذه المسألة سكت عن العز مع أن تطبيقه هنا مهم جدا
فأين الأمانة ؟ أين أمانة العلم يا أستاذ ؟
حسبنا الله ونعم الوكيل
قال في مغني المحتاج من كتب الشافعية
" وَأَمَّا مَسْحُ الْوَجْهِ عَقِبَ الدُّعَاءِ خَارِجَ الصَّلَاةِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْهُ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا جَاهِلٌ ا هـ .
وهو في فتاوى العز نفسها ص 392
وقال شيخ الإسلام :
" وأما رفع النبي صلى الله عليه و سلم يديه في الدعاء : فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة والله أعلم "
فتاوى ابن تيمية

أما التعريف يوم عرفة في غير عرفة فأقوال السلف في إنكاره وبدعيته كثيرة نقلها أبوشامة وابن تيمية وهي بأسانيدها في مصنف ابن أبي شيبة وغيره وستأتي في التطبيقات وهي تبطل ما صوره الأستاذ للمشاهد


الانتقائية منه في عرض مواقف أهل العلم :

طبعا الأستاذ نقل في الحلقة عدة أقوال عن جماعة من العلماء وسبق بيان ما قام به من انتقاء في الأمثلة التي ساقها بما أظنه كاف في بيان حاله .
أما انتقائية الأستاذ في مواقف الأئمة فالأمر فيه أظهر ، حيث كان بصورة ظاهرة يحتج بأحدهم في مثال ويشنع عليه بطريقة غير مباشرة في مثال آخر ، حتى أن جل مَن ذَكَرهم لا يوافقونه في أكثر الأمثلة التي ساقها ولا يوجد واحد منهم يوافقه في كل ما مثّل به ، ناهيك عن تطبيقاتهم أعني هؤلاء الذين احتج بهم ، فجل تطبيقاتهم تناقض مذهب الأستاذ نقضا واضحا وهذا يكشف لك حقيقة إخلال الأستاذ بأمانة العلم كأقوال أحمد والشافعي والعز بن عبد السلام وأبي شامة وابن تيمية وابن رجب والسيوطي وأبين هذا بما يلي

أما أقوال أحمد وتطبيقاته في البدعة التي تبين حقيقة مذهبه والأمثلة الصريحة التي تَنقُض وتبطل ما نسبه إليه الأستاذ وألصقه به فهي كثيرة جدا ، فإليك أخي الكريم بعض ما انتشلناه من تلك الموؤودات

ـ قال الإمام أحمد :
" أُصُولُ السُّنَّةِ عِنْدَنَا : التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ ، وَتَرْكُ الْبِدَعِ ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ فَهِيَ ضَلَالَةٌ " ا.هـ
فأحمد يرى كل بدعة (شرعا) ضلالة خلافا لما قرره الأستاذ وألصقه بأحمد
ـ قَالَ : مُهَنَّا : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَجْلِسُ إلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُو هَذَا وَيَدْعُو هَذَا ، وَيَقُولُونَ لَهُ : اُدْعُ أَنْتَ .
فَقَالَ [ أحمد ] : لَا أَدْرِي مَا هَذَا ؟ " ا.هـ
لماذا لم يجوز ذلك أحمد ؟ أليس الدعاء قد أمرت به النصوص العامة ؟
فإذا كان أحمد كما يصور الأستاذ فلماذا لم يسوغ هذا ؟
ويوضحه بقية ماجاء في المسألة
" قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّه ( أحمد ) :
يُكْرَهُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْقَوْمُ يَدْعُونَ وَيَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ ؟
فَقَالَ : مَا أَكْرَهُهُ لِلْإِخْوَانِ إذَا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى عَمْدٍ إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا .
قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ : قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا مَعْنَى إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا إلَّا أَنْ يَتَّخِذُوهَا عَادَةً حَتَّى يَكْثُرُوا ا.هـ

فأجاز أحمد الاجتماع العارض للدعاء أما المداومة الدالة على التخصيص فهو لا يراه ويكرهه بنص كلامه
قال ابن مفلح :
" قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : فَقَيَّدَ أَحْمَدُ الِاجْتِمَاعَ عَلَى الدُّعَاءِ إذَا لَمْ يُتَّخَذْ عَادَةً " ا.هـ
فتأمل
وفي الشرح الكبير لابن قدامة
" قال أحمد ولا يقول خلف الجنازة سلم رحمك الله فإنه بدعة " ا.هـ
لماذا ؟ أليس دعاء مشروعا في أصله ؟ لماذا بدعه ؟ فتأمل أخي الكريم لتعلم البدعة عند أحمد وأنه لا يرى العمل بالنص العام كافيا في مثل هذه المواطن
ـ وفي مسائل الإمام أحمد بن حنبل وابن راهويه :
قلت التطريب في الأذان ؟
قال : " كل شيء محدث " كأنه لم يعجبه .
قال إسحاق كما قال لأنه بدعة
ـ وفي مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله
قال سألت ابي عن القراءة بالألحان
فقال محدث إلا أن يكون طباع ذلك يعني الرجل طبعه كما كان ابو موسى الاشعري
قال الخلال :
أخبرني محمد بن جعفر ، أن أبا الحارث ، حدثهم أن أبا عبد الله قيل له : القراءة بالألحان والترنم عليه ؟ قال : « بدعة ، قيل له : إنهم يجتمعون عليه ويسمعونه ، قال : الله المستعان »
وقال الخلال :
وأخبرني محمد بن أبي هارون ، أن إسحاق ، حدثهم قال : قال لي أبو عبد الله يوما وكنت سألته عنه : هل تدري ما معنى : « من لم يتغن بالقرآن فليس منا » ؟ قال : يرفع صوته ، فهذا معناه : إذا رفع صوته فقد تغنى به . سألت أحمد بن يحيى النحوي ثعلب عن قوله : ليس منا من لم يتغن بالقرآن ؟ فقال ذهب بعضهم : إلى أنه الغناء ، يترنم به . وبعضهم يذهب إلى الاستغناء ، وهو الذي عليه العمل . . «
وذكر عن أنس ، وعن التابعين ، فيه كراهية ،
قلت : أليس يروى عن معاوية بن قرة ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع عام الفتح ، وقال : « لو شئت أن أحكي لكم اللحن » . فأنكر أبو عبد الله أن يكون هذا على معنى الألحان ، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : « ما أذن لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن » . وقال : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » . وقال : كان ابن عيينة يقول : فيستغني بالقرآن ، يعني : الصوت ، وقال وكيع : يستغني به ، قال : وقال الشافعي : يرفع صوته ، وأنكر أبو عبد الله الأحاديث التي يحتج بها في الرخصة في الألحان " ا.هـ

وعند ابن قدامة عن أحمد :
" وفي رواية عبدوس : في دعاء القنوت في الصلاة عند من قال به جاء فيها : إن زاد حرفا على الوارد فاقطع صلاتك "ا.هـ
وانظر ما قاله أحمد في حشر نوع القصائد التي هي من شأن أهل الغفلة والطرب في الذكر والوعظ
قال الخلال في الأمر بالمعروف :
" أخبرني محمد بن موسى ، قال : سمعت عبدان الحذاء ، قال : سمعت عبد الرحمن المتطبب ، قال : سألت أحمد بن حنبل ، قلت : ما تقول في أهل القصائد قال : « بدعة لا يجالسون »
أخبرني محمد بن أبي هارون ، ومحمد بن جعفر ، أن أبا الحارث ، حدثهم قال : سألت أبا عبد الله : ما ترى في التغبير أنه يرقق القلب ؟ فقال : « بدعة »
أنا الحسين بن صالح العطار ، حدثنا هارون بن يعقوب الهاشمي ، قال : سمعت أبي أنه ، سأل أبا عبد الله عن التغبير ، فقال : « هو بدعة ومحدث »
والتغبير هو ذكر الله عن طريق الغناء والتطريب
وهناك آثار كثيرة عن السلف في هذا
فهذا هو أحمد بن حنبل الذي أشاد به الأستاذ إشادة كبيرة وهو لها أهل رحمه الله حتى قال الأستاذ بالحرف الواحد :
( أحمد يقول قل حاضر )
وذلك خلال رده على من يقول إن قول أحمد لا يقبل إلا بدليل
والأستاذ لم يكن واقعيا في هذا الكلام ولو كان واقعيا أولاً لما بتر أقواله في القراءة على القبر ولا ترك أصح الروايات عنه في مسألة القراءة ومسألة المسح على الوجه الذي اتفق كل الحنابلة بأن أحمد لم يفعله بينما اختلف هل رخص فيه أم لا
لماذا لو كنت واقعيا لم تقل حاضر يا أحمد في كل الأمثلة التي نقلناها وأخفيتها على القراء
كإنكاره الاجتماع مداومة على الدعاء والذكر
وإنكار الآذان الملحن بالألحان
وكالإنكار على من يزيد في دعاء القنوت على المأثور لدرجة أمره بقطع الصلاة
وكإنكاره القصائد الرقائقية الملحنة ( بالمقامات ونحوها )
لماذا لم تقل عن كل أقوال أحمد هذه حاضر لو كنت واقعيا في قولك سابقا ( أحمد يقول ، قل حاضر )
أحمد كان ينكر بشدة الموسيقى ويأمر بكسر آلاتها لم تختلف الروايات عنه في هذا فذكر بالصريح العود والطبل والطنبور و كان يأمر بكسرها حتى لو كانت مع الصبيان
بل كان يفتي بضرب من يفعل ذلك انظر الرسائل والمسائل المروية عن أحمد ولم تختلف المذاهب الأربعة في حرمة الموسيقى
فلماذا لم تقل لأحمد حاضر وأنت تصك آذان مشاهديك في مقدمة البرنامج وخاتمته وفي الفواصل المتعددة ؟
وهذه مسائل لم تختلف فيها الروايات عن أحمد
هل يكون واقعيا من يقول حاضر فيما هو مختلف فيه عن أحمد ثم يولي ظهره لما هو متفق عليه عن أحمد وكان أحمد يشدد فيه أكثر ؟
لم تختلف الروايات عن أحمد بأن الله يوصف بأنه يتكلم بصوت وأنه كلم موسى حين كلمه بصوت
فهل يقول الأستاذ حاضر ؟
بينما مذهب شيخه الذي أشاد به أن هذا تشبيه
هل يقول لأحمد حاضر في وصف الله بأنه فوق سماواته مستو على عرشه ؟
هو يعرف متى يقول حاضر

أما أبو شامة فهو من أوضح الأمثلة على إخلال الأستاذ بالأمانة .
وكل ما سيأتي من كلام أبي شامة فهو مما كتمه الأستاذ عن مشاهديه وحجبه عنهم ولم يكتف بهذا حتى نسب لأبي شامة خلاف ما قرره أبو شامة في كتابه .
وسيأتي امتناع الأستاذ من نقل تفصيل أبي شامة للفرق بين البدعة اللغوية والشرعية باعتبار الأستاذ جعل من مَحاوِره الأصلية في الحلقة دمج البدعة لغة في البدعة شرعا تحت مسمى البدعة الشرعية وسيأتي إيضاحه .
وبدأ الأستاذ النقل عنه بحذف كلمات لم أفهم مراد الأستاذ من حذفها وسأحسن الظن به حقيقة وأنه غفل عنها
قال أبو شامة :
" والبدعة الحدث في الدين بعد الإكمال
قلت وهو ما لم يكن في عصر النبي مما فعله أو أقر عليه أو علم مع قواعد شريعته الإذن فيه وعدم النكير عليه نحو ما سنشرحه في الفصل الآتي " ا.هـ
فنقله الأستاذ ولم ينقل قوله : " في الدين بعد الإكمال " وقد أحسنت الظن بالأستاذ
لكن الذي أُنكره عليه هو تجنب الأمثلة التي ساقها أبو شامة يبين بها البدعة والتي أشار إليها أبو شامة في تعريفه مبينا أهميتها في توضيح التعريف بقوله : " نحو ما سنشرحه في الفصل الآتي " فأهملها الأستاذ حتى لا يدرك المشاهد مراد أبي شامة الذي هو ضد ما ألصقه به الأستاذ ، وها أنا أنقلها لأبين حقيقة ما قام به الأستاذ في حق مشاهديه
ـ قال أبو شامة
" فالبدع الحسنة متفق على جواز فعلها والاستحباب لها ورجاء الثواب لمن حسنت نيته فيها وهي كل مبتدَع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها ولا يلزم من فعله محذور شرعي وذلك نحو بناء المنابر والربط والمدارس وخانات السبيل وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعد في الصدر الأول فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى " ا.هـ
وهذه أمثلة البدعة اللغوية المتفق عليها كما ذكر أبو شامة ، فلولا هذه الأمثلة لظن القارئ أن البدع الحسنة عنده هي جانب من معنى البدعة الشرعية ولظن الحسنة عنده هي الذكر الجماعي الموحد أوتخصيص رجب بالصيام الذي أنكره بنفسه كما سيأتي ، وهذا التمثيل من أبي شامة يكشف لك مقصد الأستاذ من حذف الأمثلة .
أما أمثلة البدعة شرعا فستأتي ضمن كلامه الآتي :
قال أبو شامة عند كلامه عن القسم الثاني من البدعة بالمعنى الشرعي
وتكلم بكلام طويل إلى أن قال :
" ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان ، ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضله الشرع وخصه بنوع من العبادة ، فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها كصوم يوم عرفة وعاشوراء ... ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلا فيه جميع أعمال البر كعشر ذي الحجة وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ، فمثل ذلك يكون أي عمل من اعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر
فالحاصل أن الملكف ليس له منصب التخصيص بل ذلك الى الشارع وهذه كانت صفة عبادة رسول الله
قال الحافظ البيهقي في السنن الكبير :
باب من كره ان يتخذ الرجل صوم شهر يكمله من بين الشهور أو صوم يوم من الأيام
وساق فيه من الصحيحين حديث أبي سلمة عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وحديث علقمة قال قلت لعائشة رضى الله عنها هل كان رسول الله صلع يخص من الأيام شيئا قالت لا كان عمله ديمة
قال الأمام الشافعي : وأكره ان يتخذ الرجل صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان وكذلك يوم من بين الأيام قال وإنما كرهته ليتأسى رجل جاهل فيظن ان ذلك واجب أو فعل حسن
وذكر الشيخ أبو الخطاب في كتاب أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب عن المؤتمن بن أحمد الساجي الحافظ قال :
كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان لا يصوم رجب وينهي عن ذلك ويقول :
ما صح في فضل رجب ولا في صيامة عن رسول الله شيء وقد رويت كراهة صومه عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر رضى الله عنهما وكان عمر يضرب بالدرة صوامه
قال : وسئل سفيان الثوري رحمه الله تعالى عمن يقرأ قل هو الله أحد لا يقرأ غيرها يكررها فكرهه وقال إنما أنزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء وإنما انتم متبعون ولم يبلغنا عنهم مثل هذا
قال محمد بن مسلمة :
ولا يؤتى شيء من المساجد يعتتقد فيه الفضل بعد المساجد الثلاثة إلا مسجد قباء قال وكره أن يعد له يوما بعينه فيؤتى فيه خوفا من البدعة وأن يطول بالناس زمان فيجعل ذلك عيدا يعتمد أو فريضه تؤخذ ولا بأس أن يؤتى كل حين ما لم تجيء فيه بدعة " ا.هـ
وقال أبوشامة ولا زال الكلام من كتابه :
" وقرأت في كتاب شرح الجامع للزعفراني الحنفي فصلا حسنا أعجبني إثباته ههنا قال وكان يكره ان يتخذ شيئا من القرآن حتما يوقت لشيء من الصلاة وكره أن تتخذ السجدة وهل أتى على الإنسان لصلاة الفجر يقرآن كل جمعة "
ثم قال أبو شامة :
" وإنما كره الملازمة في قراءة السورة ، فأما أحيانا فمستحب لأن الحديث قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأهما في صلاة الفجر ولكن فعل ذلك لا يدل على اللزوم ا.هـ

هذا الكلام الواضح الصريح من أبي شامة أخفاه الأستاذ عن المشاهدين وقرر خلافه ونسبه لأبي شامة
فهل من منكر ؟ هل من مدافع عن العلم وهو ينتهك ؟

والإمام أبو شامة - رحمه الله - أنكر في كتابه هذا "الباعث على إنكار البدع والحوادث" كثيراً من بدع الجنائز مثل قول القائل أثناء حمل الجنازة: استغفروا له غفر الله لكم، كما أنكر أن يكون للجمعة سنة قبلية وأنكر كذلك صلاة الرغائب وأنكر كذلك صلاة ليلة النصف من شعبان .
وهذا هو مذهب أبي شامة من خلال كلامه نفسه .
بالله عليكم ألم يقرر الأستاذ طول حلقته خلاف هذه التطبيقات وخلاف هذه الأحكام على أمثال هذه الأمثلة ؟
ألم ينسب لأبي شامة وغيره أنهم لا يحكمون بالبدعة على ما جاءت به النصوص العامة ولم يخالف أصول الشرع ؟
أين هذا الادعاء من كلام أبي شامة نفسه ؟
أليس هذا مخالفة للحقائق ؟
فلماذا نقل الأستاذ بعض كلام أبي شامة المجمل وترك باقي كلامه الموضح بالأمثلة الصريحة الذي هو ضد كلام الأستاذ تماما والذي نص أبو شامة نفسه أنه ألف كتابه من أجله ؟ لماذا ؟
أنا أريد القارئ الكريم أن يحكم على الأستاذ في صنيعه هذا .
كيف يكون أمينا من يفعل هذا ؟
هل هذه أمانة أن تنقل تعريفا وتبتر الأمثلة المذكورة عقبه ثم تمثل من عندك بأمثلة تناقض أمثلة صاحب التعريف ثم تختم هذه الأفاعيل بأن تنسب ما ذكرته لصاحب التعريف في صورة عزو مجملة على أن هذه الأمثلة والتطبيقات هي مراده من التعريف وهي حقيقة مذهبه في هذه القضية ؟
والأنكى أن تستخف بتطبيقاته هو مستدلا به في ذلك !!
وإضافة إلى شرحه لكلام أبي شامة بما يخالف مذهبه ونسبة هذه المخالفة لأبي شامة ، وإضافة إلى تقرير أحكام تطبيقية خاطئة وإلصاقها بمذهب أبي شامة في البدعة
فإن الأستاذ استنكر كلاما واستدل على إنكاره بتعريف أبي شامة بينما عَيْن هذا الكلام قاله أبو شامة وأقر به !!
فقد استنكر الأستاذ على مخالفه حكمه بالبدعة على تخصيص العبادات بوقت أو كيفية دون دليل وجعله مخالفا لأقوال العلماء
فمثّل لقول مخالفه بـ( الدعاء المعين في وقت معين ) كذا مثّل الأستاذ واستنكر تبديع مخالفه لهذا وذلك قبل شروعه في التعريفات
ثم استدل بتعريف أبي شامة ضمن بقية التعريفات على بطلان تبديع مخالفه الدعاء المعين في وقت معين وأشباهه من الأمثلة ، ثم عاد ونقل نفس الصورة مستنكرا تبديعها وقال في بيانها :
( واحد يشوف واحد يخصص دعاء معين في وقت معين أو رقما معينا في ذكر معين يقولك ما تخصصش في وقت معين أو ما تعملهاش بكيفية لم ترد )
ثم كر عليها بالرد في كلام طويل ولم يخل من استخفاف به
وبالله عليك انظر ماذا قال أبو شامة :
" ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضله الشرع وخصه بنوع من العبادة فان كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها كصوم يوم عرفة وعاشوراء ..
فالحاصل أن الملكف ليس له منصب التخصيص بل ذلك الى الشارع وهذه كانت صفة عبادة رسول الله قال الحافظ البيهقي في السنن الكبير باب من كره ان يتخذ الرجل صوم شهر يكمله من بين الشهور أو صوم يوم من الأيام ..." ا.هـ
ثم مثّل أبو شامة للتخصيص البدعي بصوم رجب وتخصيص يوم معين بالصيام واستدل بالشافعي وسبق قبل قليل ومثّل بتخصيص قراءة سورة الإخلاص وتكرارها وبتخصيص مسجد معين وتفضيله للعبادة وسبق كلامه كاملا قبل قليل
ماذا نسمي هذا الصنيع منك يا أستاذ ؟
لماذا تصر على إبطال كلام يقول به أبو شامة وتنسب له أنه ممن يبطله بينما هو يقول به ؟!!
هذا والله هو العجب
إنه والله استخفاف صارخ بالعلم .

أما العز بن عبد السلام فأيضا حذف الأستاذ من تعريفه كل الأمثلة المصاحبة والتي توضح مراده من التعريف بما يدل على أن العز أدمج البدعة لغة في تعريفه وهذا مناف لما قرره عنه الأستاذ عندما ذكر تعريف العز على أنه للبدعة الشرعية وهو خطأ على العز
فقد ذكر العز في البدعة الواجبة علم النحو وحفظ معاني القرآن الغريبة لغة
وذكر في البدعة المندوبة بناء المدارس وصلاة التراويح
وذكر في البدع المباحة التوسع في المآكل والمشارب والملابس والمساكن
وكل هذه الأمثلة دالة على شمول تعريفه للبدعة اللغوية خلافا لصنيع الأستاذ الذي جعله خاصا بالبدعة الشرعية
ولم يخطئ العز في التمثيل إلا عندما جعل المصافحة بعد الصبح والعصر من البدع المباحة مع أنه قرر بأنها من البدع المذمومة في فتاواه كما نقلت آنفا عندما جعلها بدعة مخالفة للسنة وحث على تركها


وإليك أقواله وتطبيقاته التي ولى لها الأستاذ ظهره مع إشادته العظيمة بشخص العز ، ومن بينها مسألة مسح الوجه بعد الدعاء والمصافحة بعد الصلوات والدعاء بعدها من الإمام والتي كاد الأستاذ أن يكفر مخالفيه بها فكذب وشتم كعادته في الحلقة

يقول العز في كتاب "الفتاوى" له (ص392):
" ولا يستحب رفع اليد في القنوت كما لا ترفع في دعاء الفاتحة، ولا في الدعاء بين السجدتين، ولم يصح في ذلك حديث، وكذلك لا ترفع اليدان في دعاء التشهد ؛ ولا يستحب رفع اليدين في الدعاء إلا في المواطن التي رفع فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يديه، ولا يمسح وجهه بيديه عقيب الدعاء إلا جاهل ، ولم تصح الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -في القنوت، ولا ينبغي أن يزاد على صلاة رسول الله في القنوت بشيء ولا ينقص " اهـ.

وسبق نقل كلامه عن المصافحة والدعاء أدبار الصلوات

قارن هذه التطبيقات بما يلصقه الأستاذ للعز من تسويغ للعمل بالنصوص العامة مطلقا ما لم تخالف أصول الشرع .
فالعز وإن كان قد أخطأ في هذا الباب كما نبه العلماء على هذا لكنه لا يقول بهذا الاطلاق الذي يلصقه الأستاذ به ظلما ، وكلامه هذا وما سيأتي ناطق بنفسه على هذا
وفي "فتاواه" أعني العز بن عبد السلام (ص289) قال :
" ومن فعل طاعة لله تعالى ، ثم أهدى ثوابها إلى حي؛ أو ميت لم ينتقل ثوابها إليه إذ ((وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)) [النجم: 39] فإن شرع في الطاعة ناوياً أن يقع عن ميت لم يقع عنه إلا فيما استثناه الشرع كالصدقة: والصوم، والحج " انتهى
وقال العز ابن عبد السلام في الفتاوى الموصلية :
" ذِكر الصحابة والخلفاء والسلاطين بدعة غير محبوبة "
يعني في الخطب على المنابر مداومة
وفي كتاب أسنى المطالب للشافعية :
" قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ التَّرَضِّي عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْهُودِ فِي زَمَانِنَا بِدْعَةٌ غَيْرُ مَحْبُوبَةٍ "
وفي أسنى المطالب :
" قَالَ [ العز ] ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْقِيَامُ لِلْمُصْحَفِ بِدْعَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ "
وتأمل قوله : " بِدْعَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ "
فهذا المعنى قد أنكره الأستاذ بشدة وسفه القائل به مرارا في تلك الحلقة والله المستعان
وفيه أيضا :
( وَيُكْرَهُ الْقِيَامُ بِالْأَنْعَامِ فِي رَكْعَةٍ مِنْهَا ) لِاعْتِقَادِ أَنَّهَا نَزَلَتْ جُمْلَةً وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ إنَّهُ بِدْعَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَفَاسِدَ وَصَوَّرَهَا فِي التِّبْيَانِ "
وفي حاشية البجيرمي وهو من كتب الشافعية قال عن تلقين الميت في قبره :
" وَفِي كَلَامِ الْحَافِظِ السُّيُوطِيّ :
لَمْ يَثْبُتْ فِي التَّلْقِينِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَا حَسَنٌ بَلْ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَلِهَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ إلَى أَنَّ التَّلْقِينَ بِدْعَةٌ وَآخِرُ مَنْ أَفْتَى بِذَلِكَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ " ا.هـ
أيضا تأمل قوله : " ولهذا ذهب جمهور ..." لأجل عدم ثبوت حديث وهذا المعنى هو ما أنكره الأستاذ مرارا
وقال العز أيضا :
" وَقَدْ يُخْتَلَفُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ ، فَيَجْعَلُهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ ، وَيَجْعَلُهُ آخَرُونَ مِنْ السُّنَنِ الْمَفْعُولَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا بَعْدَهُ ، وَذَلِكَ كَالِاسْتِعَاذَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْبَسْمَلَةِ " ا.هـ
يعني حال الجهر بها
وحكمه على هذا المثال بالخلافي يبين لك البون الشاسع بينه وبين ما ينادي به الأستاذ من إغلاق باب الحكم بالبدعة على ما أصله من العبادات ويصف الاشتغال به بالصخرة التي ينبغي أن تزال

وتأمل المسائل التي ذكرها العز والتي يروج لها الأستاذ وينكر على من يرى ببدعيتها كما صريح قاعدته وصريح ما نادى به من تطبيق مماثل ثم يستدل بالعز في إنكارها
وهذا غاية في انعدام الأمانة

أما الإمام الشافعي فانظر إلى تطبيقاته التي تبين بُعد المفهوم الذي ألصقه الأستاذ به
قال أبوشامة في كتابه الحوادث :
" قال الإمام الشافعي :
وأكره أن يتخذ الرجل صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان وكذلك يوم من بين الأيام قال وإنما كرهته ليتأسى رجل جاهل فيظن أن ذلك واجب أو فعل حسن " ا.هـ
فانظر إلى منع الشافعي من التخصيص لتعلم أن الأستاذ كان يهرول في ناحية بينما الشافعي في ناحية أخرى
قَالَ الشَّافِعِيُّ في الأم :
" وَأُحِبُّ أَنْ يُخْلِصَ الْإِمَامُ ابْتِدَاءَ الْخُطْبَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعِظَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ , ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ مَا الَّذِي أَرَى النَّاسَ يَدْعُونَ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمئِذٍ أَبَلَغَك عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَمَّنْ بَعْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ؟ قَالَ لَا إنَّمَا أُحْدِثَ إنَّمَا كَانَتْ الْخُطْبَةُ تَذْكِيرًا ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : فَإِنْ دَعَا لِأَحَدٍ بِعَيْنِهِ , أَوْ عَلَى أَحَدٍ كَرِهْته وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ " انتهى من الأم

فتأمل حكمه على تخصيص الخطبة بدعاء معين بأنه محدث وكراهته له كراهة تحريم كما هو أصل الكراهة عند الشافعي وهو معروف ، وبدليل أنه نص على أنها لا تصل حد إبطال الصلاة وهو حجم للكراهة يتنافى مع التنزيه ، ويكفي تعليله كراهتها لأنها محدثة فماذا يريد الأستاذ أيضا

وقال الإمام الشافعي رحمه الله في كلمته المشهورة التي نقلها عنه أئمة مذهبه وعلماؤه كالغزالي في "المنخول" والمحلي في "جمع الجوامع-2/395 بحاشيته": "من استحسن فقد شرع "

ويقول كمال الدين بن حمزة الحسني الشافعي كما في مواهب الجليل
" وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ وَشَيْخِهِ مَالِكٍ وَالْأَكْثَرِينَ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَا يَصِلُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ قَالَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ : فَإِهْدَاءُ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ الْوُصُولَ عَبَثٌ مَكْرُوهٌ "
فهل هذه الأقوال تصدر ممن يرى أن العمل يثبت بمجرد النص العام وأنه متى لم يصادم أصول الشرع فلا بأس به كما ينسب له الأستاذ ؟
إذا لماذا أنكر الشافعي هذه الأعمال في هذه الأمثلة ؟
ولماذا لم ينقل عنه الأستاذ ولو تطبيقا واحدا ؟ لا فيما طرحه من أمثلة ولا في غيرها ؟
فهل هذه هي الأمانة العلمية ؟ أن تنسب للإمام ما لم يقل وتتجنب ما قال ؟

وأما السيوطي- رحمه الله – فهو نموذج مكشوف لإخلال الأستاذ بالأمانة
وأتركك مع هذه الباقة من أقواله التي أقسم بالله الجليل أنها تصادم ما قرره الأستاذ مصادمة واضحة وأن الأستاذ قد ألصق بالسيوطي ما يخالفها والله المستعان

قال السيوطي رحمه الله :
" وكل اجتماع يتكرر بتكرر الأسابيع والشهور والأعوام غير الاجتماعات المشروعة هو المبتدع ، ففرق بين ما يفعل من غير ميعاد وبين ما يتخذ سنة وعادة؛ فإن ذلك يضاهي المشروع وقد كره ابن مسعود وغيره من الصحابة اعتياد الاجتماع في مكان مخصوص، وهو المنصوص عن أحمد أنه، قيل له:
تكره أن يجتمع القوم يدعون الله تعالى ويرفعون أيديهم؟ فقال: ما أكره للإخوان إذا لم يجتمعوا على عهد إلا أن يكثروا.
وأصل هذا أن العبادات المشروعة التي تتكرر بتكرر الأوقات حتى تصير سنناً ومواسم، قد شرع الله منها ما فيه كفاية المتعبد، فإذا أُحدث اجتماع زائد كان مضاهاة لما شرعه الله تعالى وسنة رسوله " ا.هـ
تأمل بالله هذا الكلام لتعلم أي جناية جناها ذلك الأستاذ على السيوطي وغير السيوطي
بماذا سيحكم القارئ عندما يجد الأستاذ ينسب للسيوطي كلاما آخر ومذهبا آخر غير مذهبه لمجرد أنه وافقه في مسألة ؟
وقال السيوطي أيضا :
" ومن البدع ما يفعل في الجنائز من ترك ..الإنصات فيها، وقراءة القرآن معها بالألحان "
وقال السيوطي :
" ومن ذلك[ من البدع ] التلحين في القراءة والآذان. وقد روي أن رجلاً من المؤذنين قال لابن عمر: " إني أحبك في الله، فقال له: لكني أبغضك في الله، قال: لم؟ قال: لأنك تتغنى في الآذان وتأخذ عليه " ا.هـ .
بالله هل هذا كلام من يكتفي بالنصوص العامة ولا يرى بدعة إلا ما خالف أصول الشريعة ؟ اتقوا الله ياقوم

وانظر هنا إلى كلام السيوطي عن أحد المسائل التي شغب فيها الأستاذ على مخالفه وهي التعريف يوم عرفة في غير مكان عرفة
قال السيوطي رحمه الله :
" ومن ذلك التعريف المحدث :
قال ابن وهب: سمعت مالكاً يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر واجتماعهم للدعاء، فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع.
وقال مالك في العتبية: وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس فلينصرف في مقامه، ومقامه في منزله أحب إليه، فإذا حضرت الصلاة رجع فصلى في المسجد
وروى محمد بن وضاح: أن الناس اجتمعوا بعد العصر من يوم عرفة في مسجد النبي ( يدعون، فخرج نافع مولى ابن عمر فقال: يا أيها الناس، إن الذي أنتم فيه بدعة، وليست بسنة، أدركت الناس ولا يصنعون هذا.
وقال إبراهيم النخعي: الاجتماع يوم عرفة أمر محدث.
... " ا.هـ
وهذه هي نفس المسألة التي شنع فيها الأستاذ على مخالفيه
وقال السيوطي أيضا :
" ومن البدع قراءة سورة الأنعام في ركعة صلاة التراويح، ويروون في ذلك حديثاً لا أصل له عن ابن عباس عن أبي بن كعب رضي الله عنهما عن النبي (، قال: " أنزلت سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك بالتسبيح والتحميد " . وهذا الحديث إسناده ضعيف مظلم، فاغتر بذلك من سمعه من عوام المصلين. ثم لو صح هذا الحديث لم يكن فيه دلالة على استحباب قراءتها في ركعة.
فقراءتها في ركعة واحدة بدعة من وجوه.
أحدها: تخصيص ذلك بسورة الأنعام دون غيرها، فيوهم أن ذلك سنة فيها دون غيرها، والأمر بخلاف ذلك.
والثاني: تخصيص ذلك بصلاة التراويح دون غيرها.
والثالث: ما فيه من التطويل على المؤمنين، لا سيما على من يجهل ذلك من عادتهم، فيقلق ويضجر ويسخط ويكره العبادة.
والرابع: ما فيه من مخالفة السنة من تقليل القراءة في الركعة الثانية عن الأولى. وقد عكس صاحب هذه البدعة قضية ذلك، وخالف الشريعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وابتدع بعضهم بدعة أخرى وهي: جمع آيات سجدات القرآن عقيب ختم القرآن في صلاة التراوح في الركعة الأخيرة فيسجد بالمأمومين جميعاًا.هـ
بالله عليك قارن بين هذا الكلام من السيوطي نفسه وبين ما ألصقه به الأستاذ من كلام منافي للعلم فنحن أمام خروقات علمية جسيمة تحتاج إلى محكمة شرعية
وقال السيوطي :
" ومن البدع في الخطبة أشياء، فمن ذلك دق الخطيب المنبر عند صعوده ثلاث مرات بأسفل سيفه دقاً مزعجاً.
ومنها: تباطؤه في الصعود واشتغاله بالدعاء قبل الإقبال على الناس، والسلام عليهم، ورفع يديه عند الدعاء، فبدعة قديمة.
ومنها الالتفات يميناً وشمالاً عند قوله آمركم وأنهاكم، وعند الصلاة على النبي (، ولا أصل لشيء من ذلك، بل السنة الإقبال على الناس من أول الخطبة إلى آخرها، قال الشافعي رضي الله عنه: ويقبل الخطيب بوجهه على الناس، ولا يلتفت يميناً وشمالاً " ا.هـ
وقال السيوطي :
" ومن البدع ... اجتماع الرجال على القبر اليوم الثاني والثالث. ومن ذلك السجع في الدعاء"
وقال أيضا :
" ومن ذلك زخرفة المساجد، وتحلية المصاحف، وكثرة المساجد في المحلة الواحدة "
وقال السيوطي عن الصلاة على رسول الله عقب العطاس زيادةً على الحمد الذي في الذكر الوارد :
" فالعدول إلى غيره أو الزيادة فيه عدول عن المشروع وزيادة عليه وذلك بدعة ومذموم " ا.هـ
وقد أنكر في كتابه "الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع" الصلاة في المساجد المبنية على القبور!وكذلك إيقاد السرج على القبور والمزارات وأنكر صلاة الرغائب وأنكر الاجتماع للعزاء وأنكر التلفظ بالنية قبل الصلاة
وقال أيضا :
(وأما السؤال الرابع والثلاثون): فجوابه أن أحداث الألحان في الذكر بدعة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر و لا عمر ولا عثمان ولا علي ولا فعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا السلف الصالحين فإن انضم إلى ذلك تمطيط الأحرف والإشباع في غير موضعه والاختلاس في غير موضعه والترقيص والتطريب وتعويج الحنك والرأس فهذا مغن لا ذاكر وأخشى عليه أن يجاب من قبل الله باللعنة " ا.هـ

فتأمل فإنه بدّع الذكر بهذه الصفة بمجرد إحداث الألحان ، ويخشى اللعنة على صاحبها إذا انضاف إلى ذلك تمطيط وتطريب ...الخ
وكلامه في كتابه كثير أكتفي بما ذكرته هنا

والسيوطي وإن قسم البدعة إلى مستحسنة ومستقبحة وقال بجواز المولد وكلاهما خطأ لكنه موافق للسلف في القاعدة وفي ضابط البدعة في الجملة ، وكل هذه التطبيقات الصحيحة التي نقلناها عنه من كتابه شاهدة بهذا فهو أقرب إلى مذهبنا في البدعة من مذهب الأستاذ بل لا يوجد قرب بين مفهوم البدعة عند الأستاذ وعند السيوطي ، لكن الأستاذ لا يريد أن يخوض الموضوع بأمانة فألصق بالسيوطي ما هو منه براء وإلى الله الالتجاء

أما الحافظ ابن رجب رحمه الله فأكتفي في بيان وكشف ما ألصقه به الأستاذ بجملة واحدة ، قال في "فضل علم السلف" (ص31):
"... فأما ما اتفق السلف على تركه؛ فلا يجوز العمل به؛ لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به".
وسيأتي عنه تقرير أن كل بدعة ضلالة وأن البدعة شرعا لا يوجد فيها مستحسن

وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فاحتجاج الأستاذ به على ما طرحه من مفاهيم باطلة وإلصاقها به فهو من أظهر ما قام به الأستاذ من مجانبة لأمانة العلم وخروج عن أدب الدعوة إلى الله ، يشهد بفحش صنيعه والله وبالله وتالله كل من له صلة ولو ضعيفة بالعلم ولو من طائفته التي ينصرها .
أنا لا أتكلم عن مجرد ذكره له في مسألة السبحة أو مسألة إهداء القرآن للميت ، فهو لم يقتصر على هذا وإنما أتكلم عن حرصه على إيهام السامع بأن شيخ الاسلام معه في تعريفه للبدعة عندما نقل تعريفا لابن تيمية وشرحه بما يوافق مذهبه ، وحرص على بيان أنه معه في مفهوم البدعة الذي قرره الأستاذ ، وأنه في مسألة السبحة وإهداء القرآن قد برهن على موافقته له في أصل الموضوع بناء على أنه نموذج لغيرها ، وكلامه واضح جدا .
ومن ذلك عندما كان يتكلم عن الموضوع ككل وعن المفهوم الذي طرحه ودافع عنه قال مخاطبا مخالفه :
( سيبك مني أنا ، رد على الشافعي رد على ابن تيمية ..)
ولم يكن يتكلم عن تطبيق معين أو مثال معين وإنما على مجموع ما طرحه
وأكده أيضا عندما قال في كلام عام عن الموضوع لا عن مسألة منه :
( أوعى أقول لك قال ابن تيمية أو الشافعي أو مالك بتقول أنا بس سمعت في الشريط الشيخ قال كده )
فالرجل ينادي بأن ما عرضه من معنى للبدعة موافق لابن تيمية
وحرص على أن يبين للمشاهد أن شيخ الإسلام ضد مخالفيه في هذا الباب
وهذا والله عمل منافي للأمانة ويعلمه الأستاذ يقينا لكنها سياسة أهل الباطل المنافية لتعاليم الإسلام ويظنونها شطارة وذكاء وكياسة
وفاتهم أن هذه هي الغفلة الحقيقية والله ، وصدق الصديق أبوبكر رضي الله عنه عندما قال :
" إن أكيس الكيس التقى وإن أحمق الحمق الفجور "
لكن ( من يهن الله فما له من مكرم ) ( ومن يضلل الله فماله من هاد )
( وما الله بغافل عما تعملون )
وإليك طرفا من كلام شيخ الإسلام الذي أغمض عنه الأستاذ عينيه
وسيأتي له مزيد أمثلة عند ذكر التطبيقات ، وأيضا سيأتي إبطال شيخ الإسلام لتقسيم البدعة إلى مستحسنة ومستقبحة بل وتشديده على من يقسمها .
وسأبدأ ببعض المسائل التي طرحها الأستاذ كأمثلة عنده لما ليس بدعة وسفه فيها الأستاذ من يقول بالبدعية

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - أَغْدَقَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ عَلَى رُوحِهِ الزَّكِيَّةِ - عَنْ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ هَلْ هِيَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ أَمْ لَا ؟
أَجَابَ رَحمه الله بِقَوْلِهِ :
"أَمَّا الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصَّلَاةِ فَبِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ " انْتَهَى

وَسُئِلَ عَنْ الْمُصَافَحَةِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ : هَلْ هِيَ سُنَّةٌ أَمْ لَا ؟ .
الْجَوَابُ
فَأَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ . الْمُصَافَحَةُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ مَسْنُونَةً بَلْ هِيَ بِدْعَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ " ا.هـ

وقال في الفتاوى عن الدعاء بعد كل صلاة :
" وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فهو بدعة لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه و سلم بل إنما كان دعاؤه في صلب الصلاة فإن المصلي يناجي ربه فإذا دعا حال مناجاته له كان مناسبا وأما الدعاء بعد انصرافه من مناجاته وخطابه فغير مناسب وإنما المسنون عقب الصلاة هو الذكر المأثور " ا.هـ

وقال عن المولد كما في الفتاوى :
" وهكذا القول فى ليلة المولد وغيرها والبدع المكروهة ما لم تكن مستحبة فى الشريعة وهى أن يشرع ما لم يأذن به الله فمن جعل شيئا دينا وقربة بلا شرع من الله فهو مبتدع ضال وهو الذى عناه النبى بقوله كل بدعة ضلالة فالبدعة ضد الشرعة والشرعة ما أمر الله به ورسوله أمر ايجاب أو أمر استحباب "

وقال عن مسألة : فيمن يعمل كل سنة ختمة في ليلة مولد النبي صلى الله عليه و سلم هل ذلك مستحب أم لا ؟
الجواب : الحمد لله جمع الناس للطعام في العيدين وأيام التشريق سنة وهو من شعائر الإسلام التي سنها رسول الله صلى الله عليه و سلم للمسلمين وإعانة الفقراء بالإطعام في شهر رمضان هو من سنن الإسلام فقد قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ من فطر صائما فله مثل أجره وإعطاء فقراء القراء ما يستيعنون به على القرآن عمل صالح في كل وقت ومن أعانهم على ذلك كان شريكهم في الأجر ]
وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال أنها ليلة المولد أو بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة أو أول جمعة من رجب أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال ( عيد الأبرار ) فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها والله سبحانه وتعالى أعلم

وقال عن مسح الوجه
" وأما رفع النبي صلى الله عليه و سلم يديه في الدعاء : فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة والله أعلم "

وكل هذه الأمثلة السابقة تخص الأمثلة التي نقلها الأستاذ لكنه لم يلتفت إليها مجانبة للأمانة واستغفالا للمشاهدين هداه الله

وقال شيخ الإسلام عن دعاء الخطيب بعد صعوده المنبر على نحو مخصوص :
" وأما دعاء الإمام بعد صعوده ورفع المؤذنين أصواتهم بالصلاة فهذا لم يذكره العلماء وإنما يفعله من يفعله بلا أصل شرعي
وأما رفع المؤذنين أصواتهم وقت الخطبة بالصلاة وغيرها فهذا مكروه باتفاق الأئمة "
وقال :
" الجهر بالنية في الصلاة من البدع السيئة ليس من البدع الحسنة وهذا متفق عليه بين المسلمين لم يقل أحد منهم أن الجهر بالنية مستحب ولا هو بدعة حسنة فمن قال ذلك فقد خالف سنة الرسول صلى الله عليه و سلم وإجماع الأئمة الأربعة وغيرهم وقائل هذا يستتاب فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه
وإنما تنازع الناس في نفس التلفظ بها سرا هل يستحب أم لا ؟ على قولين والصواب أنه لا يستحب التلفظ بها فإن النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه لم يكونوا يتلفظون بها لا سرا ولا جهرا والعبادات التي شرعها النبي صلى الله عليه و سلم لأمته ليس لأحد تغييرها ولا إحداث بدعة فيها
وليس لأحد أن يقول : إن مثل هذا من البدع الحسنة مثل ما أحدث بعض الناس الأذان في العيدين والذي أحدثه مروان بن الحكم فأنكر الصحابة والتابعون لهم بإحسان ذلك هذا وإن كان الأذان ذكر الله لأنه ليس من السنة وكذلك لما أحدث الناس اجتماعا راتبا غير الشرعي : مثل الاجتماع على صلاة معينة أول رجب أو أول ليلة جمعة فيه وليلة النصف من شعبان فأنكر ذلك علماء المسلمين ا.هـ

وقال في مسألة : في رجل مؤذن يقول عند دخول الخطيب إلى الجامع : إن الله وملائكته يصلون على النبي فقال رجل : هذا بدعة فما يجب عليه ؟
الجواب : جهر المؤذن بذلك كجهره بالصلاة والترضي عند رقي الخطيب المنبر أو جهره بالدعاء للخطيب والإمام ونحو ذلك : لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وخلفائه الراشدين ولا استحبه أحد من الأئمة
وأشد من ذلك الجهر بنحو ذلك في الخطبة وكل ذلك بدعة والله أعلم

قال شيخ الإسلام
مسألة : فيما يصنعه أئمة هذا الزمان من قراءة سورة الأنعام في رمضان في ركعة واحدة ليلة الجمعة هل هي بدعة أم لا ؟
الجواب : نعم بدعة فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا عن أحد من الصحابة والتابعين ولا غيرهم من الأئمة أنهم تحروا ذلك
وأيضا فلو كان الصحابة كلهم يقرأون الفاتحة خلفه إما في السكتة الأولى وإما في الثانية لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فكيف ولم ينقل هذا أحد عن أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية خلفه يقرأون الفاتحة مع أن ذلك لو كان مشروعا لكان الصحابة أحق الناس بعلمه وعمله فعلم أنه بدعة ا.هـ

وغير هذه الأقوال كثير من كلام شيخ الاسلام سيأتي ذكر جملة منها في تعريف البدعة وعند بيان أن البدعة ليس فيها حسن وفي تقرير البدعة الإضافية بل كل ما ذكره الأستاذ قد تكلم شيخ الإسلام بضده بصورة يقطع معها الناظر بأن الأستاذ كان تائها تماما عن مذهب شيخ الإسلام وسواء ذلك عن قصد لتتويه الغير أم لا فالله حسيبه لكن الذي يمكننا القطع به أنه تائه

ومن تصرفات الأستاذ الغير اللائقة نقله قول ابن تيمية الذي قال فيه :
" وما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين وما لم يعلم أنه خالفها فقد لا يسمى بدعة " ا.هـ
فعلق الأستاذ قائلا ها هو ابن تيمية قال لا يسمى بدعة ا.هـ
وهذا تصرف لا ينبغي فكل دارس ولو كان ضعيفا في العلم يعلم أن قوله " فقد لا يسمى بدعة " لا يساوي قوله "لا يسمى بدعة" وإنما معناه " وقد يسمى بدعة "
فلماذا فسرها الأستاذ بأنها لاتسمى بدعة مطلقا ؟!
هذا لا يليق بعلم الأستاذ ولا أمانته ، فمرادك الانتصار لمذهبك ينبغي ألا يؤثّر على ضوابط النقل والأمانة فيه

ولقد اعتمد الأستاذ على تلك الانتقائية المنافية للأمانة حتي في غير صلب الموضوع استكثارا للاستدلال بمن ليس بمعتبر
فقد احتج برجل وصفه بأنه ( أحد الصالحين ) وهو أبو الخطاب بن دحية من أوائل من ألّف في جواز المولد ومن أوائل من قال به
هذا الذي وصفه الأستاذ بالصلاح انظر ما حقيقة حاله

قال ابن كثير في البداية
" قال السبط: وقد كان [ يعني ابن دحية ] كابن عنين (كذا ) في ثلب المسلمين والوقيعة فيهم، ويتزيّد في كلامه فترك الناس الرواية عنه وكذبوه، وقد كان الكامل مقبلا عليه، فلما انكشف له حاله أخذ منه دار الحديث وأهانه، توفي في ربيع الاول بالقاهرة ودفن بقرافة مصر.
قال ابن كثير
قلت: وقد تكلم الناس فيه بأنواع من الكلام، ونسبه بعضهم إلى وضع حديث في قصر صلاة المغرب، وكنت أود أن أقف على إسناده لنعلم كيف رجاله، وقد أجمع العلماء كما ذكره ابن المنذر وغيره على أن المغرب لا يقصر، والله سبحانه وتعالى يتجاوز عنا وعنه بمنه وكرمه ا.هـ

وقال الزركلي في الأعلام
وكان كثير الوقيعة في العلماء والائمة فأعرض بعض معاصريه عن كلامه، وكذبوه في انتسابه إلى " دحية " وقالوا: إن دحية الكلبي لم يعقب ".
حتى أن له كتابا في أسماء الخمر كما ذكر الزركلي

وقال الإمام صلاح الدين الصفدي في كتابه الوافي وهو من أشهر كتب التواريخ :

" وكان [ يعني أبا الخطاب بن دحية ] يقول إنه حفظ صحيح مسلم. وكان ظاهريَّ المذهب، كثير الوقيعة في أئمَّة الجمهور وفي العلماء من السلف.
قال محبّ الدين بن النجَّار: وكان خبيث اللسان، أحمق، شديد الكِبَر، قليل النظر في الأمور الدينية، متهافتاً في دينه، وقال قبل ذلك: وذكر أنه سمع كتاب الصلة لتاريخ الأندلس من ابن بَشْكُوال، وأنه سمع من أهل الأندلس، غير أنِّي رأيت الناس مُجمعين على كذبه، وضعفه، وادّعائه لقاء من لم يلقه، وسماع ما لم يسمعه. وكانت أمارات ذلك لائحةً عليه، وكان القلبُ يأبى سماع كلامه، ويشهد ببطلان قوله. وكان يُحكى من أحواله، ويحرِّف في كلامه، وصادف قبولاً من السلطان الملك الكامل، وأقبل عليه إقبالاً عظيماً، وكان يُعظِّمه ويحترمه، ويعتقد فيه، ويتبرَّك به، وسمعتُ من يذكر أنه كان يُسَوِّي له المداس حين يقوم. وكان صديقنا إبراهيم السَّنْهوري المحدّث، صاحب الرحلة إلى البلاد، قد دخل إلى بلاد الأندلس، وذكر لعلمائها ومشايخها أن ابن دحية يدَّعي أنه قرأ على جماعة من شيوخ الأندلس القدماء، فأنكروا ذلك وأبطلوه، وقالوا: لم يلقَ هؤلاء ولا أدركهم، وإنَّما اشتغل بالطلب أخيراً، وليس نسبه بصحيح في ما يقوله، ودحية لم يُعْقِبْ. فكتب السَّنهوري مَحْضَراً، وأخذ خطوطهم فيه بذلك، وقدم به ديار مصر، فاشتكى إلى السلطان منه، فقال: هذا يأخذ من عرضي ويؤذيني؛ فأمر السلطان بالقبض عليه، وأُشهر على حمار، وأُخرج من ديار مصر، وأخذ ابن دحية المحضر وخرَّقهُ.
قال الشيخ شمس الدين: وبسببه بنى السلطان دار الحديث بالقاهرة، وجعله شيخها. وكان يُرمى بشيءٍ من المجازفة، وقيل عنه ذلك للكامل، فأمره بتعليق شيءٍ على الشهاب، فعلَّق كتاباً، تكلَّم فيه على الأحاديث والأسانيد، فلمَّا وقف عليه الكامل قال له بعد أيام: قد ضاع منِّي ذلك الكتاب، فعلِّق لي مثله؛ ففعل، فجاء في الثاني مناقضةُ الأول، فعلم الكامل صحَّة ما قيل عنه. ا.هـ

أهذا أحد الصالحين يا أستاذ ؟
وسواء قصر الأستاذ أو تعمد إخفاء حاله أيا كان فإنه يقدح في أمانته ، ومن يكون بهذه الدرجة من التقصير كيف يكون أمينا ؟
لو أنك أيها القارئ أودعت مالا ذا قيمة لدى رجل لا يكذب ولا يسرق ولا يُشك فيه من هذه الناحية ثم جاءك بعد فترة وقال لك ضاع مني المال ، وعندما سألتَه تبين أنه ترك المال في البيت ونسي أن يغلق الباب وذهب إلى نزهة لمدة أيام وفي طريقه إلى النزهة لحقه شك في إغلاق الباب لكنه لم يرجع كسلا
بماذا ستصفه ؟ أيكون مثله أمينا ؟
فكيف من يكون مهملا في العلم نحو هذا الاهمال ؟
ولماذا لا يهمل الأستاذ إلا عندما يكون الإهمال يخدم قوله ورأيه هل هذه مصادفة ؟
كمن يحفظ ماله ومال غيره كلما فُقد شيء من المال تبين أن المفقود هو مال الغير !!
فهل في ائتمان هذا النوع من خير ؟

والله لو فعل الأستاذ مثل هذه الانتهاكات في خصومة على أرض أو في حق قبيلة وأنسابها لنكل به لكن في العلم والدين إنما يجد من يصفق له ويمكّنه من العبث أمام الملايين

أما ذلك الوالي الذي استأنست به وأثنيت عليه وصورته في صورة القدوة باعتباره من أوائل من أحيا المولد فانظر إلى ما كان يعمله في المولد .
قال ابن خلكان في وفيات الأعيان عن ذلك الملك أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين وما كان يفعله في المولد النبوي :
فإذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المتجملة، وقعد في كل قبة جوق[ فرقة ] من الأغاني ، وجوق من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي، ولم يتركوا طبقة من تلك الطبقات (طبقات القباب) حتى رتبوا فيها جوقاً.
وتبطل معايش الناس في تلك المدة، وما يبقى لهم شغل إلا التفرج والدوران عليهم...
إلى أن قال : فإذا كان قبل يوم المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئاً كثيراً زائداً عن الوصف وزفها بجميع ما عنده من الطبول والأغاني والملاهي، حتى يأتي بها إلى الميدان...
إلى أن قال : فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة. ا. هـ.

قال الحافظ ابن كثير في البداية (2) في ترجمة أبي سعيد كوكبري : وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً... إلى أن قال : قال السبط : حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى... إلى أن قال : ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم ا. هـ.

بالله عليكم هل هذا دين النبي الكريم رقص وهيص ؟
هذه أول ثمار المولد وهو في مهده ، فرق موسيقية ورقص من هذا الملك الذي استأنس به الأستاذ واستكثر به ، وكل هذا أخفاه الأستاذ عن الناس مع رجوعه لابن خلكان ، وقد ذكر السيوطي رقص الملك في كتابه الذي قرأ منه الأستاذ واكتفى الأستاذ بمدح هذا الملك والثناء عليه ؟!
ولتعلم حجم ما وقع فيه الأستاذ انظر ما قاله العلامة ابن تيمية الذي أجلّه الأستاذ إجلالا عظيما قال رحمه الله :
( فأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة ، فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات التي ينهى عنها ، ولا يستحب ذلك إلا جاهل أو زنديق ) .
والأستاذ بكل جرأة يؤيد مذهبه بكليهما
بابن تيمية الذي يعد استحباب هذا جهلا أو زندقة
وبذلك الملك الذي يستحب هذا الفعل ويقارفه !!

خامسا : إنكار الأستاذ وجود أقوال يحتج بها مخالفه ونفيه لها مع أن منها ما هو مجمع عليه ومنها ما هو مشهور محتج به عند أكثر أهل العلم .



ـ فالأستاذ أكثر من الإنكار في حلقته لمقالة عبر عنها بقوله :
( النبي ما عملهاش ولو كان خيرا لسبقونا إليه )
كررها منكرا مرارا ومرارا بصورة ظاهرة بنفس هذا اللفظ وبقريب منه ، تارة يسوقها حاكيا لها عن مخالفه متهكما به مجهلا وتارة يصرح بأنه لم يقلها أحد من العلماء ، وأخرى راميا مخالفه بأنه اخترعها من عنده وغير هذا من صور النكير المصحوبة بالتنقص من مخالفه والتي شملت إنكار العبارة ذاتها وشملت إنكار استعمالها في مقام الحكم بالبدعة على الأعمال المحدثة .
ومن ذلك قوله : ( دي الوقت الشباب أصحابنا يقولك النبي ما عملهاش ! يا ترى النبي ما عملهاش ولو كان خيرا لسبقنا إليه ! ذا كلام العلماء ؟! ولا ذا كلام أصلا مش علمي )
وذكر من سماهم بالتبديعيين وعرفهم قائلا :
( اللي في وسطنا اللي كل شوية يقولك دي بدعة والسلف ما عملوهاش ولو كان خيرا لسبقك إليه النبي
سبب وجود هؤلاء هو قلة العلم عموما وقلة السعي لطلب العلم ) ا.هـ
وقال : ( ولا واحد من الأئمة قال : اللي النبي ما عملهاش ولم يكن عليها هدي السلف تكون بدعة )
وهذا من أعجب الأمور ، إذ العبارة عبارة أهل السنة قاطبة وهم عليها وبها وعنها يذودون كافة وهذه من الأستاذ والله كاشفة
إذ الجلي من الخلل يبين الخفي ، ومَنْ غيّر في حدود الأرض تزيُّدا وهي داخل التخطيط ولم يبال بالعلامات المنصوبة الثابتة فلا غرو أن يغير في الأرض الأخرى التي قد تخفى علاماتها ، ومن أنكر الحق المتفق عليه وليس معه فيه أحد فلن يألوا جهدا في إنكار الحق الذي وَجَد معه فيه معارضا والله الموعد وعند الله تجتمع الخصوم
وأقول له ـ هداه الله ـ :
قال الإمام العدل الثقة الحافظ ابن كثير في كتابه العظيم المشهور المتوفر الذي لا تخلو منه مكتبة ، قال رحمه الله :
" وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها " ا.هـ

يكاد يكون عين ما نفاه الأستاذ بحروفه ينسبه هنا الإمام العلم ابن كثير إلى أهل السنة كافة فتبصر يا طالب الحق .

ونقل الإمام الشاطبي في فتاويه عن الإمام مالك إمام دار الهجرة وقدوة الصادقين أهل السنة وأكثر من تكلم في باب البدعة من الأئمة
أنه قال عن مسألة الاجتماع لقراءة القرآن ( طبعا بصوت جماعي ) قال مالك رحمه الله :
" إنه شيء أُحدث ، وإن السلف كانوا أرغب للخير ، فلو كان خيراً لسبقونا إليه " ا.هـ

وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره أيضا
" ومن وهذه الآية الكريمة استنبط الشافعي، رحمه الله، ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم؛ ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، رضي الله عنهم، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء " ا.هـ
نفس الإمام الذي احتج به الأستاذ ، يثبت نفس ما نفاه الأستاذ ، في نفس المثال والتطبيق الذي أنكره الأستاذ !!!
فإلى أين سيهرب الأستاذ ؟
وذلك في كتاب لايكاد يخلو منه بيت فضلا عن مكتبة طالب علم فماذا يريد بعد هذا ؟
هذا والله هو العبث بعينه .

وقال شيخ الإسلام في كتابه الاقتضاء :
" مع اختلاف الناس في مولده . فإن هذا لم يفعله السلف ، مع قيام المقتضي له ، وعدم المانع منه لو كان خيرًا .
ولو كان هذا خيرًا محضا ، أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا " ا.هـ

أيضا نفس الإمام الذي احتج به الأستاذ ، يثبت نفس ما نفاه الأستاذ ، في نفس المثال والتطبيق الذي أنكره الأستاذ !!!
عجب والله !!
وقال في شرح العمدة :
" وفي كل ذلك يُحرم هو والمسلمون من الميقات ولم يندب أحدا إلى الإحرام قبل ذلك ولا رغب فيه ولا فعله أحد على عهده فلو كان ذلك أفضل لكان أولى الخلق بالفضائل أفضل الخلائق وخير القرون ولو كان خير لسبقونا إليه وكانوا به أولى وبفضل لو كان فيه أحرى ولندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك كما ندب إلى جميع الفضائل "

قال العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله وليس معاصرا كما في الدرر السنية :
" وأما البدعة المنهي عنها، فكل ما حدث بعد النبي وأصحابه، ولا دل عليه قول من النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعل ، وكذلك أصحابه ، الذين هم أحرص الأمة على فعل الخير، فكل ما حدث بعدهم في العبادات، وغيرها من أمور الدين، فهو بدعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في خطبته: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"
وبسط القول في هذا يستدعي كتابا ضخما، لكن في أصول الأدلة، ما يكفي المسافر إلى الله على صراطه المستقيم; وكل ما لم يفعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مما حدث بعدهم، فالجواب أن يقال: لو كان خيرا لسبقونا إليه " ا.هـ
قاعدة عامة وثابتة يا أستاذ بنص كلام العلماء
فمن عدم توفيق الله للأستاذ وجود المقالة التي نفاها في عين المسائل التي طرحها كما سبق عن ابن كثير وابن تيمية والآن عن ابن إبراهيم فما أبعده عن التوفيق وهذا حال كل من يخالف السنة ، والبركة لاتنال دونها


ـ وقال الأستاذ مستنكرا على من يتقيدون بالسنة حتى فيما تركه صلى الله عليه وسلم الذين يعتقدون أن التعبد بأمرٍ ترَك النبي التعبد به يعتبر بدعة كتركه التلفظ بالنية مثلا ولم يمثل به الأستاذ لكنه تكلم عن هؤلاء الذين يقولون مثل هذا الكلام عن حد البدعة
فقال مستنكرا :
( في حياتي ما شفتش إمام قال : الترك يفيد النهي ) يريد النهي بالبدعية وصرح بأنه عنى هذا وأنه لا يوجد من يقول الترك يفيد البدعية عندما قال مستنكرا :
( يعني تعريف البدعة : ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم بس كذا ؟ ويسكت ويقول : بدعة ضلالة ، يجيبوا )
يعني يأتوا من يقول بهذا
حاضر يا أستاذ خذ الذين قالوا بذلك :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية الذي احتج به الإستاذ أيما احتجاج
" وكل ما يحدث في العبادات المشروعة من الزيادات التي لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه و سلم فهي بدعة بل [ ما ] كان صلى الله عليه و سلم يداوم في العبادات على تركها ففعلها والمداومة عليها بدعة وضلالة " ا.هـ

وقال :
" المداومة على خلاف ما داوم عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم في العبادات فإن هذا بدعة باتفاق الأئمة وإن ظن الظان أن في زيادته خيرا " ا.هـ
فهذا نفس الإمام الذي احتج به يثبت نفس ما نفاه الأستاذ

وقال الحافظ ابن رجب في "فضل علم السلف" (ص31): "... فأما ما اتفق السلف على تركه ؛ فلا يجوز العمل به ؛ لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به".
فنفس الإمام الذي احتج به يثبت نفس ما نفاه الأستاذ .

وقال أحمد بن علي بن منجور المالكي كما في شرح المنهج المنتخب :
" كل ما تركه النبي ص مع قيام المقتضي لفعله كان تركه سنة وفعله بدعة مذمومة " نقلا

وقال العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين :
" ... والثاني : عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله .
فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة ولا حدّث به في مَجْمع أبدا علم أنه لم يكن , وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة , وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائما بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات , وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الثانية , وقوله : { اللهم اهدنا فيمن هديت } يجهر بها ويقول المأمومون كلهم " آمين ...
وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف , ومن ها هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة ; فإن تركه صلى الله عليه وسلم سنة كما أن فعله سنة , فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله , ولا فرق . "
وقال الحافظ في فتح الباري:
" وَأَجَابَ الشَّافِعِيّ عَنْ قَوْل مَنْ قَالَ لَيْسَ شَيْء مِنْ الْبَيْت مَهْجُورًا : إأَنَّا لَمْ نَدَّعِ اِسْتِلَامهمَا هَجْرًا لِلْبَيْتِ ، وَكَيْفَ يَهْجُرهُ وَهُوَ يَطُوف بِهِ ، وَلَكِنَّا نَتَّبِع السُّنَّة فِعْلًا أَوْ تَرْكًا " ا.هـ
وفي الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي قال :
"وقول عمر رضي الله عنه في التراويح ( نعمت البدعة هي ) أراد البدعة اللغوية وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى {قل ما كنت بدعا من الرسل} وليست بدعة شرعا فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم ... ألا ترى الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان ... كرهوا استلام الركنين الشاميين والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة قياسا على الطواف وكذا ما تركه صلى الله عليه وسلم مع قيام المقتضى فيكون فيكون تركه سنة وفعله بدعة مذمومة " ا.هـ

وقال الشوكاني في نيل الأوطار عن حديث من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد :
" وَمِنْ مَوَاطِنِ الِاسْتِدْلَالِ لِهَذَا الْحَدِيثِ كُلُّ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَك وَبَيْنَ خَصْمِك عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَالَفَك فِي اقْتِضَائِهِ الْبُطْلَانَ أَوْ الْفَسَادَ "

قال الغماري ـ وهو على شرط الأستاذ ـ في حكم إرسال اليدين في الصلاة،:
"لم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا الصحابة؛ فهو بدعة لا شك".ا.هـ
فكل ما تركه النبي ص في عبادة من عباداته وثبت بالاستقراء أنه لم يفعله فيها مطلقا يكون فعله في تلك العبادة بدعة ولو كان هذا الفعل في الأصل هو عبادة أيضا
بل حتى بلغ الأمر بمالك في غسل اليدين قبل الأكل مع كونه مقبولا عقلا ونفسا وعرفا أنه يراه بدعة لترك النبي له
قال البيهقي في الشعب :
فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : سمعت عبد الله بن موسى يقول : سمعت الفضل بن محمد يقول : سمعت ، أبا مصعب يقول : « دعا أمير من الأمراء مالكا إلى غدائه قال : فلما قربت الإبريق ، والطشت قال : لا أعود إلى غدائك ، قال : لم ؟ قال : لأن غسل اليدين بدعة عند الطعام »
وكان الشافعي يستحب لزوم ترك الغسل قبل الطعام
وهذا القول من مالك والشافعي قد نتوقف في قبوله حتى يتبين أن النبي كان يحافظ على ترك غسل اليدين قبل الأكل وهو مستبعد لا مجرد تركه مرة ، وهذا طبعا عند عدم وجود داعي خاص لغسلهما من اتساخ أو نحوه وإلا فالغسل عند ذلك هو الأوفق للسنة بلا خلاف وقد يجب
ولكن انظر إلى تشدد مالك في ذلك ، فهو تطبيق له دلالته الظاهرة لتعلم أين يراوح الأستاذ

وأما إثبات الأستاذ لما ينافي الواقع ولما هو غير منقول فقوله عن المولد النبوي والاحتفال به محتجا :
" وهذا قد تلقته الأمة بالقبول "
بصراحة أنا لا أدري ما الذي جرى للأستاذ ؟
ينفي ما هو ثابت لينصر مذهبه ، ويثبت ما هو منفي ليصل إلى نفس الغرض ؟
فأين الأمانة في النقل ؟!
أو أن الأستاذ يكتب في غير حالة وعي !
عندما يكون هناك قول مثبت ومشتهر ومستفيض ينفيه نفيا مطلقا ويصرف النظر عن التثبت في ذلك ، مع أن التريث في نفي ما يثبته الغير آكد من التريث في إثبات ما ينفيه الغير .
ولكن يبدو أن الأستاذ لايفرق ولذلك ترك التريث في الأمرين
وأقول للأستاذ مبينا له أن كلامه بتلقي الأمة للمولد قبولا لا يقوله من عنده واقعية ولا من يحتكم في تقريراته إلى الأمور الثابتة المستندة للأدلة وإنما يقول أمثاله من يلقي الكلام دون ميزان ومن يسترخص الدعاوى ولا يميز الرخيص من النفيس
ذكر السيوطي في الحاوي ناقلا عن :
" الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني من متأخري المالكية أن عمل المولد بدعة مذمومة وألف في ذلك كتابا سماه المورد في الكلام على عمل المولد،
قال السيوطي :
وفيه : لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة و لا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين بل هو بدعة أحدثها البطالون ، وشهوة نفس اعتني بها الأكالون ...
وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتدينون فيما علمت ...
وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام سرج الأزمنة وزين الأمكنة ...ا.هـ
وهذا كله كلام الإمام عمر بن علي اللخمي وكتاب السيوطي نقل عنه الأستاذ في حلقته
وجاء في فتاوى الأزهر
" ولانتشار البدع فى الموالد أنكرها العلماء ، حتى أنكروا أصل إقامة المولد ، ومنهم الفقيه المالكى تاج الدين عمر بن على اللخمى الإِسكندرى المعروف بالفاكهانى، المتوفى سنة 731 هـ ، فكتب فى ذلك رسالته " المورد فى الكلام على المولد" أوردها السيوطى بنصها فى كتابه " حسن المقصد" .
وقال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: " وقد أتى القرن التاسع والناس بين مجيز ومانع ...." ا.هـ
وسبق إنكار شيخ الإسلام ابن تيمية له والإمام الشاطبي والعلامة ابن الحاج أيضا والشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه " صيانة الإنسان " والعلامة الحفار المالكي والعلامة القشيري وغيرهم
ولا زال أنصار شيخ الإسلام من بعده ينكرونه بما في ذلك مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتتابع على ذلك تلاميذ هذه المدرسة حتى وقت الشيخ محمد بن إبراهيم وإلى وقتنا هذا والتي مقرها أرض الوحي والحرمين وهي قلب بلاد الإسلام وهذا جزء مهم من الأمة
فهل يقال فيما كان هذا حاله أنه تلقته الأمة بالقبول ؟
لا أدري لماذا الأستاذ يستكثر من هذا الكلام الذي ليس له صلة بالواقع ؟

سادسا : أما ما اقترفه الأستاذ من أمور رئيسية حول أصل الموضوع فيتمثل في التالي :

ـ الخلط بين مفهوم البدعة اللغوية والبدعة الشرعية وعدم التمييز بينهما تجاهلا للفروق التي ذكرها من احتج بهم الأستاذ ونقل عنهم
ـ تقسيم البدعة الشرعية إلى بدعة محمودة وبدعة مذمومة
كثمرة لذلك الخلط .
ـ هجر الأستاذ للتعريف الصريح الخاص بالبدعة الشرعية وترك الإشارة إليه مطلقا هجرا كاملا بل وإيهامه بعدمه
ـ إنكار الأستاذ البدعة الإضافية والكلام سيأتي عليها مستوفى إذ هو
لب الموضوع .
ـ هجر أصل شرعي هام في الموضوع وهو قولهم : ( الأصل في العبادات المنع والتوقيف ) إضافة إلى إغفال شرطي قبول العبادة مع شديد صلة ذلك بالموضوع وهما الاخلاص والمتابعة
ـ هجر أهم مصادر كتبت في الموضوع ، ككتاب البدع والنهي عنها لابن وضاح ، وكتاب الحوادث للطرطوشي ، والكتاب العجيب الذي هو زبدة مذهب السلف كتاب الاعتصام للإمام الجهبذ أبي إسحاق الشاطبي ، وكتاب اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام وكتاب الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي
ـ ترك أشهر وأهم ما ورد عن الصحابة من أمثلة لما حكموا عليه بالبدعة كأثر ابن مسعود مع المجتمعين للذكر في مسجد الكوفة ، وكأثر ابن عمر مع الذي عطس وقال السلام على النبي وكأثر ابن عمر مع من يبغي في أذانه ومراده تغنيا كما جاء في بعض الروايات وترك أثارا كثيرة ستأتي لا تقل أهمية على هذه وإنما ذكرت هذه لشهرتها ولعلم الأستاذ ومن أعد له بها لكنها قلة الأمانة
بل ترك الجواب على أشهر الأدلة في المسألة وهو حديث النبي مع أولئك الثلاثة نفر الذين عزم أحدهم على عدم الزواج والآخر على عدم الفطر والثالث على عدم النوم بالليل .
فلم يذكره الأستاذ مطلقا فيما يخص معنى البدعة ولا ذكر علاقته بالبدعة مطلقا وإنما ذكره بطريقة خاطفة مستدلا به على معنى آخر جانبي وهو أن النبي لا يسكت عند صدور خطإ من صحابي فإذا أخطأ الصحابي بين النبي خطأه
أما هذه الأفعال من أي ناحية أنكرها النبي فقد أعرض عنه الأستاذ مكتفيا بقوله هذا الفعل أصله غلط ثم لم يزد حرفا ، وأنى له وهو يعارض مذهبه كما سيأتي إيضاحه .
وإليك تفصيل ما سبق مما يحتاج إلى بسط

1ـ الخلط بين مفهوم البدعة اللغوية والبدعة الشرعية وعدم تمييز الأستاذ بينهما وتجاهله للفروق التي ذكرها من نقل عنهم واحتج بهم

فقد عرف الأستاذ البدعة لغة بأنها ما اخترع وليس له مثال سابق
ثم جاء يعرفها في الدين فقال :
" طيب في الدين يعني اصطلاحا في الدين ، المعنى الشرعي للبدعة ... "
فذكر مقدمة خفيفة ثم شرع فذكر تعريف الشافعي ضمن هذا ثم تعريفات أخرى لأبي شامة والعز بن عبد السلام وغيرهما
وتجتمع أغلب التعريفات التي ذكرها في اتفاقها على تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ، محمودة ومذمومة
واعتبار هذه التعريفات تعريفات للبدعة الشرعية فقط هو خلط واضح لا يختلف فيه اثنان من المتخصصين في العلم
إذ التعريفات هي تعريفات عامة شاملة للبدعة اللغوية فاللغوية هي التي قد تكون حسنة أما البدعة شرعا فليس فيها حسن بلا خلاف بين السلف
قال الإمام ابن رجب في جامع العلوم :
" وأما ما وقع في كلام السَّلف مِنِ استحسان بعض البدع ، فإنَّما ذلك في البدع اللُّغوية ، لا الشرعية ، فمِنْ ذلك قولُ عمر - رضي الله عنه - لمَّا جمعَ الناسَ في قيامِ رمضان على إمامٍ واحدٍ في المسجد ، وخرج ورآهم يصلُّون كذلك فقال : نعمت البدعةُ هذه وروي عنه أنَّه قال : إنْ كانت هذه بدعة ، فنعمت البدعة "
ثم قال :
" ومراد الشافعي - رحمه الله - ما ذكرناه مِنْ قبلُ : أنَّ البدعة المذمومة ما ليس لها أصل منَ الشريعة يُرجع إليه ، وهي البدعةُ في إطلاق الشرع ، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة ، يعني : ما كان لها أصلٌ مِنَ السنة يُرجع إليه ، وإنَّما هي بدعةٌ لغةً لا شرعاً ؛ لموافقتها السنة " ا.هـ كلام ابن رجب
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله :
" والبدعة على قسمين تارة تكون بدعة شرعية كقوله فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وتارة تكون بدعة لغوية كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن كم إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم نعمت البدعة . اهـ .
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله :
" فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعة أصلا
ومن سماه بدعة فإما على المجاز كما سمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيام الناس في ليالي رمضان بدعة وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة فلا يكون قول من قال ذلك معتدا به ولا معتمدا عليه "

وقال الإمام أبو شامة :
" فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة بل هي سنة بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم وفعله ...
ثم نقول أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق " ا.هـ
وكان قال في مطلع كتابه :
" قلت وقد غلب لفظ البدعة على الحدث المكروه في الدين مهما أطلق هذا اللفظ ومثله لفظ المبتدع لا يكاد يستعمل إلا في الذم وأما من حيث أصل الاشتقاق فإنه يقال ذلك في المدح والذم " ا.هـ
وهذا تفريق واضح بين البدعة لغة وشرعا .
قال الإمام الزركشي في كتابه المنثور في القواعد :
" الْبِدْعَةُ قَالَ ( ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ ) : هِيَ فِي اللُّغَةِ إحْدَاثُ سُنَّةٍ لَمْ تَكُنْ ، وَتَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : فُلَانٌ بِدْعَةٌ ، إذَا كَانَ مُجَاوِزًا فِي حِذْقِهِ ، وَجَعَلَ مِنْهُ ( ابْنُ فَارِسٍ ) فِي ( الْمَقَايِيسِ ) قَوْله تَعَالَى { قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ } أَيْ أَوَّلَ فَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَمَوْضُوعَةٌ لِلْحَادِثِ الْمَذْمُومِ ، وَإِذَا أُرِيدَ الْمَمْدُوحُ قُيِّدَتْ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَجَازًا شَرْعِيًّا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً ، وَفِي الْحَدِيثِ { كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ } ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) الْمُحْدَثَاتُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا أُحْدِثَ مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إجْمَاعًا ، فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ الضَّلَالَةُ .
وَالثَّانِي : مَا أُحْدِثَ مِنْ الْخَيْرِ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِيَامِ ( رَمَضَانَ ) : نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هِيَ يَعْنِي أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ ، وَإِذَا كَانَتْ لَيْسَ فِيهَا رَدٌّ لِمَا مَضَى انْتَهَى .
وَانْظُرْ كَيْفَ تَحَرَّزَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كَلَامِهِ عَنْ لَفْظِ الْبِدْعَةِ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى لَفْظِ الْمُحْدَثَةِ ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ " ا.هـ

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح :
" وَأَمَّا " الْبِدَع " فَهُوَ جَمْع بِدْعَة وَهِيَ كُلّ شَيْء لَيْسَ لَهُ مِثَال تَقَدَّمَ فَيَشْمَل لُغَة مَا يُحْمَد وَيُذَمّ ، وَيَخْتَصّ فِي عُرْف أَهْل الشَّرْع بِمَا يُذَمّ وَإِنْ وَرَدَتْ فِي الْمَحْمُود فَعَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَويِ " ا.هـ .

وقال السخاوي في فتح المغيث :
((هي ما أحدث على غير مثال متقدم فيشمل المحمود و المذموم، و لكنها خصت شرعا بالمذموم مما هو خلاف المعروف)) ا.هـ

وفي الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي
" وقول عمر رضي الله عنه في التراويح نعمت البدعة هي ، أراد البدعة اللغوية وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى {قل ما كنت بدعا من الرسل} وليست بدعة شرعا فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم . قال : ومن العلماء من قسمها إلى حسن وغير حسن فإنما قسم البدعة اللغوية ومن قال " كل بدعة ضلالة " فمعناه البدعة الشرعية " ا.هـ

وقال المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي شرح الترمذي :
" فقوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه في التراويح نعمت البدعة . اهـ .

ماذا نسمي الإعراض عن كل هذا الكلام الذي يصيح بالحق صياحا ؟ وماذا نسمي هذا الصمم عن هذا الصوت المدوي بالحق ؟
إن العين التي لاتبصر والأذن التي لا تسمع ، على صاحبها أن يفتش في نفسه ويبحث عن أسباب ذلك فهذا حال من ليس على هدى
ولو نظر الأستاذ فقط في الأمثلة المصاحبة لتلك التعريفات التي نقلها لاتضحت له الصورة جلية وأن المستحسن من البدع هو من البدع اللغوية لا الشرعية حتى ولو لم يقف على كلام الأئمة ، لكن الأستاذ انتهج سياسة من لا يريد إلا ما يريد .
ومن هذه الناحية وهي ترك النظر في الأمثلة دخل على الأستاذ ما دخل من الخلل

2 ـ تقسيم البدعة الشرعية إلى بدعة محمودة وبدعة مذمومة كثمرة لذلك الخلط .

الأستاذ وفقه الله للهداية قسم البدعة الشرعية الوارد ذكرها في الشرع إلى بدعة مستحسنة وبدعة مستقبحة كما سبق تبعا لعدم تفريقه بين اللغوية والشرعية تفريقا حقيقيا ، وهذا هو الخطأ التوأم لخطئه السابق .
فسبحان الله لم يأت في نص من كتاب ولا سنة ولا أثر مدح لفظ البدعة ولا معناها ولا مدح نوع يندرج تحتها مع كثرة النصوص والآثار ووفرتها ، لا بإطلاق ولا تقييد .
بل العكس فقد جاءت النصوص والآثار تذم بإطلاق البدعة وما يتصل بها ذما كليا شاملا بعدة أساليب مما يقطع معها الجامع لها أن هذا الجذر ( ب . د . ع ) فيما يتعلق بالأفعال الدينية غير مبارك جملة وتفصيلا .
ولو لم يكن هكذا فماذا سيكون ؟ وهل الحق إلا نص وأثر ؟
وإليك جملة من هذه النصوص لا على سبيل الحصر

قال تعالى ذاما غلو أهل الكتاب :
( ورهبانية ابتدعوها )
وفي الحديث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وهو في الصحيح قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلاَ صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ « صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ ». وَيَقُولُ « بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ ». وَيَقْرِنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ثُمَّ يَقُولُ « أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الأُمُورِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ».
هذا في جل خطبه صلى الله عليه وسلم وما أكثرها ، فهل يعقل بعد هذا أن تلغى الكلية ؟
وفي حديث العرباض أنه صلى الله عليه وسلم قال :
فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، فتمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ (4) ، وإياكم ومحدثات (5) الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة »
وهو صحيح غاية في الصحة وليس هذا محل بيانه
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "
وهو في الصحيح أيضا .
ولم يرد حديث يمدح البدعة قط مع أن ذمّ النبي السابق للبدعة بتلك الصيغة الشمولية كان يكرره في كل خطبة وهذا وحده كاف
والسلف أخذوا هذا الذي دلت عليه النصوص متفقة فكانوا يعتقدون أن كل بدعة في الدين ضلالة وليس فيها حسنة ولم يكن استخدامهم لهذا المعنى إلا ذما له وتحذيرا منه

عن عمر ، أنه كان يقول : « أصدق القيل قيل الله ، وأن أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وإن شر الأمور محدثاتها ، ألا وإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار

وعن ابن مسعود ، إنه كان يقول كل عشية خميس في درسه الأسبوعي : « إنما هو القول والعمل ، فأصدق القول قول الله ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وإن كل محدثة بدعة (4) ، وكل بدعة ضلالة »
وعن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : قال عبد الله بن مسعود :
« الاقتصاد في السنة ، خير من الاجتهاد في البدعة (1) ، وكل بدعة ضلالة »
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:"اتَّبِعُوا، وَلا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ، كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ".
عن الشعبي عن عمه قيس بن عبد (3) قال : اختلفت إلى عبد الله بن مسعود سنة فما رأيته مصليا صلاة الضحى ، ولا صائما يوما من غير رمضان ، قال : فبينا نحن عنده ذات ليلة أتى ، فقيل له : هذا رسول الوليد ، فقال عبد الله : أطفئوا المصباح ، فدخل فقال له : إن الامير يقول لك أترك هؤلا الكلمات التي تقول ، قال : وما هن ؟ قال : هذه الكلمات ، قال : فلم يزل يرددهن ، قال قولك : كل محدثة بدعة ، قال : إني لن أتركهن ، قال : فإنه يقول لك : فاخرج ، قال : فإني خارج ، قال فخرج إلى المدينةا.هـ
فانظر إلى محاربة المفهوم الصحيح للبدعة منذ عهد الصحابة
وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: "أيها الناس! إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة؛ فعليكم بالأمرِ الأول
عن يزيد بن عميرة ، عن معاذ بن جبل قال :
" إياكم وما ابتدع ؛ فإن كل ما ابتدع ضلالة »
عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : « كل بدعة ضلالة ، وإن رآها الناس حسنة »
عن عثمان بن حاضر الأزدي ، قال : سألت ابن عباس ، فقال : « عليك بالاستقامة ، واتباع الأثر ، وإياك والتبدع »
وعن ابن عباس ، قال : إن أبغض الأمور إلى الله البدع
وقال حذيفة رضي الله عنه : كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا بطريق من كان قبلكم
وعن معن قال : قال عبد الملك : « كل محدثة بدعة »

وقال ابن وضاح قال أشهب :
" وقد كان مالك يكره كل بدعة ، وإن كانت في خير " ا.هـ
وقال ابن الماجشون :
سمعت مالكاً يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - خان الرسالة، لأن اللّه يقول: {اليوم أكملتُ لكم دينكم} فما لم يكن يومئذٍ ديناً، فلا يكون اليوم ديناً.
وقال الإمام أحمد بن حنبل :
" أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة "
وقال ابن وضاح
باب « كل محدثة بدعة »
ثم ساق جملة من الروايات السابقة
" وقد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي؛ إذا تكررت في مواضع كثيرة وأوقات متفرقة وأحوال مختلفة، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها العام المطلق.
وأحاديث ذم البدع والتحذير منها من هذا القبيل .
فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يردد من فوق المنبر على ملأ من المسلمين في أوقات كثيرة وأحوال مختلفة أن (كل بدعةٍ ضلالة) ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية من العموم فيها [ بل جاء في التطبيق النبوي وما في حكمه تأكيد الكلية ]، فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها.
وقد أجمع السلف الصالح على ذمها وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها، ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا استثناء، فهو - بحسب الاستقراء - إجماع ثابت يدل دلالة واضحة على أن البدع كلها سيئة ليس فيها شيء حسن " ا.هـ
عن كتاب اللمع في الرد على محسني البدع للسحيباني وفقه الله وما بين الأقواس فمن العبد الفقير
فلم ترد البدعة في الكتاب ولا في السنة ولا في آثار الصحابة بمعناها الشرعي ( بعيدا عن المعنى اللغوي المجرد ) إلا مذمومة ، ولم تمدح بدعة شرعية قط .
ولأنه لا انفصامية بين النصوص وواقعها ، ولا بين الأدلة وأصحابها وأهلها من العلماء ، فلا يمكن البتة أن يكون في ذلك الجذر بركة و لا حُسن ولا مدح فيما يتعلق بالأفعال الدينية ، ولن تجد من يقول به من سلف الأمة والمبرزين من علمائها ، ومن ظن هذا فقد أبعد أيما بعد وجعل بينه وبين العلم في هذا الباب مفاوز .
وكل ما سبق في الفقرة السابقة من أقوال الأئمة إضافة لما أشرنا إليه من الأدلة يبين لك أن البدعة الشرعية لا تكون إلا مذمومة ولا تكون إلا ضلالة وليس فيها محمود
وإليك طرفا من أقوال العلماء الأخرى .
نقل غير واحد من أئمة المالكية أن متقدمي المالكية متفقون على أن البدع الشرعية كلها ليس فيها حسن أو محمود
وقال الحافظ ابن رجب :
" فقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( كلُّ بدعة ضلالة )) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيءٌ ، وهو أصلٌ عظيمٌ من أصول الدِّين ، وهو شبيهٌ بقوله : (( مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا ما لَيسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ )) ((2)) ، فكلُّ من أحدث شيئاً ، ونسبه إلى الدِّين ، ولم يكن له أصلٌ من الدِّين يرجع إليه ، فهو ضلالةٌ ، والدِّينُ بريءٌ منه ، وسواءٌ في ذلك مسائلُ الاعتقادات ، أو الأعمال ، أو الأقوال الظاهرة والباطنة...
وأما ما وقع في كلام السَّلف مِنِ استحسان بعض البدع ، فإنَّما ذلك في البدع اللُّغوية ، لا الشرعية " ا.هـ

وقال الإمام الشاطبي رحمه الله :
" والجواب :
أن هذا التقسيم أمر مخترع ، لا يدل عليه دليل شرعي ، بل هو نفسه متدافع ، لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده .
إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ، ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمورة بها أو المخير فيها ، فالجمع بين عد تلك الأشياء بدعا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين " ا.هـ

وقال الإمام الشاطبي :
" الباب الثالث :
في أن ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها ويدخل تحت هذه الترجمة جملة من شبه المبتدعة التي احتجوا بها
فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه :
أحدها : أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة ، ولم يأت فيها ما يقتضي أن منها ما هو هدى ، ولا جاء فيها : ( كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا ) ولا شيء من هذه المعاني فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات لذكر ذلك في آية أو حديث ، لكنه لا يوجد فدل على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد
والثاني : أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضيع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكررها وإعادة تقررها فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم ، كقوله تعالى : ( ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) وما أشبه ذلك .
وبسط الاستدلال على ذلك هناك فيما نحن بصدده من هذا القبيل إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلفة :
أن كل بدعة ضلالة وأن كل محدثة بدعة وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة ، ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها
والثالث : إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها كذلك وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها ، ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية فهو ـ بحسب الاستقراء ـ إجماع ثابت فدل على أن كل بدعة ليست بحق بل هي من الباطل"


وقال شيخ الإسلام في الاقتضاء :
" واعلم أن هذه القاعدة وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته قاعدة عامة عظيمة وتمامها بالجواب عما يعارضها "
إلى أن قال :
" وهؤلاء المعارضون يقولون ليست كل بدعة ضلالة
والجواب :
أما أن القول أن شر الأمور محدثاتها وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار والتحذير من الأمور المحدثات فهذا نص رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع ومن نازع في دلالته فهو مراغم "
إلى أن قال :
" وأيضا لا يجوز حمل قوله صلى الله عليه و سلم كل بدعة ضلالة على البدعة التي نهى عنها بخصوصها !
لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث ، فإن ما نُهي عنه من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي قد علم بذلك النهي أنه قد حُرّم سواء كان بدعة أو لم يكن بدعة !
فإذا كان لا منكر في الدين إلا ما نهى عنه بخصوصه !
سواء كان مفعولا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لم يكن !
وما نهى عنه فهو منكر سواء كان بدعة أو لم يكن !
صار وصف البدعة عديم التأثير لا يدل وجوده على القبح ولا عدمه على الحسن !
بل يكون قوله كل بدعة ضلالة بمنزلة قوله كل عادة ضلالة !
أو كل ما عليه العرب والعجم فهو ضلالة !
ويراد بذلك أن ما نهى عنه من ذلك فهو الضلالة
وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد ليس من نوع التأويل السائغ وفيه من المفاسد أشياء :
أحدها : سقوط الاعتماد على هذا الحديث !
فإن ما علم أنه منهي عنه بخصوصه فقد علم حكمه بذلك النهي ، وما لم يعلم فلا يندرج في هذا الحديث !
فلا يبقى في هذا الحديث فائدة مع كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب به في الجمع ويعده من جوامع الكلم
الثاني : أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسما عديم التأثير فتعليق الحكم بهذا اللفظ أو المعنى تعليق له بما لا تأثير له كسائر الصفات العديمة التأثير
الثالث : أن الخطاب بمثل هذا إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر وهو كونه منهيا عنه [ فهو ] كتمان لما يجب بيانه وبيان لما لم يقصد ظاهره فإن البدعة والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص ، إذ ليس كل بدعة جاء عنها نهي خاص وليس كل ما جاء فيه نهي خاص بدعة
فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض لا يسوغ للمتكلم إلا أن يكون مدلسا كما لو قال الأسود وعنى به الفرس أو الفرس وعنى به الأسود
الرابع : أن قوله كل بدعة ضلالة وإياكم ومحدثات الأمور إذا أراد بهذا ما فيه نهي خاص كان قد أحالهم في معرفة المراد بهذا الحديث على مالا يكاد يحيط به أحد ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة ومثل هذا لا يجوز بحال
الخامس : أنه إذا أريد به ما فيه النهي الخاص كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي خاص من البدع فإنك لو تأملت البدع التي نهى عنها بأعيانها وما لم ينه عنها بأعيانها وجدت هذا الضرب هو الأكثر واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة
فهذه الوجوه وغيرها توجب القطع بأن هذا التأويل فاسد لا يجوز حمل الحديث عليه سواء أراد المتأول أن يعضد التأويل بدليل صارف أو لم يعضده فإن على المتأول بيان جواز إرادة المعنى الذي حمل الحديث عليه من ذلك الحديث ثم بيان الدليل الصارف له إلى ذلك
وهذه الوجوه تمنع جواز إرادة هذا المعنى بالحديث " ا.هـ
وقال :
" ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه و سلم الكلية وهي قوله كل بدعة ضلالة بسلب عمومها وهو أن يقال ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل ...
فإنَّ قَصْد التعميم المحيط ظاهر من نص رسول الله صلى الله عليه و سلم بهذه الكلمة الجامعة فلا يعدل عن مقصوده بأبي هو وأمي صلى الله عليه و سلم " ا.هـ
وقال الحافظ في الفتح :
" فَالْبِدْعَة فِي عُرْف الشَّرْع مَذْمُومَة "
و قال الحافظ ابن حجر :
" تطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة "
وقال كما سبق :
" وَأَمَّا " الْبِدَع " فَهُوَ جَمْع بِدْعَة وَهِيَ كُلّ شَيْء لَيْسَ لَهُ مِثَال تَقَدَّمَ فَيَشْمَل لُغَة مَا يُحْمَد وَيُذَمّ ، وَيَخْتَصّ فِي عُرْف أَهْل الشَّرْع بِمَا يُذَمّ وَإِنْ وَرَدَتْ فِي الْمَحْمُود فَعَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَويِ " ا.هـ
وممن تعقب تقسيم العز بن عبد السلام للبدعة إلى أحكام الشريعة الخمسة العلامة زروق في " شرح رسالة القيرواني " ، قال بعد ذكر هذا التقسيم متعقبا :
( قال المحققون : إنما تدور ـ أي البدعة ـ بين محرم ومكروه ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : " كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة " ا.هـ

وأنبه إلى أن الانكار على تقسيم العز إنما هو باعتبار ما يجره من إيهام بأن التقسيم يخص البدعة الشرعية وإنكاره بهذا المعنى حق لا غبار عليه أما بالنظر إلى أنه تقسيم عام شامل للبدعية اللغوية ونظن أنه مراد العز فهذا لا إشكال فيه في ذاته ولكن ننفر عنه لما يحدثه من إيهام اختصاصه بالبدعة الشرعية .

وقال العلامة أبو الطيب آبادي في عون المعبود شرح سنن أبي داود :
" وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام أَنَّ الْبِدَع عَلَى خَمْسَة أَقْسَام : وَاجِبَة وَمُحَرَّمَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ وَمُبَاحَةٌ ، قَالَ وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصُّبْح وَالْعَصْر اِنْتَهَى .
وَرَدَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْح الْمِشْكَاةِ فَقَالَ : وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي كَلَام الْإِمَام نَوْعُ تَنَاقُضٍ ...
فَإِنَّ مَحَلّ الْمُصَافَحَة الْمَشْرُوعَة أَوَّل الْمُلَاقَاة وَقَدْ يَكُون جَمَاعَة يَتَلَاقَوْنَ مِنْ غَيْر مُصَافَحَة وَيَتَصَاحَبُونَ بِالْكَلَامِ وَمُذَاكَرَةِ ُثمَّ إِذَا صَلَّوْا يَتَصَافَحُونَ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ السُّنَّة الْمَشْرُوعَةِ ، وَلِهَذَا صَرَّحَ بَعْض عُلَمَائِنَا بِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ مِنْ الْبِدَع الْمَذْمُومَة اِنْتَهَى كَلَامه .
قُلْت : وَاَلَّذِي قَالَهُ عَلِيٌّ الْقَارِي هُوَ الْحَقّ وَالصَّوَاب ، وَقَوْل النَّوَوِيّ خَطَأ . وَتَقْسِيم الْبِدَع إِلَى خَمْسَة أَقْسَام كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَام اِبْن عَبْد السَّلَام وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْإِمَام النَّوَوِيّ أَنْكَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقِينَ وَمِنْ آخِرِهِمْ شَيْخُنَا الْقَاضِي الْعَلَّامَة بَشِير الدِّين الْقِنَّوْجِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فَإِنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ رَدًّا بَالِغًا .
قُلْت : وَكَذَا الْمُصَافَحَة وَالْمُعَانَقَة بَعْد صَلَاة الْعِيدَيْنِ مِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار
" وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحَصْرُ .
وَمَا أَصْرَحَهُ وَأَدَلَّهُ عَلَى إبْطَالِ مَا فَعَلَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ تَقْسِيمِ الْبِدَعِ إلَى أَقْسَامٍ وَتَخْصِيصِ الرَّدِّ بِبَعْضِهَا بِلَا مُخَصِّصٍ مِنْ عَقْلٍ وَلَا نَقْلٍ فَعَلَيْك إذَا سَمِعْت مَنْ يَقُولُ هَذِهِ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ بِالْقِيَامِ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ مُسْنِدًا لَهُ بِهَذِهِ الْكُلِّيَّةِ وَمَا يُشَابِهُهَا مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ } طَالِبًا لِدَلِيلِ تَخْصِيصِ تِلْكَ الْبِدْعَةِ الَّتِي وَقَعَ النِّزَاعُ فِي شَأْنِهَا بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا بِدْعَةٌ ، فَإِنْ جَاءَك بِهِ قَبِلْته ، وَإِنْ كَاعَ كُنْت قَدْ أَلْقَمْته حَجَرًا وَاسْتَرَحْت مِنْ الْمُجَادَلَةِ .
وَمِنْ مَوَاطِنِ الِاسْتِدْلَالِ لِهَذَا الْحَدِيثِ كُلُّ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَك وَبَيْنَ خَصْمِك عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَالَفَك فِي اقْتِضَائِهِ الْبُطْلَانَ أَوْ الْفَسَادَ ا.هـ

وقال الإمام الصنعاني رحمه الله : ليس في البدعة ما يمدح بل كل بدعة ضلالة . اهـ .
كما في كتاب سبل السلام له

وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ عن التقسيم :
" هذا التقسيم في غاية المناقضة لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : " أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة " ، وفي رواية النسائي : " وكل ضلالة في النار " وروى أصحاب السنن عن العرباض بن سارية ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عَضُّو عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة " .

وكلام العلماء في رد هذا التقسيم كثير حتى قال الغماري وهو على شرط الأستاذ :
"زلةٌ قبيحةٌ، حيث جعلوا البدعة مندوبة ..."


فالاستاذ مع تجاهله لكل هذه اللآلئ والدرر من معين الوحي الصافي ومن واحة السلف الصالح الزاهية ومن ينابيع أهل العلم المحققين العذبة ومع مخالفته لهذا الهدي الرباني تجاهلا ومخالفة ، مع كل هذا نجده يحرص على تصوير مخالفه بالتفرد في رد التقسيم الذي حكاه عن العز ومن معه ؟
فقد تكلم الأستاذ عن العز مثنيا عليه وعلى تقسيمه للبدعة ثم قال :
( اللي بعدوا [ بعد العز ] قبلوا التقسيم ، وأنت ترد )
فانظر إلى إصراره على رمي مخالفه بالتفرد والشذوذ ظلما وعدوانا وجحدا ومكرا وكيدا وحقدا !!
فأسأل الله العلي العظيم أن يقتص لنا من هذا الظلم
بل ودعواه أن من بعد العز قبلوه هو من التزوير الذي جعله الأستاذ مهمة لا تغيب .
وهؤلاء كل من ذكرنا من العلماء ينكرونه حتى قال العلامة أبو الطيب آبادي شارح أبي داود :
" وَتَقْسِيم الْبِدَع إِلَى خَمْسَة أَقْسَام كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَام اِبْن عَبْد السَّلَام وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْإِمَام النَّوَوِيّ أَنْكَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقِينَ وَمِنْ آخِرِهِمْ شَيْخُنَا الْقَاضِي الْعَلَّامَة بَشِير الدِّين الْقِنَّوْجِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فَإِنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ رَدًّا بَالِغًا "
فإلى الله المشتكى من هذا الظلم المركب .
فأين تلك الأقوال المتتابعة على إنكار كلام العز لا نقلها الأستاذ أمانة للعلم ولا سكت عنها بل تجرأ على نفيها وزعم أن من بعده قبلوا التقسيم وعاب مخالفه ظلما

3ـ هجْر الأستاذ للتعريف الصريح الخاص بالبدعة الشرعية وترْك الإشارة إليه مطلقا هجرا كاملا

فقد سبق ما جاء في تعريفات الأستاذ مِن خَرق للعلم وللأمانة ، ومن مجانبته للأمانة جحدُه التعريف الخاص بالبدعة الشرعية .
وبيان البدعة الشرعية هو كما يلي :

قال شيخ الإسلام :
" وأما البدعة الشرعية فكل مالم يدل عليه دليل شرعي "
وقال ابن كثير في تفسيره :
" وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها " ا.هـ
و عرفها الحافظ بقوله كما في نزهة النظر :
" هي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه و سلم لا بمعاندة بل بنوع شبهة " ا.هـ
وقال السخاوي عن البدعة شرعا :
" ولكنها خصت شرعا بالمذموم مما هو خلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه و سلم فالمبتدع من اعتقد ذلك لا بمعاندة بل بنوع شبهة " ا.هـ
وقد سبق كلامه كاملا
وقال السيوطي في الأمر بالاتباع :
" البدعة عبارة عن فعلة تصادم الشريعة بالمخالفة أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان ".
وجاء في مواهب الجليل
" قَالَ فِي شَرْحِهِ الشَّيْخُ زَرُّوق وَالْبِدْعَةُ لُغَةً الْمُحْدَثُ ، وَفِي الشَّرْعِ إحْدَاثُ أَمْرٍ فِي الدِّينِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنْهُ ، وَمَرْجِعُهُ لِاعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ ا.هـ

وأما اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة أجزل الله لأعضائها المثوبة فعرفوها بقولهم :
" أما البدعة الدينية فهي: كل ما أحدث في الدين مضاهاة لتشريع الله " ا.هـ
وفي فتاوى الأزهر وفق الله أصحابه لكل خير وأجزل لهم المثوبة جاء فيها :
" وأفيد سعادتكم أن كل عبادة لم يرِد بها نص عن النبى صلى اللّه عليه وسلم .
ولم يأت فى عمله - صلى اللّه عليه وسلم - ولا فى عمل أصحابه اقتداء به وإن لم نعرف وجهة الاقتداء فهى بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار فهى ممقوتة للشارع يجب منعها ا.هـ
ثم جاء في عقب هذا الكلام أحكام على عدة أعمال بالبدعية منها :
ـ قراءة بقية سورة الكهف جهرا يوم الجمعة لأجل عدم غوغاء الفلاحين بالكلام الدنيوى .
ـ الترقية قبل الخطبة مع مراعاة الآداب فى الإلقاء وحديث إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب إلى أخره .
ـ الأذان قبل الوقت يوم الجمعة بما يشتمل على استغاثات وصلوات على النبى - صلى اللّه عليه وسلم - لتنبيه الفلاحين الموجودين بالغيطان الغافلين عن مكان الجمعة .
ـ الصلاة والسلام على النبى - صلى اللّه عليه وسلم - عقب الأذان فى الأوقات الخمس إلا المغرب .
ـ الذكر جهرا أمام الجنازة بكيفية معتدلة خالية عن التلحين ا.هـ
فكل هذه عدوها بدعا كأمثلة للتعريف وهي مسؤول عنها بعينها في السؤال .
واستثنوا الأذان بين يدي الخطيب فجوزوه من دون الأمثلة السابقة
مع أن في بعض الفتاوى لهم ما يخالف هذا التطبيق وكأنه لاختلاف المجيب لأن الجواب ليس جماعيا
وسيأتي ملخص يوضح ما اشتملت عليه هذه التعريفات .

وقال الإمام الهمام جبل هذا العلم الشاطبي رحمه الله وقد أخرت تعريفه لما احتواه من بسط حيث قال :
" ومن هذا المعنى [ يعني اللغوي ] سميت البدعة [ يعني الشرعية ] بدعة فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع وهيئتها هي البدعة وقد يسمى العلم المعمول على ذلك الوجه بدعة فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة وهو إطلاق أخص منه في اللغة حسبما يذكر بحول الله ...
ثم قال :
فأفعال العباد وأقوالهم لا تعدو هذه الأقسام الثلاثة :
ـ مطلوب فعله
ـ ومطلوب تركه
ـ ومأذون في فعله وتركه
والمطلوب تركه لم يطلب تركه إلا لكونه مخالفا للقسمين الأخيرين لكنه على ضربين :
أحدهما : أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفة خاصة مع مجرد النظر عن غير ذلك ، وهو إن كان محرما سمي فعلا معصية وإثما وسمي فاعله عاصيا وآثما ، وإلا لم يسم بذلك ودخل في حكم العفو حسبما هو مبين في غير هذا الموضع ولا يسمى بحسب الفعل جائزا ولا مباحا لأن الجمع بين الجواز والنهي جمع بين متنافيين
والثاني : أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفة لظاهر التشريع من جهة ضرب الحدود وتعيين الكيفيات والتزام الهيئات المعينة أو الأزمنة المعينة مع الدوام ونحو ذلك ، وهذا هو الابتداع والبدعة ويسمى فاعله مبتدعا.
فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها بالعبادات
وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول : البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية " ا.هـ

والأول هو تعريف البدعة الشرعية ، أما هذا الثاني الذي يشمل العادات فهو تعريف شامل للبدعة اللغوية المتصل فعلها بالشرع
ثم قال شارحا :
" وقوله في الحد تضاهي الشرعية يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك بل هي مضادة لها من أوجه متعددة
منها : وضع الحدود كالناذر للصيام قائما لا يقعد ضاحيا لا يستظل والاختصاص في الانقطاع للعبادة والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة ..
ومنها : التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد واتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه و سلم عيدا وما أشبه ذلك
ومنها : التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة كالتزام صيام يرم النصف من شعبان وقيام ليلته
وثم أوجه تضاهي بها البدعة الأمور المشروعة فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعة ـ لأنها تصير من باب الأفعال العادية
وأيضا فإن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهي بها السنة " ا.هـ
إلى أن قال :
" وفي الحد أيضا معنى آخر مما ينظر فيه وهو أن البدعة من حيث قيل فيها : أنها طريقة في الدين مخترعة ـ إلى آخره ـ يدخل في عموم لفظها البدعة التركية كما يدخل فيه البدعة غير التركية " ا.هـ

حتى قال القرافي وهو ممن تأثر بتقسيم العز :
" فَالْبِدْعَةُ إذَا عَرَضَتْ تُعْرَضُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَأَدِلَّتِهَا فَأَيُّ شَيْءٍ تَنَاوَلَهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالْقَوَاعِدِ أُلْحِقَتْ بِهِ مِنْ إيجَابٍ أَوْ تَحْرِيمٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، وَإِنْ نَظَرَ إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِهَا بِدْعَةً مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَتَقَاضَاهَا كُرِهَتْ فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الِاتِّبَاعِ ، وَالشَّرَّ كُلَّهُ فِي الِابْتِدَاعِ " ا.هـ

قال الحافظ في الفتح عن حديث الذي ذبح أضحيته قبل صلاة العيد :
" قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أنَّ العملَ وإن وافق نية حسنة لَم يصح إلاَّ إذا وقع على وفق الشرع " ا.هـ

نجد مما تقدم أنه قد اجتمع في تعريف البدعة الآتي :

1ـ كل فعل أو قول لم يدل عليه مستند من حديث أو آية أو أثر صحابي .
2ـ ولو كان أصله مشروعا كأن يكون المحدَث مجرد زيادة أو نقصان على ما هو مشروع
3ـ فتحصل المشابهة والمضاهاة للتشريع باعتبار أن تلك الزيادة من شأن الشارع في أشباهها من العبادات
4ـ كتحديدات مكانية أو زمانية أو وصفية يداوَم عليها ونحوها من التحديدات فكل العبادات لم تأت مجردة من تحديد إما صفة وهو أعمها وإما بأكثر من ذلك فإحداث تحديدات محدثة هي مشابهة لتحديدات الشارع
5ـ وبدافع الإكثار من التعبد غالبا وربما من باب النشاط الطارئ أحيانا ولو مع إقلال
6ـ ولو لم يظهر منها معارضة للشرع سوى أنها محدثة
7ـ ولو كان الدافع شبهة لا عنادا .
8ـ وكلها مذموم ليس فيها ما يمدح

وهذه النقاط توضح ما دل عليه مجموع تلك التعريفات وكل ما سيأتي إنما هو إيضاح لها .

ولا أعرف عالما معتبرا خالف في حد البدعة هذا سوى على سبيل الشذوذ ، وإنما قد تجد من بعض المتأخرين المخالفة في بعض التطبيقات
وستأتي جملة وافرة من التطبيقات عن السلف والأئمة من بعدهم تُجلي لك تماما أن البدعة بالمعنى الذي اجتمعت عليه تلك التعريفات هو المتفق عليه عندهم ، وهو الذي لا يصح سواه عن السلف .

والعلماء الذين نقلنا تعريفاتهم ، فمنهم من تأثر ببعض ذلك كالسخاوي وهو متأخر جدا وأما السيوطي فأقلهم خطأ ولكن تجد لهم تطبيقات صحيحة كثيرة لا تجدها لدى مروجي البدع في زماننا
مما يدل على أن معنى البدعة بذلك الانفتاح والانفلات لا يتصل بطرائق حتى المتأخرين من أهل العلم إلا شذوذا
كالقول بأنه يسوغ إقامة المحدثات ما لم تصادم أصول الشرع فهذا والله ضلال مبين
ولذلك لا تجد من الأئمة المحققين ولو من المتأخرين من يقول بهذا سوى على سبيل الشذوذ لو وجد .
وستأتي جملة وافرة من التطبيقات عن السلف والأئمة من بعدهم تُجلي لك تماما أن البدعة بالمعنى الذي اجتمعت عليه تلك التعريفات هو المتفق عليه عندهم ، وهو الذي لا يصح سواه عن السلف ، لكن اخترت لك الآن بعضا منها مما يبرز جانبا مهما من معناها لطالما أنكره الأستاذ وهو اعتبارهم سبب الحكم بالبدعة وتعليلهم بأنه لأجل عدم وروده عن النبي وصحابته أو السلف وحدوثه بعدهم وهو معنى لا يحتاج إلى الاستدلال ولكن الأستاذ اضطرنا إليه

ـ فمما جاء عنهم في هذا :

عن مالك : سئل عن القراءة بالمسجد [ يعني مخصصة بعقب الصلوات ] فقال :
لم يكن بالأمر القديم وإنما هو شيء أحدث ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها والقرآن حسن
قال ابن رشد : يريد التزام القراءة في المسجد بإثر صلاة من الصلوات على وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك كله كما بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح ( قال ) : فرأى ذلك بدعة.

قال ابن وضاح في البدع والنهي عنها :
نا محمد بن عمرو ، عن مصعب قال : سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة قل هو الله أحد ، لا يقرأ غيرها كما يقرأها ، فكرهه ، وقال : « إنما أنتم متبعون ، فاتبعوا الأولين ، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا ، وإنما نزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء »

وعن إحداث كيفية في الركوع مخالفة للسنة
قال عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال إنسان لعطاء : إني أرى أناسا إذا ركعوا خفضوا رؤوسهم ، حتى كانوا يجعلون أذقانهم بين رجلهم ، فقال : لا ، هذه بدعة ، لم يكن من مضى يصنعون ذلك
وفي الفروع عَنْ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : سَأَلْت أَحْمَدَ [ بن حنبل ] عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ : الصَّلَاةَ قَالَ لَا يَقُولُ الصَّلَاةَ ، كَرِهَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، إنَّمَا كَرِهَهُ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ

وفي أسنى المطالب :
" قَالَ [ العز ] ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْقِيَامُ لِلْمُصْحَفِ بِدْعَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ "

وفي المجموع للنووي :
" وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه وآخرون يلتفت إليه في حال انصرافه كالمتحزن عليه * وقال جماعة من أصحابنا يخرج ماشيا تلقاء وجهه ويولي الكعبة ظهره ولا يمشي قهقرة أي كما يفعله كثير من الناس قالوا بل المشي قهقري مكروه لانه بدعة ليس فيه سنة مروية ولا أثر لبعض الصحابة فهو محدث لا أصل له فلا يفعل ا.هـ
قال الإمام ابن رجب :
" وفي هذه الأزمان التي بَعُدَ العهد فيها بعُلوم السلف يتعيَّن ضبطُ ما نُقِلَ عنهم مِنْ ذلك كلِّه ، ليتميَّزَ به ما كان من العلم موجوداً في زمانهم ، وما حدث من ذلك بعدَهم ، فيُعْلَم بذلك السنةُ من البدعة ا.هـ
وقال في البحر الرائق :
" وَظَاهِرُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ اخْتِيَارُ أَنَّهُ بِدْعَةٌ فَإِنَّهُ قَالَ :
قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ : لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ أُصَلِّي كَذَا وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَلْ الْمَنْقُولُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَهَذِهِ بِدْعَةٌ .

وَسُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ عَنْ الرَّجُل يَذْكُرُ فَيَقُولُ : اللَّهُ اللَّهُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِمَثَابَتِهِ فَهَلْ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ أَمْ لَا ؟ فَأَجَابَ هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ ، وَالذِّكْرُ الْمَشْرُوعُ كُلُّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً أَوْ اسْمِيَّةً وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَذْكَارِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ دُونَ الْأَغْبِيَاءِ مِنْ الْجَاهِلِينَ انْتَهَى .



والأمثلة على هذا يعسر حصرها والله كلها تدل على أن السلف يعللون تبديعهم للأعمال ويُرجعون سبب حكمهم بالبدعة لكونها محدثة لم تكن على عهد رسول الله ولا صحابته
ولكون هذه الأمثلة لا تحصر فإني أعتبر تشنيع الأستاذ في هذا على مخالفه ودعواه أن هذا لا يوجد هو استخفاف بالقناة التي جعلها منبرا للخلط بل واستخاف بالشرع قبل ذلك واستخفاف بالمسلمين كافة

ـ ومما يجلّي مفهوم البدعة عند السلف أيضا أنهم حتى فيما ثبت عن النبي من عمله أو اختلفوا في ثبوته عن النبي نجدهم يحكمون ببدعيته بمجرد عدم علمهم بأنه ثابت ، أو ترجيحهم عدم ثبوته .
وهذا يدل بجلاء على أنه حتى ما كان لا ينافي أصول الشرع فإنهم يعتبرونه بدعة ما دام أنه حسب علمهم محدث .
ولو كانوا يراعون ما جاءت به النصوص العامة وما لا يصادم أصول الشرع كما زعم المخالف لما حكموا بالبدعة على تلك الأعمال لمجرد عدم علمهم بالنصوص الخاصة مع أنها جاءت بها النصوص العامة وهذا يبطل مزاعم المخالفين .
وأكتفي بمثال واحد من بين أمثلة كثيرة تركتها خشية الإطالة .

فعن عائشة وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن أمرن بجنازة سعد بن مالك رضي الله عنه أن يُمَر بها عليهن ، فمُر به في المسجد فجعل يوقف على الحجر فيصلين عليه
ثم بلغ عائشة رضي الله عنها أن بعض الناس عاب ذلك وقال هذه بدعة ما كانت الجنازة تدخل المسجد
فقالت : ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لاعلم لهم به عابوا علينا أن دعونا بجنازة سعد تدخل المسجد وما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل ابن بيضاء إلا في جوف المسجد

فهل كانت صلاة الجنازة في المسجد تصادم أصول الشرع حتى حكم أولئك ببدعيتها أو إنكارها ؟



4ـ إنكاره للبدعة الإضافية
أنكر الأستاذ وجود ما يسمى بالبدعة الإضافية والتي تصدق على أكثر الأمثلة في هذا الباب ، بل هي المقصودة بكل ما سبق وسيأتي ، وهذه نتيجة حتمية لما طرحه من مفهوم للبدعة مخالف لما كان عليه السلف بل لما كان عليه عامة أهل العلم المحققين ، وبيانه كالتالي
البدعة الاضافية هي ما كان أصله مشروعا كالاعتكاف بصورته الشرعية ، ولكن على وجه محدث كأن يكون في غير المسجد
فسيأتي عن ابن عباس حكمه عليه بالبدعة لأن المكان محدث لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في غير المسجد يعني الاعتكاف المخصوص في السنة
فمع أن الاعتكاف عبادة لكن فعله على وجه محدث صيره بدعة وهذه هي البدعة الاضافية .
والإضافة في كونها : من جانب هي عبادة ، ومن جانب هي محدثة
فهي بدعة نسبية أو إضافية
وهكذا كل عبادة تُحدَّد وتُخصَّص بغير دليل شرعي سواء بوقت أو عدد أو سبب أوكيفية ( صفة ) أو مكان
فالصيام عبادة عظيمة لكن من كان يخص شهر ربيع الأول بالصيام فيكون قد أحدث وابتدع لأن النبي لم يكن يخص ربيعا الأول بالصيام
فمِن جانبِ أصلِ العمل هو عبادة ومن جانب تخصيص ربيع الأول هو محدث وبدعة فيكون الحكم على مجموع العمل بأنه محدث
وهكذا
قال الشاطبي رحمه الله :
" ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية أن يكون أصل العبادة مشروعا إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل توهما أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي أو يطلق تقييدها وبالجملة فتخرج عن حدها الذي حد لها ..
فإذا خص منه يوما من الجمعة بعينه أو أياما من الشهر بأعيانها ـ لا من جهة ما عينه الشارع ـ فإن ذلك ظاهر بأنه من جهة اختيار المكلف كيوم الأربعاء مثلا أو الجمعة والسابع والثامن في الشهر وما أشبه ذلك بحيث لا يقصد بذلك وجها بعينه مما لا ينثني عنه فإذا قيل له : لم خصصت تلك الأيام دون غيرها ؟ لم يكن له بذلك حجة غير التصميم أو يقول : إن الشيخ الفلاني مات فيه أو ما أشبه ذلك فلا شك أنه رأي محض بغير دليل ضاهى به تخصيص الشارع أياما بأعيانها دون غيرها فصار التخصيص من المكلف بدعة إذ هي تشريع بغير مستند
ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصا كتخصيص اليوم بكذا وكذا من الركعات أو بصدقة كذا وكذا أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق أو بقصد يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط كان تشريعا زائدا " ا.هـ
فالتخصيص الغير مقصود كمن لا يجد وقتا لعبادة ما إلا في وقت خاص لظروف شغل أو نحوه فلا يدخل في البدعة ، لأنه لم يقصد وكذا من خطر له في وقت من الأوقات أن يتقرب إلى الله بعبادة من العبادات ثم كررها في نفس الوقت ، ولو مرارا دون تقصّد ولا تحري فلا يدخل في البدعة خلافا لما ألصقه الأستاذ بمخالفيه تشويها وتشنيعا .

ثم قال الشاطبي :
" ومن ذلك أيضا جميع ما تقدم في فضل السنة التي يكون العمل بها ذريعة إلى البدعة من حيث إنها عمل بها ولم يعمل بها سلف هذه الأمة
ومنه تكرار السورة الواحدة في التلاوة أو في الركعة الواحدة فإن التلاوة لم تشرع على ذلك الوجه ولا أن يخص من القرآن شيئا دون شيء لا في صلاة ولا في غيرها ـ فصار المخصص لها عاملا برأيه في التعبد لله
وخرج ابن وضاح عن مصعب قال : سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة : { قل هو الله أحد } لا يقرا غيرها كما يقرؤها فكرهه وقال : إنما أنتم متبعون فاتبعوا الأولين ولم يبلغنا عنهم نحو هذا وإنما أنزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء
وخرج أيضا ـ وه في العتبية من سماع ابن القاسم ـ عن مالك رحمه الله أنه سئل على قراءة { قل هو الله أحد } مرارا في الركعة الواحدة فكره ذلك وقال : هذا من محدثات الأمور التي أحدثوا" ا.هـ

ومما أجاب به عما يروجه بعضهم من تسويغ للبدع التي من هذا النوع بحجة أنها مشروعة في أصلها مبينا أن الحكم إنما يبنى على مجموع العمل بما فيه من قيد محدث فيكون العمل محدثا بالمآل
قال الصيرفي الماهر الإمام الشاطبي رحمه الله :
" فإذا كانت الصفة الزائدة على المشروع على هذه النسبة صار المجموع منهما غير مشروع فارتفع اعتبار المشروع الأصلي
ومن أمثلة ذلك أيضا قراءة القرآن بالإدارة على صوت واحد فإن تلك الهيئة زائدة على مشروعية القراءة وكذلك الجهر الذي اعتاده أرباب الزوايا ..
واعلموا أنه حيث قلنا : إن العمل الزائد على المشروع يصير وصفا لها أو كالوصف فإنما يعتبر بأحد أمور ثلاثة : إما القصد وإما بالعادة وإما بالشرع أو النقصان
أما بالعادة فكالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان فإن بينه وبين الذكر المشروع بونا بعيدا إذ هما كالمتضادين عادة وكالذي حكى ابن وضاح عن الأعمش عن بعض أصحابه قال : مر عبد الله برجل يقص في المسجد على أصحابه وهو يقول : سبحوا عشرا وهللوا عشرا : فقال عبد الله : إنكم لأهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم أو أضل بل هذه ( يعني أضل ) وفي رواية عنه أن رجلا كان يجمع الناس فيقول : رحم الله من قال كذا وكذا مرة سبحان الله ـ قال ـ فيقول القوم ويقول : رحم الله من قال كذا وكذا مرة الحمد لله ـ قال ـ فيقول القوم ـ قال ـ فمر بهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال لهم : هديتم لما لم يهد نبيكم ! وإنكم لتمسكون بذنب ضلالة
وذكر له أن ناسا بالكوفة يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوم كل رجل منهم بين يديه كوما من حصى ـ قال ـ فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد ويقول : لقد أحدثتم بدعة وظلما وقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم علما ؟ فهذه أمور أخرجت الذكر المشروع كالذي تقدم من النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة أوالصلوات المفروضة إذا صليت قبل أوقاتها فإنا قد فهمنا من الشرع القصد إلى النهي عنها والمنهي عنه لا يكون متعبدا به وكذلك صيام يوم العيد ...
وعن يونس بن عبيد أن رجلا قال للـ حسن : يا أبا سعيد ! ما ترى في مجلسنا هذا ؟ قوم من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد نجتمع في بيت هذا يوما وفي بيت هذا يوما فنقرأ كتاب الله وندعو لأنفسنا ولعامة المسلمين ؟ قال : فنهى الحسن عن ذلك أشد النهي والنقل في هذا المعنى كثير
حكى ابن وضاح عن عبد الرحمن أبي بكرة قال : كنت جالسا عند الأسود بن سريع وكان مجلسه في مؤخر المسجد الجامع فافتتح سورة بني إسرائيل حتى بلغ : ( وكبره تكبيرا ) فرفع أصواتهم الذين كانوا حوله جلوسا فجاء مجالد بن مسعود متوكئا على عصاه فلما رآه القوم قالوا : مرحبا اجلس قال : ما كنت لأجلس إليكم وإن كان مجلسكم حسنا ولكنكم صنعتم قبلي شيئا أنكره المسلمون فإياكم وما أنكر المسلمون فتحسينه المجلس كان لقراءة القرآن وأما رفع الصوت فكان خارجا عن ذلك فلم ينضم إلى العمل الحسن حتى إذا انضم إليه صار المجموع غير مشروع
ويشبه هذا ما في سماع ابن القاسم عن مالك في القوم يجتمعون جميعا فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية فكره ذلك وأنكر أن يكون من عمل الناس
وسئل ابن القاسم أيضا عن نحو ذلك فحكى الكراهية عن مالك ونهى عنها ورآها بدعة " ا.هـ

قال العلامة أبو شامة :
" ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضله الشرع وخصه بنوع من العبادة فان كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها كصوم يوم عرفة وعاشوراء ... ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلا فيه جميع أعمال البر كعشر ذي الحجة وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر فمثل ذلك يكون أي عمل من اعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر
فالحاصل أن الملكف ليس له منصب التخصيص بل ذلك الى الشارع وهذه كانت صفة عبادة رسول الله قال الحافظ البيهقي في السنن الكبير باب من كره ان يتخذ الرجل صوم شهر يكمله من بين الشهور أو صوم يوم من الأيام وساق فيه من الصحيحين حديث أبي سلمة عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وحديث علقمة قال قلت لعائشة رضى الله عنها هل كان رسول الله صلع يخص من الأيام شيئا قالت لا كان عمله ديمة
قال الأمام الشافعي وأكره ان يتخذ الرجل صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان وكذلك يوم من بين الأيام قال وإنما كرهته ليتأسى رجل جاهل فيظن ان ذلك واجب أو فعل حسن
وذكر الشيخ أبو الخطاب في كتاب أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب عن المؤتمن بن أحمد الساجي الحافظ قال كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان لا يصوم رجب وينهي عن ذلك ويقول ما صح في فضل رجب ولا في صيامة عن رسول الله شيء وقد رويت كراهة صومه عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر رضى الله عنهما وكان عمر يضرب بالدرة صوامه
قال وسئل سفيان الثوري رحمه الله تعالى عمن يقرأ قل هو الله أحد لا يقرأ غيرها يكررها فكرهه وقال إنما أنزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء وإنما انتم متبعون ولم يبلغنا عنهم مثل هذا قال محمد بن مسلمة ولا يؤتى شيء من المساجد يعتتقد فيه الفضل بعد المساجد الثلاثة إلا مسجد قباء قال وكره أن يعد له يوما بعينه فيؤتى فيه خوفا من البدعة وأن يطول بالناس زمان فيجعل ذلك عيدا يعتمد أو فريضه تؤخذ ولا بأس أن يؤتى كل حين ما لم تجيء فيه بدعة

وقال
وقرأت في كتاب شرح الجامع للزعفراني الحنفي فصلا حسنا أعجبني إثباته ههنا قال وكان يكره ان يتخذ شيئا من القرآن حتما يوقت لشيء من الصلاة وكره أن تتخذ السجدة وهل أتى على الإنسان لصلاة الفجر يقرآن كل جمعة "
ثم قال :
" وإنما كره الملازمة في قراءة السورة فأما أحيانا فمستحب لأن الحديث قد صح أن النبي صلع قرأهما في صلاة الفجر ولكن فعل ذلك لا يدل على اللزوم ا.هـ

وَقَالَ ابن الحاج فِي الْمَدْخَلِ مشيرا للبدعة الإضافية :
"وَيَنْهَى الْإِمَامُ الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّسْبِيحِ بِاللَّيْلِ ، وَإِنْ كَانَ ذِكْرَ اللَّهِ حَسَنًا سِرًّا وَعَلَنًا لَكِنْ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِعُ وَلَمْ يُعَيِّنْ فِيهَا شَيْئًا مَعْلُومًا "

وقال الإمام القرافي في هذا الشأن أيضا :
"... بِدَعٌ مَكْرُوهَةٌ ، وَهِيَ مَا تَنَاوَلَتْهُ أَدِلَّةُ الْكَرَاهَةِ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدُهَا كَتَخْصِيصِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِنَوْعٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَمِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ تَخْصِيصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ أَوْ لَيْلَتِهِ } بِقِيَامٍ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الزِّيَادَةُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ الْمَحْدُودَاتِ كَمَا وَرَدَ فِي التَّسْبِيحِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ فَيُفْعَلُ مِائَةٌ وَوَرَدَ صَاعٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ فَيُجْعَلُ عَشَرَةُ آصُعٍ بِسَبَبِ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهَا إظْهَارُ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى الشَّارِعِ ، وَقِلَّةُ أَدَبٍ مَعَهُ بَلْ شَأْنُ الْعُظَمَاءِ إذَا حَدَّدُوا شَيْئًا وُقِفَ عِنْدَهُ ، وَالْخُرُوجُ عَنْهُ قِلَّةُ أَدَبٍ وَالزِّيَادَةُ فِي الْوَاجِبِ أَوْ عَلَيْهِ أَشَدُّ فِي الْمَنْعِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْأَصْلُ ، وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ " ا.هـ
واشتهر نقله في كثير من كتب الأئمة المالكية

وقال الحافظ ابن حجر مستدركا على النووي وعلى العز بن عبد السلام :
" قَالَ النَّوَوِيّ : وَأَمَّا تَخْصِيص الْمُصَافَحَة بِمَا بَعْد صَلَاتَيْ الصُّبْح وَالْعَصْر فَقَدْ مَثَّلَ اِبْن عَبْد السَّلَام فِي " الْقَوَاعِد " الْبِدْعَة الْمُبَاحَة مِنْهَا . قَالَ النَّوَوِيّ : وَأَصْل الْمُصَافَحَة سُنَّة ، وَكَوْنهمْ حَافَظُوا عَلَيْهَا فِي بَعْض الْأَحْوَال لَا يُخْرِج ذَلِكَ عَنْ أَصْل السُّنَّة .
قُلْت : لِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَال ، فَإِنَّ أَصْل صَلَاة النَّافِلَة سُنَّة مُرَغَّب فِيهَا وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدَ كَرِهَ الْمُحَقِّقُونَ تَخْصِيص وَقْت بِهَا دُون وَقْت ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ تَحْرِيم مِثْل ذَلِكَ كَصَلَاةِ الرَّغَائِب الَّتِي لَا أَصْل لَهَا " ا.هـ
مع أن العز قرر كما سبق في الفتاوى بدعية المصافحة

وقال صاحب كشف الأسرار شرح أصول البزدوي في توضيح البدعة

" وَكَذَا الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لِلْعَبْدِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ التَّكْبِيرِ بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِكَوْنِهِ بِدْعَةً ..
وَمَا كَانَ سُنَّةً فِي وَقْتِهِ كَانَ بِدْعَةً فِي غَيْرِ وَقْتِهِ فَلَا يقضى .

الأدلة على منع البدع ولو كانت إضافية :

جل ما سبق بل كله وما سيأتي في التطبيقات دال على المنع من البدع الإضافية بجلاء بل هذا الرد بكامله في هذه الناحية
ومن الأدلة ما رواه أنس رضي الله عنه في الثلاثة رهط الذين استقلّوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم:
" أما أنا أصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا اصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا
فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " أنتم قلتم كذا وكذا أما والله وإني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفكر ,اصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني "

فالإكثار من الصلاة والصوم جاءت النصوص العامة تحث عليه وكذا التفرغ من ملاذ الدنيا والإقبال على الطاعة للتكثر من العبادات ولكن كل هذا لما كان مخالفا لما كان عليه عمله صلى الله عليه وسلم كان العمل بتلك النصوص العامة بدعة ضلالة
وترك الزواج مباح في قول جماهير أهل العلم لاستحبابه في الأصل عندهم ، والسعي للتفرغ للعبادة والطاعة أمر مطلوب شرعا دلت عليه كثير من النصوص العامة ، ولكن لما كان في مجموع هذا مخالفة للسنة ، وكان ترك الأول إنما كان سببا لتحقيق الثاني وهذا من المبالغة كان العمل بتلك النصوص العامة بدعة فأين ما يشترطه المخالف من مخالفة النصوص ؟
وتأمل كيف كان هذا النوع من العبادة المأمور بها يحمل في حقيقته رغبة عن السنة ومخالفة للسنة وإعراضا عن السنة بينما ظاهره إقبال ومنه تعلم أن العبادة إن لم تكن على السنة فهي ضلال

ويدل على أن فعل العبادة ( المشروعة من حيث أصلها ) يكون بدعة إذا أضيف إليه قيد محدث من تخصيص لمكان أو نحوه وأن هذا كان ممنوعا وأن المنع أصل ثابت ، الذي يدل على هذا ما جاء عَنْ أَنَسٍ قَالَ
قَالَ عُمَرُ :
وَافَقْتُ رَبِّى فِى ثَلاَثٍ ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) ...
رواه البخاري
و عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، سمع جابرا ، يحدث عن حجة النبي ، صلى الله عليه وسلم قال : لما طاف النبي صلى الله عليه وسلم قال له عمر : هذا مقام أبينا إبراهيم ؟ قال : « نعم » قال : أفلا تتخذه مصلى ؟ ، فأنزل الله تعالى : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى

فعمر رضي الله عنه لم يجرؤ على اتخاذ المكان خلف المقام مصلى يخصه بالصلاة حتى جاء واستأذن النبي ص في ذلك ولم يجبه النبي ص حتى نزل الوحي .
فكيف يقال إن هذا التخصيص الذي خطر في بال عمر هو مستحب من الأصل ولا يحتاج إلى دليل خاص لعموم الأدلة التي تحث على الإكثار من السجود ؟
إذًا لماذا جاء يستأذن النبي ولماذا انتظر النبي الوحي ؟
ما ذاك إلا لأنه ممنوع في الأصل والحديث ظاهر في ذلك

وقد تنوعت النصوص للدلالة على أن مجرد كون العمل عبادة لا يعني أنه يكون عبادة دائما ، بل متى ما أضيف إليه قيد مخالف للسنة فإنه يفقد شرعيته ، لأن الحكم إنما على مجموع العمل بما اتصل به من قيد ،
فقراءة القرآن من أعظم القربات إلى الله ، ولكن في حال الركوع تكون القراءة منهيا عنها بسبب هذا القيد ، ولا يقال القرآن في نفسه منهي عنه وإنما النهي بما دخله من قيد الركوع أو السجود كما جاء النص بذلك ، ولا يقال أيضا كيف تكون قراءة القرآن حراما ، فهذا اعتراض خاطئ لأن الذي نقل لنا القرآن هو الذي قال بحرمته أو كراهته في هذه الحال
وأيضا الصلاة أعظم أعمال الإسلام لكن إن أديت قبل الغروب أو حال الشروق كانت منهيا عنها لقيد الوقت ليس إلا وهذا منصوص عليه
أيضا إذا خصت ليلة الجمعة بالصلاة أصبحت منهيا عنها لهذا القيد لا بالنظر إلا أصلها
أيضا غسل أعضاء الوضوء بالماء رفعا للحدث هو من أطهر الطاعات لكن إن تجاوز العدد المسنون أصبح منهيا عنه لا باعتبار أصله وإنما لهذا القيد وهو الزيادة على العدد المشروع وفي هذا جاء النهي
أيضا الصوم من أفضل القربات وجنة للعباد ، لكن فعله يوم العيد أو يوم الشك على وجه الاحتياط هو منهي عنه ، لا باعتبار أصله ولكن لقيد الزمان وفيه جاءت النصوص
وهكذا كل العبادات التي نهى الشارع عنها باعتبار ما يطرأ عليها من قيود لا باعتبار أصلها .
فلا يقال كيف تكون الصلاة التي أمر الله بها حراما أو كيف يكون الصيام أو قراءة القرآن ونحوها من الطاعات كيف تكون هذه العبادات محرمة ؟
فهذا كلام من لم يَعِ هذا الباب ، وكلام من يردّ الدليل الظاهر بغير دليل .
ومن ذلك ما يطرأ من قيود نهى الشارع عنها بالعموم بحيث كلما اتصلت بعبادة أخرجتها عن أصلها من كونها مشروعة إلى كونها إما محرمة أو مكروهة .
كفعلها رياء ، أو فعلها في ظرف يصرف صاحبها عن استشعار شيء من معانيها من شدة انهماك بغرض يحول بين العبد وبين استحضار قلبه كلية حتى يكون أشبه بالذي يدافع الأخبثين ونحو هذا من أحوال
أو فعلها على وجه يجر إلى منكر أشد من مجرد ترك العبادة في ذلك الظرف
إلى غير هذه القيود التي نهى الشارع عنها بالعموم ومع هذا فقيام قيد منها بالعبادة يصيرها ممنوعة خلافا للأصل
وهنا نقول وكذلك كل قيد محدث من تخصيص مكان لم يخصه الشارع ، أو زمان أو عدد أو هيئة لأي عبادة ، فإن هذا القيد المحدث يُصيّر تلك العبادة ممنوعة ، للنصوص التي حرمت الإحداث والابتداع بالعموم .
وبعد هذا فلا ينبغي أن نستشكل تحريم العلماء للدعاء جماعة دبر كل صلاة ولا نقول كيف يكون الدعاء الذي أمر الله به محرما ؟
وإنما نفهم أن العلماء لم يحرموه لأنه دعاء ، ولكن للقيد المحدث الذي هو مخالف للسنة ، فالاجتماع في وقت لم يخصه الشارع هو من المحدثات التي نهى عنها الشارع
وعليه فتحريم العبادة لأجل وقت محدث أو مكان محدث أو عدد محدث هو أمر تشهد له عشرات النصوص ولا ينكره إلا من لم يعرف تلك النصوص ومقصد الشارع منها
فلماذا لم يستشكل هذا المعترض تحريم النبي ص للصيام في اليوم الذي يلي يوم التاسع والعشرين من شوال ولم يستشكل النهي عن قيام ليلة الجمعة تخصيصا مع أن الصوم والصلاة مأمور بهما في النصوص العامة
فلا شك للأدلة الواردة في النهي
ونحن نقول أيضا الدعاء بعد كل صلاة جماعة والأذان يوم العيد وغيرها من المحدثات ينبغي ألا نستشكل النهي عنها فقد نهت الأدلة عنها عندما نهت عن كل محدث ويكفي أن السلف والعلماء أجمعوا على إنكار كثير من العبادات الثابتة بالنصوص العامة لأجل ما أضيف إليها من محدثات ، كإنكارهم الأذان يوم العيد والاجتماع على الذكر بصورة جماعية مرتبة مداومة وكالمداومة على صلاة النافلة جماعة ، وكذكر الله بالألحان المطربة وغيرها كثير جدا
وحتى تتيقن أخي الكريم فإني أرفقت هذا الرد بأكثر من مائة وخمسة عشر نقلا أكثرها عن السلف وبعضها عن الأئمة من بعدهم ، كلها تقرر المنع من البدعة الاضافية لعشرات المسائل بلغت أكثر من خمس وخمسين مسألة ورتبتها حسب الحدث المضاف وجلها صحيح من حيث الرواية ، ولم أعتمد في مسألة على أثر ضعيف فإنه إذا كان ضعيفا أذكره استئناسا وهو مع هذا قليل .

ولكن قبل إيراد هذه التطبيقات السنية والتي سأرجئ نقلها إلى آخر الرد أذكر بعض الآثار والأقوال عن السلف التي تظهر حجم البدع في العبادات عندهم وتبين شدة نكارتها لديهم ، وتجلّي أن التهوين من البدع الإضافية ذات الإحداث في العبادات التي أصلها مشروع هو تهوين مناف لمذهب الصحابة والسلف الذين يصنفون الابتداع من هذا النوع من أخطر الأعمال ويشددون على من يقع فيه .
فبالله عليك أخي القارئ تأمل هذه الآثار التي سأنقلها هنا عن السلف الصالح وبالله عليك انظر ما اشتملت عليه من تغليظ وتشديد في الانكار وزجر ، بل وتعزير وفي نفس الموضوع الذي نتكلم عليه( بدع العبادات ) كرفع اليدين على المنبر والجهر بالبسملة وكالتعريف يوم عرفة وكالتثويب للصلاة في غير الوارد وكأذان الجمعة الأول وكالاعتكاف في غير المسجد وكرفع الصوت مبالغة بالذكر .

روى وكيع في ((كتابه )) عن هشام بن الغاز ، قال : سألت نافعاً عن الأذان يوم الجمعة ؟ فقالَ : قالَ ابن عمر : بدعةٌ ، وكل بدعة ضلالة ، وإن رآه الناس حسَناً .
يعني الأذان الأول
وهذا إسناد صحيح
وقال الحافظ ابن رجب في الفتح :
" وقد روي عن ابن عباس ، أنه سئل عن اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ؟ فقال : بدعة ، وأبغض الأعمال إلى الله البدع ، لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة "
وفي الفروع لابن مفلح
" لِمَا رَوَاهُ حَرْبٌ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ نَفْسِهَا فِي بَيْتِهَا ، فَقَالَ : بِدْعَةٌ ، وَأَبْغَضُ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ الْبِدَعُ ، فَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ "
وعَن ابن عَبْد الله بْن مغفل ، قَالَ :
سمعني أَبِي وأنا فِي الصلاة أقول : " بسم الله الرحمن الرحيم " .
فَقَالَ : أي بني ، محدث ، إياك والحدث . قَالَ : ولم أرأحداً من أصْحَاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أبغض إليه الحدث فِي الإسلام - يعني : مِنْهُ - قَالَ : وقد صليت مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ومع أَبِي بَكْر ومع عُمَر ومع عُثْمَان ، فَلَمْ أسمع أحداً منهم يقولها ، إذا أنت صليت فقل : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .
وقرر حسنه ابن رجب في الفتح له كما يدل عليه سياق كلامه بشكل واضح
عن عبد الله بن أبي الهذيل العنزي قال :
كنا جلوسا مع عبد الله بن خباب بن الأرت وهو يقول : سبحوا كذا وكذا ، واحمدوا كذا وكذا ، وكبروا كذا وكذا . قال : فمر خباب فنظر إليه ثم أرسل إليه فدعاه ، فأخذ السوط فجعل يضرب رأسه به وهو يقول : يا أبتاه ، فيم تضربني ؟ فقال : مع العمالقة ، هذا قرن الشيطان قد طلع ، أو قد بزغ

عن سعيد بن السيب أنه رأى رجلا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيها الركوع والسجود فنهاه فقال يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة قال لا ولكن يعذبك على خلاف السنة

وذكر أشهب عن مالك أنه قال في حلق الشارب هذه بدع وأرى أن يوجع ضربا من فعله
وروى البيهقي عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال ذكر مالك بن أنس إحفاء بعض الناس شواربهم فقال مالك ينبغى أن يضرب من صنع ذلك ثم ذكر أنها بدعة ظهرت
وروى ابن أبي شيبة في رفع اليدين على المنبر فقال
حدثنا ابن نمير وأبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال رفع الإمام يوم الجمعة يديه على المنبر فرفع الناس أيديهم فقال مسروق : قطع الله أيديهم
حدثنا ابن إدريس عن حصين عن عمارة بن رويبة قال رأى بشر بن مروان رافعا يديه على المنبر فقال قبّح اللهُ هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيديه هكذا وأشار بأصبعه المسبحة.

وفي أسنى المطالب من كتب الشافعية
قال عن المبالغة في رفع الصوت بالصلاة على النبي في الخطبة
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ .. الرَّفْعُ الْبَلِيغُ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامّ فَإِنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ بَلْ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ
قال الشاطبي عن التثويب في غير ما ورد فيه :
" فتأمل كيف منع مالك من إحداث أمر يخفى شأنه عند الناظر فيه ببادىء الرأي وجعله أمراً محدثاً ، وقد قال في التثويب : إنه ضلال ، وهو بين ، لأن :
" كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ولم يسامح للمؤذن في التنحنح ولا في ضرب الأبواب ، لأن ذلك جدير بأن يتخذ سنة ا.هـ

قال الشاطبي

" وأيضا فمن شنع على المبتدع بلفظ الابتداع فاطلق العبارة بالنسبة إلى المجتمعين يوم عرفة بعد العصر للدعاء في غير عرفة ـ إلى نظائرها ـ فتشنيعه حق " ا.هـ
قال أبو شامة
وروى المالكي في كتاب رياضة النفوس أن يحيى بن عمر الفقيه الأندلسي كان يعبر في القيروان على موضع ناس حاكه فإذا كانت أيام العشرين يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل فنهاهم فلم ينتهوا وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال فدعا الله عليهم ثم انقرضوا وخربت ديارهم برهة من الزمان

وقال ابن وضاح حدثني عن موسى ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، عن همام بن الحارث التيمي ، قال : « لما قص إبراهيم التيمي أخرجه أبوه من داره وقال : ما هذا الذي أحدثت ؟ »

وَقَالَ رَجُلٌ لِإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيِّ : خَاصَمَنِي رَجُلٌ ، فَقَالَ لِي يَا سِفْلَةُ ، فَقُلْت وَاَللَّهِ مَا أَنَا بِسِفْلَةٍ ، فَقَالَ إبْرَاهِيمُ هَلْ تَمْشِي خَلْفَ النَّاقَةِ وَتَصِيحُ يَا مَعْلُوفُ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ : لَا ، فَقَالَ هَلْ تَصِيحُ " الصَّلَاةَ الْإِقَامَةَ " قَالَ لَا ، قَالَ : لَسْتَ بِسِفْلَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ ا.هـ
يريد لو كنت تفعل هذه البدعة لكنت من السفلة
وأنا أبين مراده الظاهر ولا أحكم من عندي
وفي شرح العمدة لشيخ الإسلام :
" وعن أبي العالية قال كنا مع ابن عمر في سفر ونزلنا بذي المجاز على ماء لبعض العرب فحضرت الصلاة فأذن مؤذن ابن عمر ثم أقام الصلاة فقام رجل فعلا على رحل من رحالات القوم ثم نادى بأعلى صوته الصلاة يا أهل الماء الصلاة فجعل ابن عمر يسبح في صلاته حتى إذا قضت الصلاة قال ابن عمر من الصائح بالصلاة قالوا أبو عامر يا أبا عبد الرحمن فقال له ابن عمر لا صليت ولا تليت أي شيطانك أمرك بهذا أما كان في الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم والصالحين ما أغنى عن بدعتك هذه إن الناس لا يحدثون بدعة وان رأوها حسنة إلا أماتوا سنة فقال رجل من القوم إنه ما أراد إلا خيرا يا أبا عبد الرحمن فقال ابن عمر لو أراد خيرا ما رغب بنفسه عن سنة نبيه والصالحين من عباده رواه ابن بطة " ا.هـ
وأختم النقول بكلام لابن رجب عن الذين يضبطون أبواب الشرع بضوابط محدثة ، كما يفعل مروجوا البدع بمفهوم البدعة ، الذين يحرصون على تشويه هذا الباب بآرائهم المحدثة
قال العلامة ابن رجب :
" ومن ذلك أعني محدثات العلوم ما أحدثه فقهاء أهل الرأي من ضوابط وقواعد عقلية وردِّ فروع الفقه إليها. وسواء أخالفت السنن أم وافقتها طرداً لتلك القواعد المقررة وإن كان أصلها مما تأولوه على نصوص الكتاب والسنة لكن بتأويلات يخالفهم غيرهم فيها وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام على من أنكروه من فقهاء أهل الرأي بالحجاز والعراق: وبالغوا في ذمه وإنكاره.
فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولا به عند الصحابة " ا.هـ

فهاهم السلف والأئمة من بعدهم وهذا والله غيض من فيض
هاهم يعلنون ألوان النكير على من يفعل هذه البدع التي لا تخرج عن كونها من البدع الإضافية والتي روج لها الأستاذ وعنف على من ينكرها
فمنهم من يرى ضرب الفاعل ومنهم من يطرده ولو كان ابنه ومنهم من يباشر الضرب ومنهم من يدعوا على الفاعل دعاء شديدا ومنهم من يحرض على التبديع والتشنيع في حق من يفعلها ومنهم من يشبّه ظهورها بقرن الشيطان ناهيك عن التقبيح والزجر والأوصاف المنفرة
وهذا كما ذكرت لك غيض من فيض


سابعا : استدل الأستاذ على جواز التخصيص لأي عبادة بأي وقت بحديث بلال بن رباح

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِبِلاَلٍ عِنْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ « يَا بِلاَلُ حَدِّثْنِى بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِى الإِسْلاَمِ ، فَإِنِّى سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَىَّ فِى الْجَنَّةِ » . قَالَ مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِى أَنِّى لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِى سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلاَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِى أَنْ أُصَلِّىَ .

فقال الأستاذ ها هو بلال خصص الصلاة بحال الوضوء ولم ينكر عليه النبي ص وعليه فلا حرج على أي أحد أن يخصص أي عبادة بأي وقت أو مكان
والجواب عليه بسؤاله :
أين في الحديث أن ما فعله بلال كان من عنده ومن تلقاء نفسه وليس عن دليل شرعي سابق ؟
أين ما يدل على أنه محدث من عند بلال ؟
وسؤال النبي ص له لا يوحي بأنه سأله عن شيء جديد غير معمول به عند غير بلال ؟
بل قوله : " أرجى عمل عملته في الإسلام " ظاهر منه السؤال عن جنس العمل الشرعي المعهود المنصوص عليه في الكتاب والسنة مما يعمله بلال والذي يريد النبي أن يعرفه تحديدا من بلال نفسه وما الذي يظنه بلال منها في أنه كان من الأسباب الرئيسية لتقدمه في الجنة من بين جملة الطاعات التي يقدمها بلال والجواب إنما كان عن هذا
فلو قال الأستاذ معترضا بأن بلالا أجابه بما أحدثه من عنده مما لم يسبق أن جاء به النص لكان جوابه هذا مجرد دعوى تخالف أصل الرواية حملا للجواب عن جنس المسؤول عنه
ولجاز لنا أيضا أن ندعي أنه أجابه بما كان يعمله من السنن المنصوص عليها بنصوص خاصة
وأنبه إلى أن الأستاذ حذف شطر الحديث الذي يدل على ما ذكرت وهو قوله :
" يَا بِلاَلُ حَدِّثْنِى بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِى الإِسْلاَمِ " حذفه الأستاذ الداعية إلى الله حتى لا يشوش على استدلاله وأتى بلفظ آخر ونسبه للبخاري وهو قوله :
" بم سبقتني إلى الجنة يا بلال ؟ فقال : يا رسول الله لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا ..." مثل بقيته .
وهذا سياق ملفق بين لفظ أبي هريرة كما هو الشطر الثاني وبين لفظ بريدة كما هو شطره الأول وليس في البخاري كما نقل الأستاذ والدليل على أن هذا التلفيق لم يكن منقولا وإنما معمولا أنه لا يوجد هكذا في المصادر المسندة فليذكر لنا الأستاذ من أين أتى به هكذا ملفقا ولماذا نسبه للبخاري وهو لا يوجد فيه ؟
وإذا علمنا أن ما فعله بلال من صلاة بعد كل وضوء هو من السنن الثابتة بالنصوص الخاصة وقد وردت فيه روايات مرفوعة تستحبه بطل احتجاج الأستاذ من أصله ، وتأكد ما ذكرته من أن النبي إنما سأله عن العمل الذي يظن بلال أنه سبب ما من الله به عليه من تقدمه في الجنة لا أن النبي إنما سأله عن عمل مجهول من أصله
فروى البخاري ومسلم من حديث عثمان قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ »
وروى أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة
من طريقين عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من توضأ ثم صلى ركعتين لا سهو فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه »
ومن طريق محمد بن أبان ، عن زيد بن أسلم نحوه
وهو جيد بطريقيه
وروى أبو يعلى كما في المطالب العالية والطبراني في الدعاء وغيرهما بإسناد حسن
عن أبي الدرداء رضي الله عنه : قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » من توضأ ثم قام فصلى ركعتين ، أو أربع ركعات مكتوبة أو غير مكتوبة ، أتم فيها الركوع والسجود ، ثم يستغفر الله ، إلا غفر الله له «
وروي من حديث معاوية مرفوعا
فما قام به بلال لم يكن من عنده وليس بمحدث بل عنده فيه دليل إلا أن يقول الأستاذ إن بلالا فعله قبل ورود الأحاديث وأنه هو الذي أحدث هذا التخصيص
فعندها سنقول له : لم يعد الكلام علميا ! فبِوحي عرفتَ هذا أم بإلهام أم برؤيا منام ؟
وسبحان الله حرصُ مخالفنا على الاستدلالات الواهية يجسد لك قدر المعاناة التي يعيشها بسبب ضعف الحجة
مع أنه ولو لم يصح شيء من الأحاديث التي دلت على استحباب السنة الخاصة للصلاة بعد كل وضوء فليس في الحديث دليل للأستاذ لأن عدم علمنا بمستند بلال الخاص لا يعني أنه لا دليل وأنه أحدث ذلك من عنده
وسياق الحديث لا يدل على أن ما فعله بلال كان من عنده دون نص فلا حجة في الحديث ولو لم تصح تلك الروايات فكيف وهي صحيحة مع أن إقرار النبي وحده كاف لمنع القياس لو ثبت فعلا أن ما فعله بلال كان من محض اجتهاده.

ـ أما استدلال الأستاذ بحديث خبيب وصلاته ركعتين قبل أن يُقتل فهو لا يقوم على ساق
أين التخصيص ؟
صراحة هذا كلام من لا يعرف التخصيص ، فالقتل يحصل مرة و لا يتكرر ، وخبيب لم يبين أنه قصد معنى التخصيص ، فمن أين اعتبرناه قد خصص ؟
رجل سيترك الدنيا ماذا سيطلب ؟
جاءت النصوص تحض كل مسلم على أن تكون خاتمته حسنة فنظر خبيب فوجد من أنسب الأعمال التي تناسب وضعه هو صلاة ركعتين فما أظن من المناسب أن يقول لهم اتركوني إلى موسم الحج حتى أحج ثم اقتلوني !!
وعلى فهمك يا أستاذ لو لم يُصلّ خبيب وقرأ قرآنا مثلا لقلت ها قد خصص ! أو تصدق على أحد المستضعفين من مسلمي مكة لقلت قد خصص
وعليه فاتك أن تستدل أيضا بدعائه على الكفار فتقول خصص الدعاء بالقتل !
وأيضا فاتك أن تستدل بعثمان فقد قتل وهو يقرأ القرآن ويعلم أن القوم قاتلوه من خلال ما كان يشاهده من تدهور أمر الحصار وما آل إليه ومن خلال الرؤيا التي رآها يومها فهو أيضا قد خصص
ثم يا أستاذ ! الحجة أين ؟ فيما فعله خبيب ؟ أم فيما قرره النبي ؟
فإقراره صلى الله عليه وسلم هو الذي سن به لكل من حصل له ما حصل لخبيب أن يفعل مثله
قال العلامة القسطلاني في "إرشاد الساري" :
"وإنما صار فعل خبيب سنةً، لأنه فعل ذلك في حياة الشارع - صلى الله عليه وسلم - واستحسنه".
وقال أيضاً:
"وإنما صار ذلك سنةً، لأنه فعل في حياته - صلى الله عليه وسلم - فاستحسنه و أقره".
وقال أيضاً:
"واستُشكل قوله: "أول من سن"، إذ السنة إنما هي أقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وأحواله، وأجيب بأنه فعلهما في حياته - صلى الله عليه وسلم - واستحسنهما"انتهى كلام القسطلاني.
قال أبو غدة ( وهو على شرط الأستاذ ) :
" وواضح من حديث أبي هريرة وقصة قتل خبيب فيه : أن لفظ ( السنة) ولفظَ ( سن) معناه: الفعل المشروع المتبوع في الدين، وعلى هذا فلا يصح لمتفقهٍ أن يستدل على سنية صلاة الركعتين عند القتل، بأن الحديث جاء فيه لفظ "سن"، فتكون صلاتهما سنةً مستحبةً، لأن حكم السنية لصلاة ركعتين هنا استفيد من دليلٍ آخر خارج لفظ "سن" بلا ريب وهو إقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفعله)

ـ أما استدلاله بحديث رفاعة بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِىِّ

قَالَ : كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّى وَرَاءَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ « سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ » . قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ « مَنِ الْمُتَكَلِّمُ » . قَالَ أَنَا . قَالَ « رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا ، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ »

قال الأستاذ :
" رفاعة بيصلي وراءه قال ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه
أي الكلام ده ... ولا سيدنا محمد قال له بتعمل حاجة من عندك جُوّا الصلاة "
وانطلق الاستاذ يستدل به على جواز إحداث ذكر عند الرفع من الركوع وبالتالي على جواز الإحداث في الدين مادام أصل العمل مشروعا ونقل كلاما لابن حجر أوهم أنه يتبناه بينما هو ينقله عن غيره بصورة الابهام " واستُدِلّ "
طبعا صاحب المهنة لا يترك مهنته في العادة ، ولقد أثبت الأستاذ أنه حفظ الدرس جيدا فلم يسه عما اعتاده من مخالفة للأمانة العلمية فساق رواية من روايات حديث رفاعة وتصرف فيها وضرب صفحا بالروايات الأخرى التي تبطل استدلاله
والرواية التي ساقها الأستاذ أقرب إلى طريق علي بن يحيى عن أبيه يحيى بن خلاد الزرقي عن عمه رفاعة بن رافع به
وليس فيها أن القائل هو رفاعة مما يدل على أن الأستاذ كان يعلم بالروايات الأخرى !
ولا فيها أن القائل قال ذلك وهو يصلي فهذا قد اختلفت فيه الروايات كما سيأتي
فمما أخفاه الأستاذ عن المشاهد من الروايات المهمة لنفس الحديث
ما رواه قتيبة بن سعيد وتابعه سعيد بن عبد الجبار كلاهما قال نا رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع عن عم أبيه معاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه رفاعة قال :
صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطست فقلت الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَيْنَ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلاةِ ؟ ... الحديث وهذا هو المحفوظ من رواية معاذ بن رفاعة
وهذه الرواية إسنادها جيد
وليس فيه أنه قال ذلك حين الرفع من الركوع ، وفي هذه الرواية أنه قالها حين عطس ولم يقلها من باب الذكر للرفع من الركوع
ويؤيد هذه الرواية ما رواه شَرِيكٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ :
عَطَسَ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ فِى الصَّلاَةِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ حَتَّى يَرْضَى رَبُّنَا وَبَعْدَ مَا يَرْضَى مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا ...الحديث
غير أن شريكا ضعيف واضطرب فيه فقد رواه بغير هذا الوجه
وقال الترمذي بعد أن ساق حديث رفاعة بلفظ العطاس :
" وَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ فِى التَّطَوُّعِ لأَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ قَالُوا إِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فِى الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ إِنَّمَا يَحْمَدُ اللَّهَ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُوَسِّعُوا فِى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ "
فتأمل منع هؤلاء العلماء من السلف للتوسع ولو بالحمد في أثناء الفرض وهذا يصادم استدلال الأستاذ .
وحديث رفاعة فيه اختلاف من جهتين :
من جهة القائل للحمد ، ففي الأولى أنه رجل غير رفاعة كما هو ظاهرها
وفي الثانية أنه رفاعة نفسه
ومن جهة سبب الحمد ، ففي الرواية الأولى لم تذكر سببا سوى أنه تزامن مع التسميع ، وفي الثانية أنه حمد بسبب العطاس دون مناسبة التسميع
وجاءت رواية غير محفوظة عند البزار من طريق رفاعة بن يحيى عن معاذ بن رفاعة
وفيها ذكر وجه ثالث : بأن الرجل كان داخلا للمسجد والجماعة يصلون فقال الذي قاله بعد الرفع من الركوع ولفظه غير واضح هل هو حمد لإدراكه الصلاة قبل أن يدخلها كما في بعض روايات أنس الآتية ؟ أم بعد دخوله الصلاة كذكر للرفع ؟
وعلى كل هذه الرواية الثالثة التي رواها البزار شاذة غير محفوظة من طريق رفاعة بن يحيى وهي خليط من مجموعة روايات وتفرد بها راو دون من هو أوثق منه
وبينما اختلفت الروايات عن رفاعة نجد أن أنسا رواه بعيدا عن هذه الصورة من الاختلاف ومن طرق أقوى وأكثر وهو عند مسلم ، ولا يتردد الناظر في جميع الطرق بأنها الأصح في الباب وهي تمثل الوجه الثالث لأصل الخبر بالنسبة للروايات المحفوظة نسبيا

ففي صحيح مسلم وغيره عن جمع منهم قَتَادَةُ وَثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ كلهم وغيرهم عَنْ أَنَسٍ أنه قال :
إنَّ رَجُلاً جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلاَتَهُ قَالَ « أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ ». فَأَرَمَّ الْقَوْمُ فَقَالَ « أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا ». فَقَالَ رَجُلٌ جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِى النَّفَسُ فَقُلْتُهَا. فَقَالَ « لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَىْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا ».
كذا رواه مسلم في صحيحه
وبالنظر في الروايات عن أنس نجد التالي :
ـ أن قتادة وثابتا وحميدا قد اتفقوا في الرواية عن أنس بأن الرجل قد جاء إلى المسجد والناس يصلون ولم يشهد تكبيرة الإحرام معهم
ـ وأنه قال تلك الصيغة من الحمد من أول انضمامه في الصف
ـ واتفقوا على عدم ذكر الرفع من الركوع ولا التسميع
ـ ووجدنا أن رواية حميد المحفوظة عنه ولا يصح عنه سواها ذكرت أن ذلك الحمد كان قبل دخوله الصلاة وقبل تكبيره كما هو ظاهر اللفظ المحفوظ عنه فهو على هذا من باب الحمد على إدراك الصلاة ولفظه :
" حميد عن أنس وفيه : فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الصَّفِّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ " .
ـ ووجدنا أن لفظ قتادة الذي جاء في كل الروايات المفردة والتي لم تسق روايته مقرونة لا مع ثابت ولا مع حميد وهو المحفوظ عنه هو أقرب لرواية حميد وأن الرجل قال الذي قاله عند انضمامه إلى الصف على إجمال في هذا ولفظه :
" قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- فِى الصَّلاَةِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ ".
فظاهره أنه قال ذلك بمجرد دنوه من الصف ومشاهدته للقوم يصلون
ـ ووجدنا أن لفظ ثابت الذي لم يرد في أي رواية مفردة لا عن حميد ولا عن قتادة وإنما جاء في جل الروايات المقرونة التي تواجد فيها ثابت سواء التي قرن فيها ثابت مع قتادة فقط أم التي قرن فيها مع حميد وقتادة ، كلما وجد ثابت وجد هذا اللفظ
وهذا يدل كما يعرف هذا المتخصصون المشتغلون عمليا بتحقيق الروايات على أنه لفظ ثابت وحده وهو كالتالي :
عن أنس أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا إذ جاءه رجل فدخل المسجد وقد حفزه النفس فقال الله أكبر الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه
وهذا اللفظ يدل على أن تلك المقالة في الحمد إنما قالها الرجل بعد تكبيرته للإحرام ولهذا استدل به أبوداود في سننه والنسائي في السنن وابن خزيمة في صحيحه ثلاثتهم في باب دعاء الاستفتاح على أنه يقال بعد تكبيرة الإحرام
ولهذا صح عن ابن طاووس عن أبيه أنه كان إذا استفتح الصلاة قال : الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه
وبهذه الصورة من مقابلة الروايات نجد أن القول بأن الأقرب إلى الصحة في حديث أنس هو قولها قبل التكبير قول له حظ من النظر باعتباره ظاهر روايتي حميد وقتادة
وعلى أي ترجيح فحديث أنس أصح من حديث رفاعة لأنه لا اختلاف حقيقي بين الروايات في حديث أنس وإنما هو اختلاف دقيق في مفهوم سياق على آخر
بينما حديث رفاعة فالاختلاف فيه بيّن
وكل الروايات من حديث أنس ومن حديث رفاعة من طريقيه عن رفاعة بن يحيى عن معاذ بن رفاعة عن أبيه كلها أخفاها الأستاذ
بل وهناك رواية صحيحة من حديث الصحابي وائل بن حجر وفيها أن الرجل كان قد دخل والناس يصلون مؤكدا رواية أنس غير أن لفظه مجمل لم يبين أنه قالها بعد دخوله الصلاة أم قبل دخولها
وقد جاء في لفظ من ألفاظه أنه قال عبارة الحمد عندما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم آخر آيات الفاتحة
وجاءت رواية عن ابن عمر وهي ضعيفة غير محفوظة وكذا رواية عن عبد الله بن عمرو وكلاهما روايات واهية
وهذه الروايات المحفوظة السابقة كلها أخفاها الأستاذ على القارئ لأسباب متنوعة ترجع جميعها إلى غياب الأمانة العلمية وضعف الوازع الديني والإيماني
وأنا لا أطالب الأستاذ ببحث علمي يفصل به ألفاظ الروايات ولكن يبين بصورة مجملة أن هناك اختلافا ولا ينتقي ما يتماشى مع رأيه ويدفن ما يخالفه
ـ فهو أخفاها جميعها لأنَّ نقلها للمشاهد يفسد عليه مهمته ويبين أن الوجه الذي استدل به لا يوجد ما يرجحه على غيره بل غيره أقوى منه فيعود استدلاله غير مسلم به وقد يكون مرجوحا
ـ هو أخفاها جميعها لأنها تبين بشكل واضح أنه لا يوجد ما يدل على أن القائل لتلك الصيغة من الحمد كان يخصصها بفعل من أفعال الصلاة ويداوم عليها بل بعض الروايات التي أخفاها تدل على أنه دعاء عارض بسبب إدراكه للصلاة بعد سعيه لإدراكها وتمكنه من ذلك مما دفعه للحمد بتلك الصيغة وهذا أمر لا أحد يمنع منه
وعلى كل فبالنظر إلى مجموع الروايات لا يستطيع كائنا من كان أن يدعي أن الرجل كان يقول تلك الصيغة على سبيل التخصيص
بل ابتدار الملائكة لها أيهم يُبلّغها هو دليل قاطع على أنه يقولها لأول مرة وإلا فأي معنى حصل يومها ولم يكن فيما سبق ؟!!

وبعد عرض الروايات التي دفنها الأستاذ مجانبة للأمانة نسأله أسئلة واضحة ووجيهة
هذا الصحابي الذي حمد الله بصيغة جعلت الملائكة تبتدر رفعها
هل كان مداوما على ذلك قبل أن يمدح النبي عبارته ويخبر عن ابتدار الملائكة لها ؟
وما هو الدليل على أنه كان مداوما على ذلك إن كنت تقول به ولا نريد تكهنات ولا دعاوى ولا رمي للكلام بالمزاج ؟
وكيف نفعل بالروايات التي دلت على ضد ما تقول وسبقت ؟
وأين كانت الملائكة قبل ذلك اليوم ؟!
فهل يعقل أن تغيب الملائكة على رسول الله وصحابته في صلاتهم طول الفترة التي تزعم أنه كان مداوما فيها وهي لا تغيب مطلقا عن أي اجتماع فيه طاعة لله ؟!
وكيف رجح الأستاذ أن ذلك الحمد بتلك الصيغة الخاصة كان من الرجل وهو في الصلاة رافعا من ركوعه وعلى سبيل الذكر الخاص بالرفع من الركوع ؟ مع عدم ورود هذا بشكل صريح أعني قولها وهو داخل الصلاة ؟ ومع مجيء أكثر الروايات بخلافه إن سلمنا ومنها ما هو أصح قطعا ؟!
فماذا نفعل بالرواية التي تقول بأنه قالها بسبب عطاسه وهي لا تقل صحة عن رواية الأستاذ باعتبارها رواية ابن رفاعة ؟!
وماذا نفعل بالرواية التي ذكرت أنه قالها في محل دعاء الاستفتاح
أو الرواية التي ظاهرها في أنه قالها عند قيامه في الصف قبل تكبيره
أو الرواية التي ذكرت أنه قالها عند ختم فاتحة الكتاب ؟!
بأي شيء تركت كل هذه الروايات ؟

وأخيرا هب أيها الأستاذ أنه لا توجد كل هذه الروايات التي دفنتها
أين في الرواية التي استنْدتَ إليها أن ذلك الرجل كان مداوما عل ذلك اللفظ من قبل حتى يصح قولك أنه خصص من عنده فالثناء العارض غير ما يفعل مداومة ودون إثباتك لهذه المداومة مفاوز
ثم أخيرا ليس من شأن الصادق ومريد الحق والأمين أن ينطلق في تقرير ما يرجحه من منطلق التشغيب ، ومن منطلق إغماض العينين عن مجموع النصوص والنظر إلى نص مبتور
فأين نضع حديث النبي عندما كان يعلم البراء أذكار النوم فأخطأ البراء في ذكر الوِرد فقال : " وبرسولك الذي أرسلت "
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « لاَ ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِى أَرْسَلْتَ » .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
" وأولى ما قيل في الحكمة في ردّه صلّى الله عليه وسلّم على من قال " الرّسول " بدل " النّبيّ " أنّ ألفاظ الأذكار توقيفيّة، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللّفظ الّذي وردت به، وهذا اختيار المازري، قال: فيقتصر فيه على اللّفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعلّه أوحى إليه بهذه الكلمات، فيتعيّن أداؤها بحروفها " اهـ
وأما ما استدل به الأستاذ من كلام الحافظ عن زيادة ذكر محدث فهو من منقول الحافظ وليس من قوله لكن الأستاذ اعتاد الغلط وكأني به حلف ألا يستدل استدلالا سليما
وأيضا حديث النبي صلى الله عليه وسلم :
كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن
وهو في الصحيحين بهذا المعنى .
فلماذا الحرص منه صلى الله عليه وسلم على أداء الأوراد بألفاظها؟ ولماذا لم يقبل من البراء حتى اللفظ المقارب في المعنى وحرص على تأدية الورد بلفظه النصي ؟
لماذا هذا التدقيق ؟
لماذا يعامل التشهد معاملة النص القرآني ؟
وأيضا إنكار ابن عمر على من أضاف السلام على النبي مع الحمد في العطاس
لماذا أنكر ابن عمر على ذلك الذي سلم على النبي عندما عطس ؟
لماذا ؟
قال العلامة ملا عليّ القاري في " مرقاة المفاتيح " معلقا عليه :
" وأمّا زيادة ذكرٍ آخر بطريق الضّمّ إليه فغير مستحسنٍ ، لأنّ من سمع ربّما يتوهّم أنّه من جملة المأمورات " ا.هـ
وبنحوه قال السيوطي
ولماذا أنكر سعد بن أبي وقاص على من لبى تلك التلبية التي رآها محدثة كما صح عن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال :
سمع سعد بن أبي وقاص رجلا يقول : لبيك ذا المعارج
فقال سعد : لبيك ذا المعارج ؟ إنه ذو المعارج ، ولم يكن يقال هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فعندما كان مبلغ علم سعد رضي الله عنه أنها تلبية محدثة أنكرها وهذا محل الشاهد .
لكن صح من حديث جابر مرفوعا أن النبي أقرها
وقال الحافظ ابن حجر عن زيادة الترحم في الصلاة الإبراهيمية :
" وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمُشَار إِلَيْهِ زِيَادَة أُخْرَى وَهِيَ " وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّد كَمَا صَلَّيْت وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْت عَلَى إِبْرَاهِيم " الْحَدِيث ...
وَبَالَغَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي إِنْكَار ذَلِكَ فَقَالَ : حَذَارِ مِمَّا ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي زَيْد مِنْ زِيَادَة " وَتَرَحَّمْ " فَإِنَّهُ قَرِيب مِنْ الْبِدْعَة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمْ كَيْفِيَّة الصَّلَاة عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ فَفِي الزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ اِسْتِدْرَاك عَلَيْهِ اِنْتَهَى . وَابْن أَبِي زَيْد ذَكَرَ ذَلِكَ فِي صِفَة التَّشَهُّد فِي " الرِّسَالَة " لَمَّا ذَكَرَ مَا يُسْتَحَبّ فِي التَّشَهُّد وَمِنْهُ " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد " فَزَادَ " وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد إِلَخْ " فَإِنْ كَانَ إِنْكَاره لِكَوْنِهِ لَمْ يَصِحّ فَمُسَلَّمٌ ، وَإِلَّا فَدَعْوَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ لَا يُقَال اِرْحَمْ مُحَمَّدًا مَرْدُودَة لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي عِدَّة أَحَادِيث ...
هَذَا كُلّه فِيمَا يُقَال مَضْمُومًا إِلَى السَّلَام أَوْ الصَّلَاة ، وَقَدْ وَافَقَ اِبْن الْعَرَبِيّ الصَّيْدَلَانِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة عَلَى الْمَنْع " ا.هـ

ثم نقول للأستاذ بناء على استدلاله ، ها هو الأذان إنما أخذه النبي من رؤيا منامية لعمر بن الخطاب وعبد الله بن زيد فهل نقول بأنه يجوز التصرف في عبارات الأذان لأن النبي إنما أخذ أصله من رؤيا ؟

والذي أستغربه من الأستاذ هو إطلاقه القول بجواز إحداث الأذكار والأوراد والتصرف في الأوراد التي جاءت بها السنة دون الجمع بين النصوص ، وهو تخريب للسنة ما بعده تخريب فإنه لو سلمنا له باستدلاله من حديث رفاعة لما سلمنا بهذا الإطلاق المصادم لجملة من النصوص ولكان عليه أن يعيش الفرعية في المسألة لا أن يجعلها أصلا يرد من أجله جملة النصوص .
ولذلك بعض أهل العلم ممن ترجح لديه أن ذلك الحمد من الرجل كان ضمن ذكر الرفع من الركوع إنما جوز في هذا الموطن فقط ( الرفع من الركوع ) الزيادة على ما ورد وليست أي زيادة وإنما زيادة بالثناء قياسا على الحديث كما نقل معناه ابن رجب في الفتح عن الشافعي ورواية عن أحمد
لكن الأستاذ لا يلتفت إلا إلى ما يريد والله المستعان .

ـ أما تسبيح أبي هريرة اثنتي عشرة ألف تسبيحة في اليوم ، فالذي صح مما وقفت عليه هو قوله :
" إني لأسبح كل يوم اثنتي عشرة مرة ألف تسبيحة قدر ديتي - أو قدر ديته "
وهو محتمل لأن يكون ألف تسبيحة فقط مجزءة على اثنتي عشرة مرة ومحتمل لما ذكره الأستاذ
والجواب كالتالي :
أولا المحكم من آثار الصحابة ومن نصوص الكتاب والسنة والذي ثبت عن طريق عشرات النصوص وعشرات الآثار لعشرات الصحابة من خلفائهم وعلمائهم وهو الذي عليه عامة السلف كما سبق وسيأتي هو المنع من التخصيص دون دليل
هذا أصل ثابت محكم ولا يرده تطبيق واحد متشابه غير واضح بل ولا تطبيقين أو ثلاثة
هذا لو كان فعلا يتعارض معها فما بالك وهو غير صريح في معارضة ما جاء في المحكم فلا أحد يقطع بأن هذا الرقم تحديدي قطعا ، بمعني أنه لا يسبح (11960) تسبيحة ولا (12040) أو أكثر من هذا أو أقل هذا لايقوله من شم العدل ، فوارد ودون تكلف أن يكون تقريبيا وخاصة أن العرب دائما تحكي الأرقام بمبدإ جبر الكسر وأبو هريرة عربي دوسي
وعليه مثل هذا الرقم لا يلزم أن يكون أبو هريرة يفضله على غيره ويطلبه تحديدا هذا لايلزم بل مستبعد جدا ولا أنه يحدده لمعنى بدا له وعن غير توقيف بل مثل هذا يبعد جدا لأنه يتيم في فقه الصحابة وهديهم ولا نظير له يجعله واردا بصورة معتبرة
بل بما أن الرقم تقريبي في الغالب وإنما ذكر جبرا للكسر وهذا على الغالب فيكون من الوارد أن أبا هريرة قد اعتاد الاشتغال بالتسبيح لفترة من الزمن فكان متوسط ما يسع له وقته وظرفه وطاقته قرابة اثنتي عشرة ألف تسبيحة كل يوم وهو ما يقارب من حيث الزمن ثلاث ساعات ونصف تقريبا فبعد زمن من الاجتهاد في الإكثار من التسبيح استقر عدد تسبيحاته التي يسع لها جهده ووقته استقر فيما يقارب هذا العدد فهل في هذا من حجة على جواز الإحداث ؟
يا أخي أنا لو كنت مجتهدا في الصدقة ولا يفوت يوم إلا وأتصدق فيه تارة أعطي عشرة جنيهات وتارة أعطي أحد عشر وتارة أعطي تسعة وبحسب دخلي كان بمقدوري التصدق بنحو هذا الرقم يوميا ولو كان بوسعي أن أتصدق بأكثر لفعلت
وبعد فترة علمت فعلا ما يناسب دخلي فكان ما أدفعه يوميا بمتوسط عشرة جنيهات فحافظت على هذا المتوسط حتى آخر عمري فجاء أحد تلاميذي وقال كان فلان يتصدق يوميا بعشرة جنيه فهل في عملي هذا حرص على تحديد الرقم وتخصيص أم أنه وافق طاقتي فقط
هذا المعنى تماما يرِد على فعل أبي هريرة
وهذا المثال يختلف فيه الحكم ، فإذا كان تحديد عدد ما للتسبيحات مرادا ومقصودا كرقم ويعتقد صاحبه استحباب التقيد بهذا العدد فعند ذلك لا شك أنه يصبح بدعة
كمن يسبح بعدد آيات القرآن يعتقد أنه تحديد مفضل
أو يسبح بعدد من شهدوا فتح مكة وهم عشرة آلاف ويعتبره من أهم الأحداث فرأى استحباب التقيد بعددهم ونحوه من التحديدات
فهذا الذي نراه بدعة ضلالة
وأيضا نحذر من كل تحديد عموما ولو كان صاحبه لا يظهر اعتقادا خاصا بالعدد لأنه إن لم يكن موافقا لصريح البدعة فلا أقل من أن يكون ذريعة لها
وإنما نستثني من يقارب عددا معينا ويحافظ عليه مقاربة لا عن اعتقاد ولا عن تحديد مجرد ، وإنما لكونه قدر الطاقة أو الجهد أو قدر الوقت المتيسر
و لا يفوتني أن أنبه إلى أن مذهب ابن مسعود وابن عمر هو منع التحديد مطلقا كما سبق نقله بأسانيد صحيحة
فعلى من يُصرّ على الاستدلال بأثر أبي هريرة بالمعنى الذي استبعدناه أن لا يكتم الناس أنه مخالف بذلك المعنى لمذهب صحابة آخرين
وعليه أن يتق الله فلا يجعل من هذا الأثر بذلك المعنى المستبعد مع مخالفته لآثار أخرى أصرح وأكثر وأصح
لا يجعله أصلا مع كل هذا ومع مخالفته لعامة تطبيقات السلف وعامة النصوص المحرمة لإدخال التحديدات على العبادات
فهذا منه اتباع للمحتمل وترك للصريح والواضح ؟
اتباع للمتشابه وترك للمحكم
فليس هذا والله سبيل أهل الإيمان ، بل حكاه تعالى عن أصحاب الزيغ عندما قال : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله )
ثم لا يوجد باطل في الدنيا إلا وأهله يؤيدونه بما يظنونه دليلا ، فمجرد إيراد ما ظاهره أنه دليل لا يعني شيئا حتى تثبت دلالته الصحيحة بل حتى الكفر الصراح هناك من يستدل له بآيات وأحاديث يظنها صاحبها تدل على مراده
فأن يترك الواحد منا النصوص الأكثر والمتوافرة والمجتمعة على معنى واحد والواضحة ثم يأتي لنص محتمل أو اثنين ويأخذ به دون التفات لتلك النصوص فهذا هو قطعا اتباع المتشابه الذي وصف الله به أهل الزيغ ، وقد أخبر الله في كتابه وعلى لسان رسوله أنه تعالى لحكمة لم يجعل كل النصوص محكمة واضحة جلية ليتبين من يتبع هواه ويستند في تغطيته بالمتشابه ومن يسلم لمراد الله ولا يستغل المتشابهات والله الهادي إلى سواء السبيل

ـ ذكر الأستاذ عن علي بن الحسين أنه كان يصلي في اليوم ألف ركعة يركع ركعتين عند كل نخلة حتى ينتهي من بستانه الذي فيه خمسمائة نخلة
طبعا لم يعز القصة إلى كتاب وهي قصة موضوعة لا يصدقها مع تأملها عاقل .
إذ يلزم من صلاة ألف ركعة في اليوم أنه يصرف يوميا من الوقت في أقل تقدير ، وعلى ضوء أخف ركعتين ، بأقصر سور ، وبالاقتصار على تسبيحة واحدة في الركوع والسجود ، يلزم أنه يصرف في هذا ما لا يقل عن قرابة واحد وعشرين ساعة تقل قليلا .
وهذه بالمساعدة إذ لا يمكن صلاة ركعتين شرعيتين في أقل من دقيقتين ونصف
ولم نحسب وقت التنقل بين كل نخلة وأخرى إذ في كل نقلة يكون فيها في حالة جلوس فيقف ويتجه إلى النخلة الأخرى ويأخذ مكانه عندها ويصلي وهكذا .
وهذا لو قدرناه في أقل تقدير بخمس ثوان في كل نقلة لكان المجموع أكثر من واحد وأربعين دقيقة ، فقط تنقّل
ولم نحسب مشوار الذهاب والمجيء إلى البستان وسأساعد الأستاذ بالقول إنه يسكن في بستانه

فياترى رجل يمضي في اليوم واحدا وعشرين ساعة وهو يصلي !!
كم بقي لنومه ؟ كم بقي لأكله ؟ كم بقي للصلوات الخمس جماعة ؟ كم بقي لحاجته البشرية ؟ كم بقي لعلمه فقد كان مشتغلا بالعلم ورواية الأحاديث ؟ كم بقي لمهنته واشتغاله برزقه ؟ كم بقي لولده وأهله ؟

والعجيب أن الأستاذ احتج بالقصة وبالغ في الاحتجاج بها مع عدم معرفته بصحة القصة وهذا يبين لك أن السياسة المتبعة لديه وأمثاله ممن لا يلتفتون للتحقيق والتثبت هي استفادته في تلك اللحظة فقط بالظهور أمام العامة بمظهر صاحب الدليل والحجة
وسبحان الله علق على الأثر بطريقة استخف فيها بمخالفيه فعليه أن يتعلم حتى لا يستخف بالناس ولو فيما كان فيه محقّا فكيف بما هو أحق بالإعابة به









تطبيقات السلف والأئمة التي تبين حقيقة البدعة عندهم :

وإليك أخي الكريم هذه التطبيقات للسلف الكرام من صحابة وتابعين وتابعيهم مضمومة إليها أقوال العلماء على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ، وبالله قارن بين مفهوم البدعة عندهم أعني السلف على ضوء هذه التطبيقات وبين ما يحرص على طرحه مروجوا البدع ودعاة الانفلات البدعي ومدعوا أن البدعة لا تكون إلا فيما يخالف النصوص العامة
وتأمل في هذا الكم من الأمثلة وتساءل ؟
هل يستطيع مخالفنا توجيه هذه التطبيقات على ضوء ما طرحه من مفهوم ؟
عشرات العبادات والطاعات التي جاء الحث عليها في النصوص العامة قد حكم السلف ومن بعدهم ببدعيتها عندما خصصت بأوقات أو أمكنة أو أعداد أو كيفيات محدثة دون دليل خاص ، فبماذا سيجيب مخالفنا وهو ينادي بخلاف هذه الأحكام ويلصقها بالسلف ؟
هل يمكن أن يجيب ذلك الأستاذ عن هذه الأمثلة بأي جواب علمي فضلا عن أن يجيب بما يجعل هذه التطبيقات تدل على مفهومه الانفلاتي للبدعة ؟
نترك الخيار للأستاذ و لمن وراءه ممن يُعِدّ له ويراجع أن يقفوا من هذه التساؤلات وهذه التطبيقات ما شاؤوا فنحن قد قمنا بما علينا وهم يعلمون ما عليهم أمام ربهم وكل مسؤول عند الله ومحاسب ولكن بحسب الموقف يكون الجزاء ، وما الله بغافل عما نعمل ، وعند الصباح يحمد القوم السراة

1ـ تخصيص العبادة بسبب أو حال دون دليل .

مَن خصّص عبادة من العبادات بأي سبب أو حال ، بعطاس أو تثاؤب أو دخول أو خروج أو بدإ في طاعة أو انتهاء منها أو أي حال أو سبب دون دليل يدل على التخصيص فذلك التخصيص بذكر أو دعاء أو أي عبادة يكون بدعة .

ـ عن نافع قال : رأيت ابن عمر ، وقد عطس رجل إلى جنبه ، فقال : الحمد لله وسلام على رسول الله ، فقال ابن عمر : وأنا أقول : السلام على رسول الله ، ولكن ليس هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، « أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن نقول إذا عطسنا : الحمد لله على كل حال » ا.هـ
فلماذا أنكر ابن عمر السلام على النبي بعد العطاس ؟ أليس السلام على النبي من أفضل الطاعات ؟
وأليس السلام على النبي قد جاءت به النصوص العامة فلماذا أنكره هذا الصحابي الجليل ؟
ما ذاك إلا لأنه احتف به تخصيص محدث
والأثر جاء من طريق زياد بن الربيع اليحمدي نا الحضرمي عن نافع به
ومن طريق سعيد بن عبد العزيز ، عن سليمان بن موسى عن نافع به
وهو صحيح قطعا ولا يصح بغير هذا اللفظ

ـ وفي الفروع لابن مفلح قال :
عَنْ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ عَنْ قَوْلِ الرَّجُلِ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ :
" الصَّلَاةَ الْإِقَامَةَ ، بِدْعَةٌ يُنْهَوْنَ عَنْهُ " ا.هـ
فاعتبر من ينبه الناس إلى الصلاة بعد الإقامة بعبارة محدثة يداوم عليها اعتبره بدعة .
وإبراهيم الحربي من علماء القرن الثالث من أقران البخاري
وتأمل قوله : " يُنهَون " فهو يحث على الإنكار عليهم لا مجرد تركها
وفي الفروع أيضا عَنْ أَبِي طَالِبٍ قَالَ :
" سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ : الصَّلَاةَ ؟
قَالَ : لَا يَقُولُ الصَّلَاةَ ، كَرِهَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، إنَّمَا كَرِهَهُ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ" ا.هـ
فانظر بماذا حكم ابن جبير وأحمد بن حنبل وقبلهما الحربي على تنبيه الناس بالصلاة ؟
مع أنه داخل في عموم النصوص التي تحث على التعاون على البر وعلى الأمر بالمعروف وعلى التذكير بالخير والتنبيه إليه
وانظر كيف بين أحمد أن سبب المنع هو الإحداث فماذا يريد المخالف بعد هذا ؟
بل جاء نحو هذا عن ابن عمر
عن أبي العالية قال كنا مع ابن عمر في سفر ونزلنا بذي المجاز على ماء لبعض العرب فحضرت الصلاة فأذن مؤذن ابن عمر ثم أقام الصلاة فقام رجل فَعَلا على رَحل من رحالات القوم ثم نادى بأعلى صوته :
" الصلاة يا أهل الماء الصلاة "
فجعل ابن عمر يسبح في صلاته حتى إذا قضت الصلاة قال ابن عمر: من الصائح بالصلاة ؟
قالوا : أبو عامر يا أبا عبد الرحمن ، فقال له ابن عمر :
لا صليت ولا تليت ، أي شيطانك أمرك بهذا ؟ أما كان في الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم والصالحين ما أغنى عن بدعتك هذه ؟ إن الناس لا يحدثون بدعة وإن رأوها حسنة إلا أماتوا سنة .
فقال رجل من القوم إنه ما أراد إلا خيرا يا أبا عبد الرحمن فقال ابن عمر لو أراد خيرا ما رغب بنفسه عن سنة نبيه والصالحين من عباده" ا.هـ رواه ابن بطة .
كذا نقله شيخ الإسلام في شرح العمدة عن كتاب لابن بطة خاص بهذه المسائل

ـ وأيضا عن تخصيص الدعاء ورفع اليدين بسجود التلاوة
قال ابن وضاح وحدثني عن موسى ، عن ابن مهدي ، عن حماد بن سلمة ، عن حميد : أن قوما قرءوا السجدة ، فلما سجدوا رفعوا أيديهم واستقبلوا القبلة ، فأنكر ذلك عليهم مورق العجلي وكرهه ا.هـ
ومورق من كبار التابعين


وقال ابن وضاح : وحدثني عن موسى ، عن ابن مهدي ، عن همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، ومورق ، قالا : « يكره اختصار السجود ، ورفع الأيدي والصوت في الدعاء »
والأثران ثابتان
فها هو رفعُ اليدين قد كرهه هذان الإمامان التابعيان بل من كبار التابعين وذلك لتخصيصه بحال سجود التلاوة مع أن رفع اليدين قد جاءت به النصوص العامة

ـ وعن تخصيص الجنائز بذكر أو تذكير
قال ابن المنذر في الأوسط :
حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الحسن ، قال : « أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يستحبون خفض الصوت عند الجنائز ، وعند قراءة القرآن ، وعند القتال » وكره سعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وأحمد وإسحاق قول القائل خلف الجنازة : استغفروا له قال عطاء : محدثة ، وقال الأوزاعي : بدعة ، وقال النخعي : كانوا إذا شهدوا جنازة عرف ذلك فيهم ثلاثا قال أبو بكر : ونحن نكره من ذلك ما كرهوا إلا أن ذلك الشيء أحدث ا.هـ
ثم ذكر عن أبي هريرة استغفاره في جنازة لرجل كان شاربا للخمر وفيه قول أبي هريرة : فإنما يُستغفر لمسيء مثله"
فاتخاذها مع كل جنازة بدعة محدثة بلا خلاف .
وفي الشرح الكبير لابن قدامة :
(فصل) ويكره رفع الصوت عند الجنائز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تتبع الجنائز بصوت، قال ابن المنذر: روينا عن قيس بن عباد انه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند ثلاث: عند الجنائز، وعند الذكر، وعند القتال.
وكره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن والنخعي وإمامنا وإسحق قول القائل خلف الجنازة استغفروا له.
قال الاوزاعي بدعة.
وقال سعيد بن المسيب في مرضه إياي وحاديهم هذا الذي يحدو لهم يقول استغفروا له غفر الله لكم.
وقال فضيل بن عمرو بينا ابن عمر في جنازة إذ سمع قائلا يقول: استغفروا له غفر الله لكم.
فقال ابن عمر لا غفر الله لك.
رواهما سعيد.
قال أحمد ولا يقول خلف الجنازة سلم رحمك الله فانه بدعة ا.هـ

فلماذا لم يكتف هؤلاء بالنصوص العامة ويجوزوا ما استنكروه ؟
لماذا حكموا بالبدعية مع مجيء النصوص العامة تحث على ما حكموا ببدعيته ؟
لا جواب إلا لأنه محدث مخالف لما كان عليه السلف وتأمل عدم تهوينهم من الأمر

ـ وعند عبد الرزاق عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : دعاء أهل مكة بعدما يفزعون من الوتر في شهر رمضان ؟ قال : بدعة ، قال : أدركت الناس وما يصنع ذلك بمكة ، حتى أحدث حديثا.
وإسناده صحيح
فها هو الدعاء وهو مأمور به في النصوص العامة ومع هذا حكموا ببدعيته لأجل تخصيصه بعقب الوتر دون دليل

ـ وعن محمد بن عبيد عن الاعمش قال : سئل إبراهيم عن الامام إذا سلم فيقول : صلى الله على محمد لا إله إلا الله فقال : ما كان من قبلهم يصنع هكذا.
وعن محمد بن عبيد عن الاعمش عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال : هذه بدعة.
وكلاهما صحيح والأعمش ممن سمع من عطاء قبل اختلاطه
فانظر أخي الكريم إلى هذين التابعيين وكيف أنكرا هذا التخصيص وعده كلاهما محدثا وهو بدعة كما هي عبارة التابعي الكبير أبي البختري


ـ قال ابن أبي شيبة :
حدثنا وكيع عن مسعر عن ابن الاصبهاني عن أبي عبد الرحمن أنه رأى رجلا يدعو قائما بعد ما انصرف فسبه أو شتمه.
حدثنا وكيع عن مسعر عن الحكم عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الرحمن بن يزيد أنه كرهه.
حدثنا غندر عن شعبة قال قلت للمغيرة أكان إبراهيم يكره إذا انصرف أن يقوم مستقبل القبلة يرفع يديه قال نعم.
وهذا عن تخصيص دبر الصلاة بالدعاء قياما على انفراد ، والآثار المذكورة كلها صحيحة



ـ وقال في البحر الرائق من كتب الأحناف :
قَالَ الْحَلَبِيُّ وَمِنْ الْمَكْرُوهِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ مِنْ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ مُنْفَرِدًا بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّهَا بِدْعَةٌ مَعَ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ وَالصَّفِّ ا هـ
يريد بين الترويحات

ـ وعن تخصيص حالة الصعود على المنبر بأفعال محدثة
قال أبو شامة
" فمن البدع دق الخطيب المنير عند صعوده في ثلاث مرات بأسفل سيفه دقا مزعجا فاصل بين كل ضربتين بقليل من الزمان ومنها تباطؤه في الطلوع ..."
وبنحوه قال السيوطي في كتابه الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع
وقال الصنعاني في سبل السلام
" وَيُكْرَهُ دَقُّ الْمِنْبَرِ بِالسَّيْفِ إذْ لَمْ يُؤْثَرْ فَهُوَ بِدْعَةٌ "

ـ وعن تخصيص درجات المنبر بالدعاء حال الصعود ورفع الناس أيديهم كذلك حال دعائه
قال أبو شامة عن بدع بعض الخطباء
" واشتغاله بالدعاء قبل الإقبال على الناس والسلام عليهم وأما رفع أيديهم عند الدعاء فبدعة قديمة "


ـ وكذا الاستغفار الجماعي
وقال القشيري : (( والاستغفار جماعة على صوت واحد بعد التسليم من الصلاة بدعة . والسنة استغفار كل واحد في نفسه ثلاثاً ، وقولهم بعد الاستغفار : يا أرحم الراحمين - جماعةً - بدعة ، وليس هذا محل هذا الذكر ))
فهذه بعض الأمثلة التطبيقية في التخصيص بالأسباب وإن يسر الله سأحرص على جمع المزيد منها إن دعت الحاجة

2ـ تخصيص العبادة بكيفية محدثة دون دليل

ـ قَالَ أَبُو مُوسَى الأشعري مخاطبا ابن مسعود رضي الله عنه :
يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّى رَأَيْتُ فِى الْمَسْجِدِ آنِفاً أَمْراً أَنْكَرْتُهُ ، وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ خَيْراً. قَالَ : فَمَا هُوَ؟
فَقَالَ : إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ – قَالَ : – رَأَيْتُ فِى الْمَسْجِدِ قَوْماً حِلَقاً جُلُوساً يَنْتَظِرُونَ الصَّلاَةَ ، فِى كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ ، وَفِى أَيْدِيهِمْ حَصًى فَيَقُولُ : كَبِّرُوا مِائَةً ، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً ، فَيَقُولُ : هَلِّلُوا مِائَةً ، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً ، وَيَقُولُ : سَبِّحُوا مِائَةً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً.
قَالَ ابن مسعود : فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ ؟
قَالَ : مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئاً انْتِظَارَ رَأْيِكَ أَوِ انْتِظَارَ أَمْرِكَ.
قَالَ ابن مسعود : أَفَلاَ أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ.
ثُمَّ مَضَى ابن مسعود وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ :
مَا هَذَا الَّذِى أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟
قَالُوا : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ. قَالَ : فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَىْءٌ ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ ، هَؤُلاَءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ -صلى الله عليه وسلم- مُتَوَافِرُونَ وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ ، وَالَّذِى نَفْسِى فِى يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِىَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ، أَوْ مُفْتَتِحِى بَابِ ضَلاَلَةٍ.
قَالُوا : وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ.
قَالَ : وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْماً يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِى لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ. ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ : رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ.
وهذا أثر صحيح

فانظر رحمك الله فإن محل الإنكار على هؤلاء من قبل هذين الصحابيين هو ما لخصه أبو موسى من حالهم قبل أن يصحبه ابن مسعود إليهم في قوله :
" رَأَيْتُ فِى الْمَسْجِدِ قَوْماً حِلَقاً جُلُوساً يَنْتَظِرُونَ الصَّلاَةَ ، فِى كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ ، وَفِى أَيْدِيهِمْ حَصًى فَيَقُولُ : كَبِّرُوا مِائَةً ، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً ، فَيَقُولُ : هَلِّلُوا مِائَةً ، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً ، وَيَقُولُ : سَبِّحُوا مِائَةً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً "
فهذا هو الذي دفع أبا موسى لأن يتوجه إلى ابن مسعود يطلب تدخله وهذا صريح الأثر
وأكد أن هذا هو محل الإنكار تعليق ابن مسعود على صنيعهم قبل مسيره إليهم بقوله :
" أَفَلاَ أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ "
وأيضا يؤكده سؤال ابن مسعود لهم وجوابهم إذ لم يتجاوز كل ذلك المذكور
إذًا أنكر الصحابة عليهم الآتي :
ـ الاجتماع على هيئة عدة حلق لأجل الذكر وبصورة مترابطة توافقية ولكل حلقة من يقودها متوسطا فيها
ـ يذكرون بهيئة تراتبية تبادلية
ـ وبأعداد معينة محددة تخدم ذلك الترتيب
ـ وبوسيلة الحصى
فأنكر عليهم ابن مسعود إنكارا بليغا وخص بالذكر في إنكاره عدّهم وإحصاءهم بتلك الحصى إضافة لإنكاره لمجمل الموقف وإلا فما معنى تركيزه على العد والإحصاء من قَبل مشاهدتهم وبعدها ؟
فإذًا عندما كانت الكيفية للذكر محدثة كانت مستنكرة خارجة عن الذكر المشروع
وسبق عند الكلام عن السبحة آثار أخرى عن ابن مسعود
وثبت نحو هذا الإنكار من الصحابي الجليل خباب بن الأرت
قال ابن وضاح
وحدثني عن موسى ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، عن عبد الله بن الخباب ، قال :
« بينما نحن في المسجد ونحن جلوس مع قوم نقرأ السجدة ونبكي ، فأرسل إلي أبي ، فوجدته قد أحضر معه هراوة له ( عصا غليظة ) فأقبل علي ، فقلت :
يا أبة ، ما لي ما لي ؟
قال : ألم أرك جالسا مع العمالقة ؟ ثم قال : هذا قرن خارج الآن"
وحدثني محمد بن وضاح ، نا محمد بن سعيد قال : نا أسد بن موسى قال : نا قيس بن الربيع ، عن أبي سنان ضرار بن مرة ، عن عبد الله بن أبي الهذيل العنزي قال : كنا جلوسا مع عبد الله بن خباب بن الأرت وهو يقول : سبحوا كذا وكذا ، واحمدوا كذا وكذا ، وكبروا كذا وكذا . قال : فمر خباب فنظر إليه ثم أرسل إليه فدعاه ، فأخذ السوط فجعل يضرب رأسه به وهو يقول : يا أبتاه ، فيم تضربني ؟ فقال : مع العمالقة ؟ هذا قرن الشيطان قد طلع ، أو قد بزغ
وخبر خباب ثابت صحيح
وروي بغير هذا اللفظ بإسناد ضعيف فيه علتان

ـ وعن قراءة القرآن بشكل جماعي قال الطرطوشي :
" هذه الآثار تقتضي جواز الاجتماع لقراءة القرآن الكريم على معنى الدرس له والتعلم والمذاكرة وذلك يكون بأن يقرأ المتعلم على المعلم ، أو يقرأ المعلم على المتعلم ، أو يتساويا في العلم ، فيقرأ أحدهما على الآخر على وجه المذاكرة والمدارسة هكذا يكون التعليم والتعلم ، دون القراءة معاً " ا.هـ
وفي التاج والإكليل عن القراءة الجماعية
" كَرِهَ مَالِكٌ اجْتِمَاعَ الْقُرَّاءِ يَقْرَءُونَ فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ : لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ ، وَرَآهَا بِدْعَةً " ا.هـ
وهذا إحداث في كيفية القراءة فانظر إلى قدر التقيد بالمأثور حتى اعتبر الإمام مالك ومِن بعده الطرطوشي قراءة القرآن بصوت جماعي بدعة إلا عند التعليم فقط

ـ وقال محمد بن وضاح ، عن عبد الله بن محمد قال : نا معاوية بن هشام قال : نا سفيان ، عن سعيد الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، قال : كتب عامل لعمر بن الخطاب إليه أن ههنا قوما يجتمعون فيدعون للمسلمين وللأمير .
فكتب إليه عمر : " أقبل بهم معك "
فأقبل ، وقال عمر للبواب : أعد سوطا .
فلما دخلوا على عمر علا أميرَهم ضربا بالسوط
فقلت : يا أمير المؤمنين ، لسنا أولئك الذين يعني ، أولئك قوم يأتون من قبل المشرق »
أثر جيد ثابت

فتأمل هذه الآثار المتوافرة على معنى متقارب وهو الذكر أو الدعاء بكيفيات محدثة وانظر موقف هؤلاء الصحابة وكيف أنكروا ذلك أشد الإنكار

ـ وَسُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بن عبد السلام عَنْ الرَّجُل يَذْكُرُ فَيَقُولُ : اللَّهُ اللَّهُ ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِمَثَابَتِهِ فَهَلْ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ أَمْ لَا ؟
فَأَجَابَ :
هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ ، وَالذِّكْرُ الْمَشْرُوعُ كُلُّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً أَوْ اسْمِيَّةً وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَذْكَارِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ دُونَ الْأَغْبِيَاءِ مِنْ الْجَاهِلِينَ انْتَهَى .

ـ وقال علاء الدين الكاساني الحنفي في كتابه ( بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ) :
عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى : أن رفع الصوت بالتكبير بدعة في الأصل ، لأنه ذكر . والسنة في الأذكار المخافتة ؛ لقوله تعالى : { ادعوا ربكم تضرعاً وخفية } [ الأعراف : 55 ] . ولقوله r : (( خير الدعاء الخفي )) . ولذا فإنه أقرب إلى التضرع والأدب ، وابعد عن الرياء فلا يترك هذا الأصل إلا عند قيام الدليل المخصص . انتهى

ـ وعن كيفية الدعاء جاء في المسند
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ حَرْبٍ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ إِنَّ رَفْعَكُمْ أَيْدِيَكُمْ بِدْعَةٌ مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى هَذَا. يَعْنِى إِلَى الصَّدْرِ.
وإسناده لا بأس به إن شاء الله

ـ وعن نظم الأذكار بترتيب معين محدث والمحافظة على ذلك الترتيب
روى الدارمي
أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَشْعَثِ عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ :
رَأَيْتُ مَعَ رَجُلٍ صَحِيفَةً فِيهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ
فَقُلْتُ : أَنْسِخْنِيهَا ، فَكَأَنَّهُ بَخِلَ بِهَا ثُمَّ وَعَدَنِى أَنْ يُعْطِيَنِيهَا ، فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ فَإِذَا هِىَ بَيْنَ يَدَيْهِ
فَقَالَ : إِنَّ مَا فِى هَذَا الْكِتَابِ بِدْعَةٌ وَفِتْنَةٌ وَضَلاَلَةٌ ، وَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ هَذَا وَأَشْبَاهُ هَذَا ، إِنَّهُمْ كَتَبُوهَا فَاسْتَلَذَّتْهَا أَلْسِنَتُهُمْ وَأُشْرِبَتْهَا قُلُوبُهُمْ ، فَأَعْزِمُ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ يَعْلَمُ بِمَكَانِ كِتَابٍ إِلاَّ دَلَّ عَلَيْهِ وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ - قَالَ شُعْبَةُ فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ قَالَ أَحْسَبُهُ أَقْسَمَ - لَوْ أَنَّهَا ذُكِرَتْ لَهُ بِدَارِ الْهِنْدِ - أُرَاهُ يَعْنِى مَكَاناً بِالْكُوفَةِ بَعِيداً - إِلاَّ أَتَيْتُهُ وَلَوْ مَشْياً.
وإسناده جيد لا غبار عليه
فتأمل يرعاك الله هذه الصلابة وهذا التقيد بالمأثور وهذا الحكم بالفتنة والضلال في هذه البدعة الإضافية وقارن بما عليه أصحاب المد البدعي ومروجو المحدثات
وأنبه إلى أن المذكور في الرواية إنما هو إشارة لأصل ما كان مكتوبا

ـ وفي أسنى المطالب من كتب الشافعية عن المبالغة في رفع الصوت بالصلاة على النبي في الخطبة :
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ .. الرَّفْعُ الْبَلِيغُ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامّ فَإِنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ بَلْ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ ا.هـ
وقال في الشرح الكبير للدردير
" وأما الجهر بالكثير فيحرم قطعا ومنه ما يفعل بدكة المبلغين فإنه بدعة مذمومة "
يريد الذكر كما صريح أول كلامه

ـ وفي فتح القدير أن الجماعة في النفل بدعة
وقال في البحر الرائق
وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّهُ سُئِلَ [ يعني الحلواني ]عَمَّنْ يَجْمَعُ بِأَهْلِهِ أَحْيَانًا هَلْ يَنَالُ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ قَالَ لَا وَيَكُونُ بِدْعَةً وَمَكْرُوهًا بِلَا عُذْرٍ " ا.هـ

ـ وعن حشر نوع القصائد التي هي من شأن أهل الغفلة والطرب وإقحامها في الذكر والوعظ ككيفية محدثة قال الخلال في الأمر بالمعروف :
أخبرني محمد بن موسى ، قال : سمعت عبدان الحذاء ، قال : سمعت عبد الرحمن المتطبب ، قال : سألت أحمد بن حنبل ، قلت : ما تقول في أهل القصائد قال : « بدعة لا يجالسون »
أخبرني محمد بن أبي هارون ، ومحمد بن جعفر ، أن أبا الحارث ، حدثهم قال : سألت أبا عبد الله : ما ترى في التغبير أنه يرقق القلب ؟ فقال : « بدعة »
مع أنه مشتمل على الذكر ولكن بكيفية محدثة
أنا الحسين بن صالح العطار ، حدثنا هارون بن يعقوب الهاشمي ، قال : سمعت أبي أنه ، سأل أبا عبد الله عن التغبير ، فقال : « هو بدعة ومحدث »
وهناك آثار كثيرة عن السلف في هذا

ـ وعن إحداث كيفية في العبادة كقراءة القرآن بكيفية لم تؤثر عن السلف من تكلف الألحان بالتقليد والمبالغة في ذلك
روى الخلال في الأمر بالمعروف
أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : سمعت أبي وقد ، سئل عن القراءة ، بالألحان ؟ فقال : « محدث إلا أن يكون من طباع ذلك الرجل - يعني طبع الرجل - كما كان أبو موسى »
وأخبرني محمد بن علي السمسار ، أن يعقوب بن بختان حدثهم ، أنه قال لأبي عبد الله : فالقرآن بالألحان ؟ فقال : لا ، إلا أن يكون جرمه - أو قال : صوته - مثل صوت أبي موسى ، أما أن يتعلمه ، فلا
.. أخبرني محمد بن جعفر ، أن أبا الحارث ، حدثهم أن أبا عبد الله قيل له : القراءة بالألحان والترنم عليه ؟ قال : « بدعة ، قيل له : إنهم يجتمعون عليه ويسمعونه ، قال : الله المستعان »
أخبرني الحسن بن صالح العطار ، قال : حدثنا يعقوب الهاشمي ، قال : سمعت أبي أنه سأل أبا عبد الله عن القراءة بالألحان ، فقال : « هو بدعة ومحدث ، قلت : تكرهه يا أبا عبد الله ؟ قال : نعم ، أكرهه ، إلا ما كان من طبع ، كما كان أبو موسى ، فأما من يتعلمه بالألحان فمكروه
وقال ابن وضاح
حدثني إبراهيم بن محمد ، عن حرملة بن يحيى ، عن ابن وهب ، عن ابن عون قال : « كان محمد بن سيرين يقول في أصوات القرآن : محدث »

ـ وعن إحداث كيفية في الذكر ولو لم تشتمل على تغيير الذكر نفسه كالتغني فيه
يقول : رأيت ابن عمر يسعي بين الصفا والمروة (4) ومعه ناس ، فجاءه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ! إني لاحبك في الله ، فقال ابن عمر : لكني أبغضك في الله ، فكأن أصحاب ابن عمر لاموه وكلموه ، فقال : إنه يبغي في أذانه ، ويأخذ عنه أجرا

وقد نقله ابن الاثير فقال : أراد التطريب فيه والتمديد من تجاوز الحد
وعند عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الضحاك بن قيس أن رجلا قال : إني لاحبك في الله قال له : ولكني أبغضك في الله ، قال :
لم ؟ قال : إنك تبغي في أذانك ، وتأخذ الاجر على كتاب الله
قال المحقق وصوابه " تبغي أو تتغنى ".
وفي المجمع عن يحيى البكاء قال: قال رجل لابن عمر: إني لأحبك في الله فقال ابن عمر: لكني أبغضك في الله قال: ولم ؟ قال: إنك تتغنى في أذانك وتأخذ عليه أجراً.
وفي المواهب
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ : وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ : التَّلْحِينُ فِي الْأَذَانِ ، وَهُوَ مِنْ الْبَغْيِ وَالِاعْتِدَاءِ ، قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ لِابْنِ عُمَرَ : إنِّي لَأُحِبّكَ فِي اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : إنِّي لَأَبْغَضُكَ فِي اللَّهِ ؛ لِأَنَّكَ تُغَنِّي فِي أَذَانِكَ ، وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا انْتَهَى .

ـ وعن إحداث كيفية في الركوع مخالفة للسنة
قال عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال إنسان لعطاء : إني أرى أناسا إذا ركعوا خفضوا رؤوسهم ، حتى كانوا يجعلون أذقانهم بين رجلهم ، فقال : لا ، هذه بدعة ، لم يكن من مضى يصنعون ذلك
والأثر صحيح

ـ وعن كيفية الدعاء أثناء الخطبة
بوب الترمذي باب كراهية رفع الأيدي على المنبر وبوب النسائي بقوله باب الإشارة في الخطبة وبوب أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف باب الرجل يخطب يشير بيده
وجاء في مصنف ابن أبي شيبة في رفع الأيدي في الدعاء يوم الجمعة
حدثنا أبو بكر قال حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري قال رفع الأيدي يوم الجمعة محدث
حدثنا سهل بن يوسف عن ابن عون عن محمد قال أول من رفع يديه في الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر
[ وكلاهما صحيح ]
حدثنا جرير بن عبد الحميد عن ليث عن طاوس قال كان يكره دعاءهم الذي يدعونه يوم الجمعة وكان لا يرفع يديه
وفيه ليث فيه كلام
حدثنا ابن نمير وأبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال رفع الإمام يوم الجمعة يديه على المنبر فرفع الناس أيديهم فقال مسروق قطع الله أيديهم
وهذا أثر صحيح
حدثنا ابن إدريس عن حصين عن عمارة بن رويبة قال رأى بشر بن مروان رافعا يديه على المنبر فقال قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيديه هكذا وأشار بأصبعه المسبحة.
وهو صحيح

مع أن النصوص العامة جاءت برفع اليدين في الدعاء فأين ما زعمه المخالف من أن البدعة لا تكون فيما جاءت به النصوص العامة

ـ ومخالفة السنة في الصفة بدعة
قال في البحر الرائق من كتب الأحناف :
فالحاصل أن التلفظ باللسان بالنية بدعة مطلقا في جميع العبادات ا.هـ
وقال :
وَظَاهِرُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ اخْتِيَارُ أَنَّهُ بِدْعَةٌ فَإِنَّهُ قَالَ : قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ : لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ أُصَلِّي كَذَا وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَلْ الْمَنْقُولُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ } وَهَذِهِ بِدْعَةٌ .
وسبق في أول الرد نقل عدة أقوال للعلماء أخرى وهي أقوى

3ـ تخصيص العبادة بمكان دون دليل من سنة أو أثر .

فمن فعل عبادة في مكان ما لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يفعله فيه وكان يداوم على خلافه فإقامتها في ذلك المكان بدعة

ـ قال الحافظ ابن رجب في الفتح له :
وقد روي عن ابن عباس ، أنه سئل عن اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ؟ فقال : بدعة ، وأبغض الأعمال إلى الله البدع ، لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة ا.هـ
وقال ابن مفلح في الفروع
" لِمَا رَوَاهُ حَرْبٌ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ نَفْسِهَا فِي بَيْتِهَا ، فَقَالَ : بِدْعَةٌ ، وَأَبْغَضُ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ الْبِدَعُ ، فَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ
فتأمل هذا المثال ولتعلم أن مدار الأمر ومناط الحكم هو الإحداث فانظر كيف حكم على تعميم المكان خلافا للسنة التي خصت المساجد بأنه بدعة فكما أن التخصيص بدعة وهو الأكثر فكذلك التعميم والقاسم هو الإحداث

ـ وقال ابن عابدين الحنفي عن تخصيص القبر بالتعزية
" أخرج ابن شاهين عن إبراهيم [ النخعي ] " التعزية عند القبر بدعة " ا.هـ

ـ وقال أبو شامة عن تخصيص مسجد عن غيره استحبابا
" قال محمد بن مسلمة ولا يؤتى شيء من المساجد يعتتقد فيه الفضل بعد المساجد الثلاثة إلا مسجد قباء .
قال : وكره أن يعد له يوما بعينه فيؤتى فيه خوفا من البدعة وأن يطول بالناس زمان فيجعل ذلك عيدا يعتمد أو فريضه تؤخذ ولا بأس أن يؤتى كل حين ما لم تجيء فيه بدعة ا.هـ
هذا وفي مكان خاص بالعبادة فما بالك بغيره كمن يستحب الصلاة في مكان مجلس شيخه أو في غرفته ونحو ذلك

ـ وفي كتاب (الدين الخالص) بحث العلامة محمود خطاب السبكي رحمه الله وعفا عنه مسألة قراءة القرآن عند القبور فقال في بداية بحثه لها:
(يكره تحريمًا عند النعمان [ أبي حنيفة ] ومالك قراءة القرآن عند القبر؛ لأنه لم يصح فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس من عمل السلف، بل كان عملهم التصدُّق والدعاء لا القراءة) ا.هـ

قال شيخ الإسلام عن تخصيص القبور بقراءة القرآن وفي صدد ذكر الروايات فيها
" ... والثانية : أن ذلك مكروه حتى اختلف هؤلاء هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة إذا صلى عليها في المقبرة وفيه عن أحمد روايتان وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحابه عنه وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه كعبد الوهاب الوراق وأبي بكر المروزي ونحوهما وهي مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام لأن ذلك كان عنده بدعة وقال مالك ما علمت أحدا يفعل ذلك
فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه ا.هـ
وذكرت كلامه كاملا كما سبق
فهذا تخصيص القبور بالقراءة ، ومن جوزه لم يجوزه إلا بناء على ظنه صحة ما روي في القراءة من الأثار وهذا لايعارض استدلالنا إذ لا يجوزه عالم مع ترجيحه أنه محدث لم يفعله السلف

ـ وقال الدردير في الشرح الكبير عن العيد وأدائه في غير المكان المسنون
" ( و) ندب (إيقاعها) أي صلاة العيد (به) أي بالمصلى أي الصحراء وصلاتها بالمسجد من غير ضرورة داعية بدعة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه (إلا بمكة) فبالمسجد لما فيه من مشاهدة البيت" ا.هـ
أليست عبادة مأمورا بها أديت في مكان عبادة ؟ ومع هذا أنكرها للإحداث المخالف للسنة

ـ وعن إيقاع الإحرام في غير مكانه قال أبو شامة :
" ومثاله ما رواه مالك بن أنس في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن ربيعة بن عبد الله بن الهذيل أنه رأى رجلا مجردا بالعراق فسأل عنه الناس فقيل أنه أمر بهديه أن يقلد فلذلك تجرد قال ربيعة فلقيت عبد الله بن الزبير فذكرت ذلك له فقال بدعة ورب الكعبة
قلت [ الكلام لأبي شامة ] فوصف ذلك عبد الله بأنه بدعة لما كان موهما أنه من الدين لأنه قد ثبت أن التجرد مشروع في الإحرام بنسك الحج والعمرة فإذا فعل في غير ذلك أوهم من لا يعلم من العوام أنه مشروع في هذه الحالة الأخرى لأنه قد ثبت شرعته في صورة فربما يقتدى به فيتفاقم الأمر في أنتشار ذلك ويعسر الفطام عنه كما قد وقع في غيره من البدع على ما يأتي في كتاب الجامع لأبي بكر الخلال
حدثنا موسى بن محمد الزبيري ثنا الزبير ثنا محمد بن الضحاك وغيره أن رجلا جاء الى مالك بن أنس فقال من أين احرم فقال من الميقات الذي وقت رسول الله وأحرم منه فقال الرجل فإن أحرمت من أبعد منه فقال مالك لا أرى ذلك فقال ما تكره من ذلك قال أكره عليك الفتنة قال وأي فتنة في ازدياد الخير فقال مالك فإن الله تعالى يقول فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم سورة النور أية 63 وأي فتنة أ كبر من من أنك خصصت بفضل لم يختص به رسول الله " ا.هـ




4ـ تخصيص العبادة بوقت دون دليل

فتخصيص ذكر من الأذكار أو أي عبادة بوقت معين ولو وقت فاضل دون دليل خاص هو بدعة إلا إذا فعل دون اعتقاد التخصيص ودون مداومة .

ـ مثاله القنوت يوم الجمعة
قال ابن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث عن ليث عن طاوس قال القنوت يوم الجمعة بدعة.
وفيه ليث فيه كلام
(2) حدثنا عبد الاعلى عن برد عن مكحول أنه كان يكره القنوت يوم الجمعة.
وهذا أثر صحيح
(3) حدثنا أبو بكر قال حدثنا شريك عن عبيد الله بن يزيد عن إبراهيم قال القنوت في الجمعة بدعة.
وشريك معروف فيه كلام

ـ ومن أمثلته ما قال أبو شامة ففي الباعث :
" وروى المالكي في كتاب رياضة النفوس أن يحيى بن عمر الفقيه الأندلسي كان يعبر في القيروان على موضع ناس حاكه فإذا كانت أيام العشرين يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل فنهاهم فلم ينتهوا وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال فدعا الله عليهم ثم انقرضوا وخربت ديارهم برهة من الزمان " ا.هـ

ـ وقال أبو شامة أيضا في أمثلة أخرى :
" فالحاصل أن الملكف ليس له منصب التخصيص بل ذلك الى الشارع وهذه كانت صفة عبادة رسول الله قال الحافظ البيهقي في السنن الكبير باب من كره ان يتخذ الرجل صوم شهر يكمله من بين الشهور أو صوم يوم من الأيام وساق فيه من الصحيحين حديث أبي سلمة عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وحديث علقمة قال قلت لعائشة رضى الله عنها هل كان رسول الله صلع يخص من الأيام شيئا قالت لا كان عمله ديمة
قال الأمام الشافعي وأكره ان يتخذ الرجل صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان وكذلك يوم من بين الأيام قال وإنما كرهته ليتأسى رجل جاهل فيظن ان ذلك واجب أو فعل حسن
وذكر الشيخ أبو الخطاب في كتاب أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب عن المؤتمن بن أحمد الساجي الحافظ قال كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان لا يصوم رجب وينهي عن ذلك ويقول ما صح في فضل رجب ولا في صيامة عن رسول الله شيء وقد رويت كراهة صومه عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر رضى الله عنهما وكان عمر يضرب بالدرة صوامه ا.هـ
وقد نقل الطرطوشي كراهة الإمام مالك الاجتماع لختم القرآن في ليلة من ليالي رمضان . وكراهيته الدعاء عقب الفراغ من قراءة القرآن بصورة جماعية
عن كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي
وقال أبو شامة
وقد أنكر الإمام الطرطوشي على أهل القيروان اجتماعهم ليلة الختم في صلاة التراويح في شهر رمضان ونصب المنابر وبين أنه بدعة ومنكر وان مالكا رحمة الله تعالى كرهه

وأكثر ما سبق عن أبي شامة إنما اعتمده من كتاب الطرطوشي فيعتبر كله مذهبا لكليهما

ـ ومن الأمثلة ما رواه ابن أبي شيبة قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة قال : سألت الحكم وحمادا عن التكبير أيام العشر فقالا : محدث.
والأثر صحيح غاية
مع أن التكبير في العشر ثبت من فعل ابن عمر وأبي هريرة ولكن لما لم يبلغهما رأيا أن تخصيص التكبير بدعة لكن إن فعل مع غيره من الأذكار دون تخصيص له عنها فهو ليس ببدعة حتى عند الحكم وحماد

ومنها تخصيص وقت صلاة العيد بذكر كالأذان دون دليل
قال ابن أبي شيبة حدثنا الثقفي عن أيوب عن محمد بن [ سيرين ]قال: " الأذان في العيد محدث "
حدثنا وكيع عن هشام عن قتادة عن ابن المسيب قال :
" أول من أحدث الاذان في العيدين معاوية "
والأثران صحيحان
حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر والحكم قالا الاذان يوم الاضحى والفطر بدعة.
وإسناده ضعيف
قال ابن رجب :
" واتفق العلماء على أن الأذان والإقامة للعيدين بدعة ومحدث .
وممن قالَ : إنه بدعة : عبد الرحمن بن أبزى والشعبي والحكم .
وقال ابن سيرين : وهو محدث ". ا.هـ
[ مع أنه فعله معاوية وروي عن ابن الزبير ]
وفي الموطأ عن مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ فِى عِيدِ الْفِطْرِ وَلاَ فِى الأَضْحَى نِدَاءٌ وَلاَ إِقَامَةٌ مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْيَوْمِ. قَالَ مَالِكٌ وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِى لاَ اخْتِلاَفَ فِيهَا عِنْدَنَا.

أليس الأذان ذكرا لله ؟ أليس قد أمر به النبي عند حضور الصلاة ؟ أليست هذه صلاة؟ فلماذا كانت بدعة ؟
إذا لا يكفي في مشروعية العمل أن تأتي به النصوص العامة بل لابد من مراعاة عمل النبي وصحابته ولا بد من دليل على التخصيص

ـ ومن الأمثلة تخصيص يوم بالاكتحال تسننا
قال ابن عابدين :
"قال الحاكم أيضا: الاكتحال يوم عاشوراء لم يرد عن النبي (ص) فيه أثر، وهو بدعة "ا.هـ

ـ ومنها الاشتغال والتفرغ لعبادة مشروعة في وقت كان النبي ص يحافظ على تركها

فمن طريق بن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعْدِ بن إِسْحَاقَ بن كَعْبٍ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ كَعْبِ بن عُجْرَةَ يَوْمَ الْعِيدِ إِلَى الْمُصَلَّى،"فَجَلَسَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الإِمَامُ، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى انْصَرَفَ الإِمَامُ، وَالنَّاسُ ذَاهِبوُنَ كَأَنَّهُمْ عُنُقٌ نَحْوَ الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: أَلا تَرَى؟، فَقَالَ:"هَذِهِ بِدْعَةٌ وَتَرْكُ السُّنَّةِ".
ومن طريق أَنَس بن عِيَاضٍ، عَنْ سَعْدِ بن إِسْحَاقَ بن كَعْبِ بن عُجْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بن كَعْبِ بن عُجْرَةَ، قَالَ:"شَهِدْتُ مَعَ كَعْبٍ إِحْدَى الْعِيدَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّاسُ ذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَرَأَيْتُهُ يَعْمِدُ إِلَى الْبَيْتِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَهْ، أَلا تَعْمِدُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِنِّي أَرَى النَّاسَ يَعْمِدُونَ إِلَيْهِ؟، فَقَالَ:"إِنَّ كَثِيرًا مِمَّا تَرَى جَفَاءٌ، وَقِلَّةُ عِلْمٍ، إِنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ [ يعني ركعتي العيد ]سُبْحَةُ هَذَا الْيَوْمِ حَتَّى تَكُونَ الصَّلاةُ تَدْعُوكَ".

فلما لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العيد الاشتغال بالمسجد للصلاة و الانهماك بالتنفل بل كان يحافظ على ترك ذلك في هذا الوقت كان فعل ذلك قصدا أو مداومة بدعة محدثة كما قد حكم في الأثر

5ـ تخصيص العبادة بعدد مجاوز أو مخالف للسنة يعد بدعة
وكذا بعدد غير وارد في السنة إن داوم عليه تقصدا

ومنه الزيادة على العدد الذي حافظ عليه النبي ص
ـ قال أبو شامة ناقلا الخبر مسندا
عن سعيد بن السيب أنه رأى رجلا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيها الركوع والسجود فنهاه فقال يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة قال لا ولكن يعذبك على خلاف السنة
وهو أثر ثابت

ـ وجاء في الشرح الكبير للدردير :
" (و) ندب (عدم زيادة) على الصاع، بل تكره الزيادة عليه لانه تحديد من الشارع، فالزيادة عليه بدعة مكروهة كالزيادة في التسبيح على ثلاث وثلاثين وهذا إن تحققت الزيادة وأما مع الشك فلا.


ـ وكذا تخصيص شيء من القرآن بأعداد ولو غير محددة وبتكرار محدث
قال أبو شامة :
" قال وسئل سفيان الثوري رحمه الله تعالى عمن يقرأ قل هو الله أحد لا يقرأ غيرها يكررها ؟
فكرهه وقال : إنما أنزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء وإنما أنتم متبعون ولم يبلغنا عنهم مثل هذا ا.هـ
قال ابن وضاح في البدع والنهي عنها :
نا محمد بن عمرو ، عن مصعب قال : سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة قل هو الله أحد ، لا يقرأ غيرها كما يقرأها ، فكرهه ، وقال : « إنما أنتم متبعون ، فاتبعوا الأولين ، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا ، وإنما نزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء »
وقال محمد بن وضاح : حدثني سحنون ، وحارث ، عن ابن القاسم ، عن مالك أنه سئل عن قراءة قل هو الله أحد مرارا في ركعة ، فكره ذلك ، وقال : « هذا من محدثات (1) الأمور التي أحدثوها ا.هـ
وهذه آثار صحيحة

ـ وكذا الزيادة على الوارد
قال ابن أبي شيبة حدثنا هشيم قال أخبرنا شيخ من قريش عن نافع قال سمعته يحدث عن ابن عمر أنه قال الأذان يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الامام والذي قبل ذلك محدث.
حدثنا شبابة قال حدثنا هشيم بن الغاز عن نافع عن ابن عمر قال الاذان الاول يوم الجمعة بدعة.
حدثنا وكيع قال حدثنا ابن الغاز قال سألت نافعا مولى ابن عمر الاذان الأول يوم الجمعة بدعة فقال ابن عمر بدعة.
قال حدثنا هشيم بن بشير عن منصور عن الحسن أنه قال النداء الاول يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الامام والذي قبل ذلك محدث.
وعند الطبراني في الشاميين
حدثنا طالب بن قرة الأذني ، ثنا محمد بن عيسى الطباع ، ثنا مصعب بن سلام ، عن هشام بن الغاز ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال :
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر أذن بلال ، فإذا فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته أقام الصلاة ، والأذان الأول بدعة
والآثار صحيحة عن عمر
وقال ابن رجب في الفتح :
" وقد أنكر عطاء الأذان الأول ، وقال : إنما زاده الحجاج ، قال : وإنما كان عثمان يدعو الناس دعاء "
خرّجه عبد الرزاق وهو ثابت عنه .
وقال عمرو بن دينار : إنما زاد عثمان الأذان بالمدينة ، وأما مكة فأول من زاده الحجاج ، قال : ورأيت ابن الزبير لا يؤذن له حتى يجلس على المنبر ، ولا يؤذن له إلا أذان واحد يوم الجمعة .
خرّجه عبد الرزاق –أيضاً...
وروى وكيع في ((كتابه )) عن هشام بن الغاز ، قال : سألت نافعاً عن الأذان يوم الجمعة ؟ فقالَ : قالَ ابن عمر : بدعةٌ ، وكل بدعة ظلالة ، وإن رآه الناس حسناً .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لم يكن في زمان النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلا أذانان : أذان حين يجلس على المنبر ، وأذان حين تقام الصَّلاة [ يعني الإقامة ] قال : وهذا الأخير [ يعني المحدث ]شيء أحدثه الناس بعد .
خرّجه ابن أبي حاتمٍ .
وقال سفيان الثوري : لا يؤذن للجمعة حتى تزول الشمس ، وإذا أذن المؤذن قام الإمام على المنبر فخطب ، وإذا نزل أقام الصلاة ، قال : والأذان الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر أذان وأقامة ، وهذا الأذان الذي زادوه محدثٌ .
وقال الشافعي -فيما حكاه ابن عبد البر - :
أحب إلي أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر بين يديه ، فإذا قعد أخذ المؤذن في الأذان ، فإذا فرغ قام فخطب ، قال : وكان عطاءٍ ينكر أن يكون عثمان أحدث الأذان الثاني ، وقال : إنما أحدثه معاوية .
قال الشافعي : وأيهما كان ، فالأذان الذي كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ،وهو الذي ينهى الناس عنده عن البيع ا.هـ

فإذا كان الله قد أمر بذكره ذكرا كثيرا فلماذ هذا الاعتراض على الأذان وهو من أعظم الذكر وأبلغه ولماذا كان عثمان قد أمر به في المدينة ولم يأمر به في مكة ولا في غيرها ؟
وليس الاشكال أن نختلف في مثال كأذان عثمان أو في بعض الأمثلة فهذا الأمر فيه واسع إن اتفقنا على الأصل الذي كان عليه السلف ولكن الاشكال كل الاشكال هو مخالفة السلف في أصلهم .
الاشكال كل الاشكال هو الانفلات البدعي الذي يصادم صفاء الإسلام .
هؤلاء الذين يروجون للبدع والمحدثات والله إنما يسعون لتكدير الاسلام وتشويهه شعروا بهذا أم لم يشعروا والله المستعان

ـ بل مجرد إحداث عبادات أو عادات في مواطن وتخصيصها بها لم ترد بها السنة والآثار يعد بدعة
جاء في المدونة
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ : أَكْرَهُ أَنْ يُتْبَعَ الْمَيِّتُ بِمِجْمَرَةٍ أَوْ تُقَلَّمَ أَظْفَارُهُ أَوْ تُحْلَقَ عَانَتُهُ ، وَلَكِنْ يُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ ، قَالَ : وَأَرَى ذَلِكَ بِدْعَةً مِمَّنْ فَعَلَهُ .
وقال الدردير عن حلق الميت
" أي ما ذكر من الحلق والقلم (بدعة) قبيحة لم تعهد في زمن السلف "

ـ وعن تخصيص أي شيء بعمل فيما سكت عنه الشارع مداومة عليه أو اعتقاد لأفضليته
قال في التاج والإكليل
( وَالْمُعَيِّنُ مُبْتَدِعٌ ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ : قَوْلُ مَنْ قَالَ يُبْدَأُ بِالْيَمِينِ بِدْعَةٌ .
وفي المدونة نفسها
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قُلْتُ لِمَالِكٍ : مِنْ أَيِّ جَوَانِبِ السَّرِيرِ أَحْمِلُ الْمَيِّتَ ، وَبِأَيِّ ذَلِكَ أَبْدَأُ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ ، احْمِلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ إنْ شِئْتَ مِنْ قُدَّامٍ وَإِنْ شِئْتَ مِنْ وَرَاءٍ ، وَإِنْ شِئْتَ احْمِلْ بَعْضَ الْجَوَانِبِ وَدَعْ بَعْضَهَا ، وَإِنْ شِئْتَ فَاحْمِلْ وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ ، وَرَأَيْتُهُ يَرَى أَنَّ الَّذِي يَذْكُرُ النَّاسُ فِيهِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْيَمِينِ بِدْعَةٌ .

ـ وعن تخصيص صيغة في الدعاء بموطن دون دليل
جاء في المدونة
قَالَ : فَقُلْتُ لِمَالِكٍ : فَهَذَا الَّذِي يَقُولُ النَّاسُ [ يعني في الأضحية ] اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ ؟ فَأَنْكَرَهُ ، وَقَالَ : هَذَا بِدْعَةٌ .
فبناء على أنه لم يثبت عنده روايةً حكم ببدعيته

ـ وكذا ما تركه النبي ص في عبادة من عباداته وثبت بالاستقراء أنه لم يفعله فيها مطلقا يكون فعله في تلك العبادة بدعة ولو كان هذا الفعل عبادة أيضا
كما في قراءة القرآن أثناء الطواف
قال ابن أبي شيبة : نا عباد عن يحيى البكاء قال : سمع : ابن عمر رجلا يقرأ وهو يطوف بالبيت فنهاه.
وقال نا جرير عن ليث عن مجاهد قال : كان يكره القراءة في المشي في الطواف ، ولكن يذكر الله ويحمده ويكبره.
وقال نا فضيل بن عياض عن هشام عن الحسن وعطاء قال :
القراءة في الطواف محدث.
وقال نا ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يكره القرآن في الطواف.
وعند عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن عطاء (1) قال : كانوا يطوفون ويتحدثون ، قال : وسئل عطاء عن القراءة في الطواف ، فقال : هو محدث (2).
وقال عن معمر عن ابن أبي نجيح سئل عن القراءة في الطواف ، فقال : أحدثه الناس.
وقال عن الاسلمي بن أبي بكرة (4) عن يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر يكره القراءة في الطواف ، يقول (5) : محدث
وقال الأزرقي في أخبار مكة
حدثنا أبو الوليد قال : حدثني جدي ، عن فضيل بن عياض ، قال : حدثنا منصور ، عن إبراهيم ، قال : « القراءة في الطواف بدعة (1) »
وجل هذه الآثار صحيح
وجوزه عطاء في رواية أخرى وسبق عنه أيضا المنع

ـ وعن تخصيص العبادة بنوايا محدثة
قال الصنعاني في سبل السلام :
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بِنِيَّةِ كَذَا ، وَبِنِيَّةِ كَذَا ، كَمَا يُفْعَلُ الآنَ ، فَلَمْ يَرِدْ بِهَا دَلِيلٌ ، بَلْ هِيَ بِدْعَةٌ ا.هـ

ـ وعن تخصيص شيء من القرآن معين بصلاة معينة ولو كان مما ورد تخصيصه أحيانا
قال أبو شامة :
" وقرأت في كتاب شرح الجامع للزعفراني الحنفي فصلا حسنا أعجبني إثباته ههنا قال وكان يكره ان يتخذ شيئا من القرآن حتما يوقت لشيء من الصلاة وكره أن تتخذ السجدة وهل أتى على الإنسان لصلاة الفجر يقرآن كل جمعة ...
ثم قال : وإنما كره الملازمة في قراءة السورة فأما أحيانا فمستحب لأن الحديث قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأهما في صلاة الفجر ولكن فعل ذلك لا يدل على اللزوم " ا.هـ

وعن تخصيص الآيات المشتملة على السجدات أو ذات الأدعية في التراويح
قال أبو شامة
"وابتدع بعضهم أيضا جمع آيات السجدات يقرأ بها في ليلة ختم القرآن وصلاة التراويح ويسبح بالمأمومين في جميعها ..
وابتدع آخرون سرد جميع ما في القرآن من آيات الدعاء في آخر ركعة من التراويح بعد قراءة سورة الناس فيطول الركعة الثانية على الأولى نحو من تطويله بقراءة الأنعام مع اختراعه لهذه البدعة وكذلك الذين يجمعون آيات يخصونها بالقراءة ويسمونها آيات الحرس ولا أصل لشيء من ذلك فليعلم أن جميع ذلك بدعة وليس شيء منها من الشريعة بل هو مما يوهم أنه من الشرع وليس منه وبالله التوفيق " ا.هـ


ـ وشدّدَ السلف حتى في أدنى المحدثات كانتشار الوعظ بالقصص مفردا عن غيره بعد أن كان نادرا تابعا لصور أخرى من الوعظ
قال ابن وضاح
نا أسد قال : نا أبو هلال قال : نا معاوية بن قرة قال : « كنا إذا رأينا الرجل يقص قلنا : هذا صاحب بدعة »
وحدثني عن موسى ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، عن همام بن الحارث التيمي ، قال : « لما قص إبراهيم التيمي أخرجه أبوه من داره وقال : ما هذا الذي أحدثت ؟ »
وحدثني عن موسى ، عن ابن مهدي ، عن أبي سليمان ، عن يزيد الرشك ، عن خالد الأشج ابن أخي صفوان بن محرز قال : « كنا في مسجد المدينة ، وقاص لنا يقص علينا ، فجعل يختصر سجود القرآن فيسجد ونسجد معه ، إذ جاء شيخ فقام علينا فقال : » لئن كنتم على شيء ، إنكم لأفضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألنا عنه فقلنا : من هذا الشيخ ؟ فقالوا : هذا عبد الله بن عمر «
حدثني ابن وضاح ، عن أبي أيوب الدمشقي سليمان بن شرحبيل قال : نا ضمرة بن ربيعة ، قال سمعت سفيان الثوري ، وسأله عمر بن العلاء اليماني فقال : « يا أبا عبد الله أستقبل القاص ؟ فقال : » ولوا البدع ظهوركم «
وقال ابن وضاح : عن عبد الله بن محمد قال : نا شبابة قال : نا شعبة قال : نا عقبة بن جرير قال سمعت ابن عمر وجاء رجل قاص فجلس في مجلسه ، فقال له ابن عمر : « قم من مجلسنا ، فأبى (1) أن يقوم ، فأرسل ابن عمر إلى صاحب الشرطة : أقم القاص ، قال : فبعث إليه فأقامه »
حدثني محمد بن وضاح ، عن عبد الله بن محمد قال : ثنا شريك ، عن إبراهيم ، عن مجاهد قال : « دخل قاص فجلس قريبا من ابن عمر ، فقال له : » قم ، فأبى (1) أن يقوم ، فأرسل إليه شرطيا فأقامه « . وسمعت ابن وضاح يقول في القصاص : » لا ينبغي لهم أن يبيتوا في المساجد ، ولا يتركوا أن يبيتوا فيها « ا.هـ

مع أن القََصَص المنضبط بالروايات المظنون ثبوتها ، البعيدة عن استرخاص كل خيال ، قد جوزه بعض أتباع التابعين لنفعه للعامة ولثبوت أصله ، ومنهم الإمام أحمد فلم تخل الأحاديث المرفوعة من قصص بل والقرآن فمتى ما كان منضبطا جاز وليس هذا من الإستدلال بالعام بل بالنصوص الخاصة ولكن الذي أنكره السلف هو التوسع وإفراده كطريقة للوعظ بما جعله هيئة محدثة .
فمن جرّد وعظه إلا من القصص المستمد من الواقع كان فِعْله أشبه بما أنكره السلف
وعلى كل فإنكار هؤلاء السلف من صحابة وتابعين دال على مفهوم البدعة عندهم
ـ وعن القيام بالعمل في غير ما شرع له
قال في البحر الرائق من كتب الحنفية :
" الِاسْتِنْجَاءَ لَا يُسَنُّ إلَّا مِنْ حَدَثٍ خَارِجٍ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ غَيْرِ الرِّيحِ ؛ لِأَنَّ بِخُرُوجِ الرِّيحِ لَا يَكُونُ عَلَى السَّبِيلِ شَيْءٌ فَلَا يُسَنُّ مِنْهُ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ " ا.هـ

ـ وعن تذكير المؤذن للناس بالصلاة على سبيل المداومة في غير ما ورد به التذكير
روى البيهقي وغيره عن مجاهد قال كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر فقال اخرج بنا فان هذه بدعة.
قال الشاطبي في الاعتصام :
" وحكى ابن وضاح قال : ثوب المؤذن بالمدينة في زمان مالك ، فأرسل إليه مالك فجاءه ، فقال له مالك : ما هذا الذي تفعل ؟ فقال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقومون . فقال له مالك : لا تفعل ، لا تحدث في بلدنا شيئا لم يكن فيه ، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا ، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه .
فكف المؤذن عن ذلك وأقام زماناً ، ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر ، فأرسل إليه مالك فقال له : ما الذي تفعل ؟ قال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر . فقال له : ألم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن ؟ فقال : إنما نهيتني عن التثويب . فقال له : لا تفعل .
فكف زماناً . ثم جعل يضرب الأبواب ، فأرسل إليه مالك فقال : ما هذا الذي تفعل : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر . فقال له مالك : لا تفعل ، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه .
قال ابن وضاح : وكان مالك يكره التثويب ـ قال ـ وإنما أحدث هذا بالعراق . قيل لابن وضاح : فهل كان يعمل به بمكة أو المدينة أو مصر أو غيرها من الأمصار ؟ فقال : ما سمعته إلا عند بعض الكوفيين والإباضيين .
فتأمل كيف منع مالك من إحداث أمر يخفى شأنه عند الناظر فيه ببادىء الرأي وجعله أمراً محدثاً ، وقد قال في التثويب : إنه ضلال ، وهو بين ، لأن :
" كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ولم يسامح للمؤذن في التنحنح ولا في ضرب الأبواب ، لأن ذلك جدير بأن يتخذ سنة ا.هـ

مع أن تذكير الناس بالطاعة ومعاونتهم عليها من أشهر ما جاءت به النصوص العامة فلماذا بدعه ابن عمر


وهذه أخي الكريم جملة من التطبيقات للسلف الصالح أظنها كافية لمريد الحق وغيرها كثير تركتها خشية الإطالة وإن كنت قد أطلت فأعتذر على ذلك
وأعتذر أيضا على هذا الترتيب الذي لم يكن دقيقا فعسى في فرصة لاحقة أفعل ذلك لعسره الآن بالنسبة لظرفي والله الموفق للهدى والصواب .

وفي الختام أنبه إلى ما نبه إليه العلماء من أن فتح باب الإحداث بالتسويغ لكل أحد أن يخصص من عنده أوقاتا أو أمكنة أو كيفيات بالعبادات المشروعة في أصلها يؤدي مستقبلا إلى تبديل الشريعة ومحوها وهذا يهدد أعظم مقصد من مقاصد الشرع ألا وهو حفظ الدين .

وهذا مما أغفله الأستاذ وما أكثر ما أغفله ، مع ما في هذا من إبراز لحقيقة خطر هذا الأمر



ـ وأيضا لابد من التنبيه إلى أن الحالة النفسية كما تقود المرأة المتبرجة للتشكيك في أخواتها المتحجبات لما تعكسه المتحجبات من ظاهرة حية محسوسة تؤرق تلك المقصرة وتجدد في نفسها ـ باستمرار ـ الشعورَ بالتقصير .
وكما تقود تلك الحالة النفسية المتهاونَ والمقصّرَ للتشكيك فيمن ظاهرهم الإستقامة وهو كثير وملحوظ لنفس السبب وذاته .
فكذلك نفس السبب يحضر ليبين تلك الحالة التي تخيم على مروجي البدع والمتلطخين بها فتدفعهم لمحاربة النزهاء من البدع والأبرياء من كبيرها وصغيرها ، والمعتصمين بالسنة والسنة فقط
فهذا هو سبب النفرة والتنفير الذي جعله الأستاذ مهمة يحملها على عاتقه ، وممن ؟
ممن لا يقبل بديلا عن السنة ، ولا يحيد عنها قيد أنملة ، ويعضّ عليها بالنواجذ كما أوصاه نبيه الحبيب
فسبحان الله بدل أن يُكَرّم هؤلاء على ما هم عليه من حرص يُنفّر منهم ويُهانوا ويُسَبوا ويُشتموا من قبل الأستاذ ، والأعجب أنه باسم الدين !! وباسم محاربة الخلاف !! وباسم التقريب !!
هذا وهو يريد التقريب ورفْع الخلاف ولا أدري ماذا سيفعل إذا أراد أن يحاربهم ويمحوهم ؟!



ـ وأخيرا أنبه إلى أن هؤلاء ينادون بتسويغ مخالفة ما كان عليه النبي ص وصحابته بينما لا يقبلون بهذا فيما سنوه هم للناس !!
وهذا أمر بيّن لا يخفى تجدهم ينكرون على الناس تركهم هذه المحدثات إنكارا شديدا مبالغا فيه وأمثلته كثيرة في القديم والحديث ومنه ما نقله الشاطبي رحمه الله وهذا في السبعمائة هجري أو قبلها حيث قال :

" فحكى القاضي أبو الخطاب بن خليل حكاية عن أبي عبد الله بن مجاهد العابد :
أن رجلا من عظماء الدولة وأهل الوجاهة فيها ـ وكان موصوفا بشدة السطو وبسط اليد ـ نزل في جوار ابن مجاهد وصلى في مسجده الذي كان يؤم فيه وكان [ ابن مجاهد ] لا يدعو في أخريات الصلوات تصميما في ذلك على المذهب ( يعني مذهب مالك ) لأنه مكروه في مذهبه وكان ابن مجاهد محافظا عليه
فكره ذلك الرجل منه ترك الدعاء وأمره أن يدعو فأبى وبقي على عادته في تركه في أعقاب الصلوات فلما كان في بعض الليالي صلى ذلك الرجل العتمة في المسجد فلما انقضت وخرج ذلك الرجل إلى داره قال لمن حضره من أهل المسجد : قد قلنا لهذا الرجل يدعو إثر الصلوات فأبى فإذا كان في غدوة غد أضرب رقبته بهذا السيف وأشار في يده فخافوا على ابن مجاهد من قوله لما علموا منه فرجعت الجماعة بجملتها إلى دار ابن مجاهد فخرج إليهم وقال : ما شأنكم ؟ فقال لهم : والله لقد خفنا من هذا الرجل وقد اشتد الآن غضبه عليك في تركك الدعاء فقال لهم : لا أخرج عن عادتي ... " ا.هـ
فانظر إلى هذا العداء من أجل الدعاء الجماعي بعد الصلوات وهو محدث مخترع لم يفعله لا رسول الله ولا صحابته بل أنكره جملة من الأئمة كما سبق
ومما هو واقع الآن أن الذكر الجماعي والدعاء بعد كل صلاة وبعض الأوراد التي يمارسها الناس في المساجد مع أنها محدثة فإن من كان له نوع سلطة من هؤلاء في مسجده لا يقبل ترك هذه الأمور حتى أن كثيرا منهم يفرض من منطلق مكانته في المسجد منع التقدم للإمامة إلا من يحافظ على هذه المحدثات !!
حتى أن وزارة الأوقاف بقيادة علماء الصوفية في بعض البلاد العربية قننت في شروط الإمامة الدعاء بعد كل صلاة !
فهؤلاء لا يرضون بمخالفة سنتهم التي سنوها من عند أنفسهم أو من عند شيوخهم !
ثم هم لايقبلون من يقف نفس الموقف ممن يترك سنة النبي فالعجب من الإجحاف والبغي وإلى الله وحده المشتكى من هذه القسمة الجائرة .

وأنا لا أنسى ما كان يفعله أحد المشايخ الذين درست عليهم القرآن فإنه بلغ به الأمر وكنت وقتها أبلغ من العمر ستة عشر سنة أنه طردني وكل من يقرأ عنده ممن لا يوافقه على حضور جلسات المديح أيام المولد وكنت أنا ومن معي من الشباب من أبرز تلاميذه ولم يبال مع قلة مراكز التحفيظ يومها
فهؤلاء أيها الإخوة يستنكرون شدتنا على من يخالف السنة ويتهموننا في ديننا لأجل ذلك بينما يرحبون بمن يدافع عن البدع ولو بتلك الصورة العدائية !!
ومما يشبه هذا ما جاء من الأستاذ في إنكاره على من لا يرى صيام يوم المولد النبوي فبالله عليكم هل هذا حال من يحارب الخلاف ؟
أم هي الشعارات !!
أيها الإخوة الكرام لماذا لا نكتفي بما كان عليه النبي ص من سنن وعبادات فالسنة كافية ووافية
سبحان الله يقول تعالى :
( وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا )
سبحان الله
ماذا عليهم لو أنهم دعوا الناس إلى لزوم سنة النبي الكريم التي عاش عليها ومات عليها ؟!!
ماذا عليهم لو أنهم نصحوا من أراد أن يصلي أو يصوم أو يحج أو يدعوا ربه أو يذكره أن يجتهد في فعل ما كان يفعله النبي ص وصحابته ؟
إن أجندة السنة النبوية مليئة بالعبادات ، مليئة بالأذكار ، مليئة بالعمل ، مليئة بالخير ، مليئة بالبركة
صاحبها تفطرت قدماه من كثرة العبادة
يصلي إذ ينامون ، ويصوم إذ يفطرون ويذكر إذ يفترون ويثبت إذ يفرون ويتقدم في القتال إذ يتأخرون
فلماذا تحرصون على أجندة أخرى دخيلة ؟؟
حتى إن الله عندما خلق الناس متفاوتين في القدرات وفي الظروف والأحوال فتح لهم مجال العبادة بما قد يوسع على صاحب الظرف ويناسب ويلائم صاحب القدرة والطاقة وذلك عن طريق الأجندة العامة للسنة التي لم يكن النبي يقيدها بزمن ولا مكان ولا هيئة وكيفية ولا عدد
فسبح ما شئت واذكر ما شئت وصل ما شئت واقرأ القرآن ما شئت
فقد كان النبي ص يذكر الله على كل أحواله

فقط احذر أمرين :
أ ـ لا يكون ذلك على وجه منهي عنه كأن تصلي قبل غروب الشمس أو قبل طلوعها أو كأن تقرأ القرآن وأنت راكع أو وأنت ساجد أو تصوم في يوم عيد أو في أيام التشريق

ب ـ ولا تقرب في عبادتك جانب التشريع فعندما تنشط نفسك للتعبد فلا تستحسن وتُشرّع :
1ـ لاكيفيات 2ـ ولا أعدادا 3ـ ولا أزمنة 4ـ ولا أمكنة
لم يرد استحسانها في السنة .

ما أهنأ أن يعيش المسلم على السنة لا يخطو خطوة في عبادته إلا بها في صلاة أو صيام أو ذكر أو دعاء بعيدا عن كل رأي محدث
قال محمد بن مخلد العطار: سمعت إبراهيم الحربي يقول :
" لا أعلم عصابة خيرا من أصحاب الحديث ، إنما يغدو أحدهم ومعه محبرة ، فيقول : كيف فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وكيف صلى ، إياكم أن تجلسوا إلى أهل البدع ، فإن الرجل إذا أقبل ببدعة ليس يفلح ".

يقول العلامة ابن رجب :
" فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث. وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام. والزهد. والرقائق. والمعارف. وغير ذلك والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولا. ثم الاجتهاد على الوقوف في معانيه وتفهمه ثانياً. وفي ذلك كفاية لمن عقل. وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل "

هذا وأسأل الله أن يجمع أهل الإسلام على الكتاب والسنة ، وعلى ما كان عليه المسلمون في الزمن الأول ، يوم أن كانوا أقرب للمنبع ، ويوم أن كانوا أبعد عن الانحراف ، وأنجح في نصر الاسلام ، وأقوى من أي وقت مر على المسلمين ، وأصدق في التزام تعاليم الإسلام
آمين يا رب العالمين



وكتبه الفقير إلى ربه محمد بن خليفة الرباح

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=177662

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 08-29-2009, 09:56 PM
حفيدة الحميراء حفيدة الحميراء غير متواجد حالياً
قـــلم نــابض
 




افتراضي

جزاكم الله خيـرا
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09-22-2009, 03:42 PM
الأقصى السجين الأقصى السجين غير متواجد حالياً
عضو فعال
 




Ramadhan05

نفع الله بكم المسلمين
اللهم اهدي المسلمين والمسلمات اللهم أصلح أحواله
م
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12-30-2009, 12:07 AM
سعيد عناني سعيد عناني غير متواجد حالياً
قـــلم نــابض
 




افتراضي

جزاكم الله كل خير
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-03-2010, 05:41 PM
فخورة بنقابي فخورة بنقابي غير متواجد حالياً
قـــلم نــابض
 




افتراضي

نفع الله بكم
وجزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-06-2010, 04:20 AM
عبد الملك بن عطية عبد الملك بن عطية غير متواجد حالياً
* المراقب العام *
 




افتراضي

يُرفع ؛ للفائدة
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

منتديات الحور العين

↑ Grab this Headline Animator

الساعة الآن 03:42 PM.

 


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
.:: جميع الحقوق محفوظة لـ منتدى الحور العين ::.