نسألكم الدعاء بالشفـــــاء العاجــــل لوالدة المشرف العام ( أبو سيف ) لتدهور حالتها الصحية ... نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيها ... اللهم آمـــين
اعلانات


عقيدة أهل السنة يُدرج فيه كل ما يختص بالعقيدةِ الصحيحةِ على منهجِ أهلِ السُنةِ والجماعةِ.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-04-2008, 07:21 PM
هجرة إلى الله السلفية هجرة إلى الله السلفية غير متواجد حالياً
رحمها الله رحمة واسعة , وألحقنا بها على خير
 




Islam كتاب مفيد وبسيط لكل من يحب تعلم العقيدة

 



السلام عليكم
هذا كتاب مفيد جدا ومبسط يجب علي كل مسلم تعلم مافيه
وهو موجود بمكتبة موقع صيد الفوائد وموقع المشكاة انقله اليكم لتعم الفائدة تفضلوا



فتح رب البريه
فى تقريب مقدمة
شرح العقيدة الطحاوية
جمع وترتيب
أم شهاب
هالة يحيى صادق
مدرسة مادة العقيدة
بالمركز الأسلامي العام لدعاة التوحيد والسنة
والحاصلة علي اجازة في العقيدة
من الشيخ/سليمان محمد اللهيميد

راجعه وقدم له
الشيخ/سليمان محمد اللهيميد و : الدكتور الشيخ سيد العربي
السعودية - رفحاء الداعية الأسلامي - القاهرة






تقديم
الحمد لله كفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد...
فهذه ورقات حوت تقريب لمقدمة شرح الطحاوية لابن ايى العز رحمه الله تعالى قام بكتابتها احدى طالبات العلم والتى تجتهد فى تعُلم العقيده , بل فى تَعلِيمها بحسب ما ييسر الله , هدانا الله واياها للخير ورزقنا الله وامثالها العلم النافع والعمل الصالح , وسلم قلوبنا من النفاق وجعلنا من المخلصين...آمين.............
ولقد طُلب منى النظر فى هذه الورقات ومراجعتها وتصحيحها , فقمت بذلك من باب التعاون على البر والتقوى , ومن باب التسديد والمقاربه , ومن باب التشجيع على امتداد الخير , ومعاونةً لطلبة العلم وحضهم على الاستمرار على مثل هذا الجهد الجيد , الذى لو نظرنا اليه على انه بداية لكان مبشراً بخير كثير فيما بعد , وكذا امتداداً لما سار عليه المتقدمون من تعلم عقيدة الحق والدعوة اليها , واللهَ اسأل ان يتقبل منا ومنها ومن كل من يعمل لله تعالى ويدعو اليه مثل هذا الجهد الطيب ويكتب له القبول ويجعله نافعا , فهو ولى ذلك والقادر عليه وحده سبحانه.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين

وكتبه راجى عفو ربه
د/ السيد العربى ابن كمال






بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد0000
فقد قرأت كتاب الأخت الفاضلة / هالة بنت يحيى صادق وفقها الله ، الذي هو :فتح رب البرية في تقريب مقدمة شرح العقيدة الطحاوية للإمام ابن أبي العز رحمه الله ، فوجدته كتاباً نافعاً مفيداً حرصت فيه الأخت على ذكر الأدلة من القرآن والسنة ومن كلام أهل العلم فخرج كتاباً سهل العبارة ، واضح المعاني ، فيه فوائد كثيرة نافعة ومفيدة000
فأنصح بقراءته ومطالعته ونشره ليستفاد منه ومن فوائده وأبحاثه ومسائله واشكر الأخت الفاضلة / هالة على جهدها المميز الواضح في هذا الشرح
وأسأل الله يوفقها للعلم النافع والعمل الصالح وأن يبارك في عمرها وعلمها
وأن يجعل هذا الكتاب في ميزان حسناتها وأن ينفع به الإسلام والمسلمين

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


الشيخ
سليمان بن محمد اللهيميد
إمام وخطيب جامع الجبهان
وموجه حلقات تحفيظ القرآن بالمملكة العربية السعودية







بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يُضلل فلا هادى له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ........أما بعد ..
أحاول مستعينة بالله ان أقدم فى هذه الأوراق تقريب لمقدمة [ شرح العقيدة الطحاوية ] للإمام ابن أبى العز الحنفى ، سائلة الله العلى القدير أن يجعل هذا العمل صالحا ولوجهه خالصا ، موصلا لمرضاته ، نافعاً لعباده ، وأن يعظم لى ولزوجى ولأسرتى ومشايخى وكل من ساعدنى الأجر والمثوبة , وان يعاملنا بفضله وبمنه وجوده وكرمه وأن يغفر لنا ويرحمنا إنه سميعٌ مُجيب ..
وقد قمتُ بجمع وتقريب وترتيب هذا الشرح ليكون سهلاً ميسراً للمبتدئين فى تعلم العقيدة مستعينةً بعد الله عز وجل بعدة مراجع من أبرزها : -
- شرح العقيدة الطحاوية للشيخ د/ سيد العربى
- وشرح العقيدة الطحاوية للشيخ د/ سفر الحوالي
- وشرح العقيدة الطحاوية للشيخ / صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
- وهذا الترتيب لاصحاب الفضيلة بحسب استفادتى من الشروح –
سائلةً المولى جل وعلا أن ينفع بهذا الشرح والتقريب كل من قرأه وكل من ساهم وشارك فى خروجه ومثوله بين يديك ايها القارئ الكريم وأن يجعله سبباً لمحو السيئات ورفع الدرجات وجلب الحسنات ودخول الجنات ..... هذا وقد اسميته
فتح رب البريه فى تقريب مقدمة شرح العقيدة الطحاويه
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله النبى ألأمين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين ..
ام شهاب
هالة يحى صادق

*******************





مقدمة فى طلب العلم


صحة القلب بالعلم :

إن من دلائل صحة القلب الإهتمام بالعلم والإقبال عليه والحرص على تحصيله ذلك لأن الله مدح أهل العلم ورفعهم على غيرهم درجات قال تعالى فى سورة المجادلة آية 11 { يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } وقال فى آية 9 الزمر : { أمن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب } .



شرف العلم :

يكفى العلم شرفا ان كل من ينتسب اليه يزهو ويشعر بالكرامه ولو كان انتسابا شكليا , وكفى بالجهل مذمة شعور كل من ينتسب اليه بالمعرة , والجاهل لا يعرف أنه جاهل ويقنع بذلك , ثم هو لا يعلم معنى العلم وأهميته وأنه هو الشرف العظيم فى هذه الحياة , ومن عظيم مكانة العلم ان الله تعالى لم يأمر نبيه بالاستزاده من شئ الا من العلم قال تعالى: فى سورة طه آية 114 :{ قل رب زدنى علماً } وكفى بذلك شرفاً .
وصدق القائل اذ يقول:
تعلم فليس المرء يولد عالما *** وليس ذو جهل كمن هو عالما



لذة العلـم :

اعلم ان للعلم حلاوة لا يعرفها إلا من تعلم وذاق حلاوة العلم قلبه ولمس شغافه ، حتى قال بعضهم : إننى تمر بى المسألة فأود لو أن كل الناس عرفوا منها ما أعرف . وقال آخر : أسمع الكلمة لم أسمعها من قبل فأتمنى لو كان كل جسدى آذان حتى تستمتع بها كما استمتعت أذنى ..
فالعلم نعيم لكن لا يحصل عليه ولا يستمتع به إلا من جعله خالصا لوجه الله .


طبقات الناس فى تحصيل العلم :

والناس فى الإهتمام بالعلم كثير لكنهم لا يستوون ، وهُم طبقات فمنهم :

• المُـتعـجـل :

الذى يظن أن العلم يُحصّل فى أسابيع أو أشهر أو سنين معدودة . وهذا بعيد عن الصواب لأن العلم لا ينتهى حتى ان المرء يموت ولازالت هناك مسائل كثيرة لم يعلمها ، والعلم الكامل لله وحده .

وتحصيل العلم لا يكون جملة واحدة ولكن ينبغى أن يكون بالتدريج والمرحلية ، فالتدرج سُنة النبى صلى الله عليه وسلم وسُنة الصحابة رضوان الله عليهم وسُنة أهل العلم من بعدهم ، فالنبى صلى الله عليه وسلم علّم الصحابة رضوان الله عليهم فى مكة أصل الأصول الذى به سلامة القلب وصحته وسلامة العقل وصحته ألا وهو : توحيد الله جل جلاله والبراءة من كل ما سوى الرب جل وعلا ، ثم بعد ذلك أخذ الصحابة العلم شيئاً فشيئاً ، وكل أخذ من العلم بقدر ما يسره الله له وقدّره ، وهناك وصية لابن شهاب الزهرى لابد أن تحفظها فقد كانت نعم الوصية حيث قال : من رام العلم جملة ذهب عنه جملة إنما يطلب العلم على مر الأيام والليالى ..


• المتـذوق :

وهذا الصنف الثانى وهُم أهل التذوق فى أخذ العلم ، تجده يأتى يطلب علماً ما مدة قليلة ثم يأتى ويحكم على هذا العلم أو على من يُعلم هذا العلم بما يروق او لايروق , ثم ينتقل الى علم آخر .. وهكذا .. وهذا دليل على نقص فى العلم وفى الإدراك وفى التعقل لأن العلوم لا يحكم عليها إلا من احصى كثير من اصولها وفروعها وصار مخضرم فيها على الاقل .. فمن كان هذا شأنه ليس طالب علم .
وأنظر كتب التراجم حيث ترجم أولئك المصنفون لأهل العلم تجد أنه فى ترجمة إمام من الأئمة أو حافظ من الحُفاظ يذكر فى أوائل ترجمته أنه قرأ الكتاب الفلانى من الكتب القصيرة من المتون المختصرة . لماذا يذكرون هذا ؟ .. ولماذا يجعلونه منقبة من مناقب صاحبها ؟ . لأن هذه هى طريقة العلم فى حقيقة الامر ..
وأحرص على ألا يدخل عقلك إلا صورة صحيحة من العلم ، لا تهتم بكثرة المعلومات بقدر ما تهتم بأن لا يدخل العقل إلا الصورة الصحيحة للعلم ، فليس العلم أن تكون المسائل كثيرة وغير منضبطة إنما العلم أن تكون الصورة للمسألة العلمية فى الذهن منضبطة من حيث حقيقة المسألة ومن جهة الحكم ومن جهة الدليل ووجه الإستدلال
إذا عودت نفسك على هذا سرت سيراً حسناً فى فهم العلم ، وأسأل الله لى ولكم العلم النافع والعمل الصالح وأن يجعل العلم حجةً لنا لا علينا .



أحوال طالب العلم :

ويهمنا فى هذا المقام أن نذكر شيئاً هاماً وهوما يتعلق بأحوال طالب العلم ، فطلبة العلم يختلفون فى رغباتهم وإستعدادتهم أيضاً فمنهم من يستمع للعلم رغبةً فى تحصيله ، ومنهم من يستمع للعلم رغبةً فى تقييم المعلم ، ومنهم من يأتى مرة ويترك عشر ، .... وأحوال أخر ، والذى يهمنا هو من يأتى رغبةً فى العلم وتحصيله ، فهذا الذى يأتى راغباً فى الإستفادة ينبغى أن يكون علي حالة قلبية وعقلية خاصة.
بأن يكون قصده بطلب العلم أن يرفع الجهل عن نفسه ، وهذا هو الإخلاص فى العلم لأن طلب العلم عبادة والإخلاص فيه واجب , ثم أن ينوى رفع الجهل عن غيره ، فإذا رفع الجهل عن نفسه كان عالماً بمراد الله ثم بعد ذلك يستعين بالله فى إمتثال مراداته الشرعية ثم حين يتلقى العلم ينبغى أن يكون واثق من علم المعلم وأن يكون مطمئن أن الأصل فى المعلم أنه على صواب لأنه إذا دخل الى نفسه أن المعلم معلوماته مشوشة لن يستفيد ، لأنه كلما استمع سيستمع باذن المُعارض وبعد كل كلمة يفكر ويبحث فى ما عنده , ثم فى هذا الوقت يكون المعلم أتى بمسألة آخري فإذا إنتهى من تفسيره سمع جملة أخرى فتكون مشوشة فيدخل فى إعتراضات وهذا يحرم المستمع من العلم
لكن عليه أن يكتب فى كراسته الإشكال ثم بعد ذلك يبحث هذا الإشكال أو هذه المسألة مع المعلم .

وهناك رواية عن كيفية طلب العلم حدثت مع الشيخ عبد الرزاق عفيفى العلامة المشهور وكان عنده من يسأله عن مسائل فى الحج فإذا أتى مُستفتٍ جاء ذلك السائل يقول فإن كان كذا وكذا , يحاول تعلم العلم بطرح مسائل أخر غير المسألة التى يستفتى فيها السائل فقال له الشيخ : العلم لا يؤتى هكذا وإنما يؤتى العلم بدراسته ..
وهذا صحيح لان من يعترض ويورد أسئلة وإستشكالات كلما سمع علما فهذا يؤثر على الذهن وصفائه وعلى تصور المسائل أثناء الدرس ، قال تعالى :{ ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكانَ خيراً لهم والله غفور رحيم } الحجرات 5 ..



والحمد لله وأصلى وأسلم على خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه وآله أجمعين ..
إسم الكتاب ومؤلفه وشارحه



إسم الكتاب : شـرح العقيــدة الطـحاويـة :

العقيدة لغةً : من العقد وهو ضد الحل وهى ما تكون فى المنعقد غير المحلول
العقيدة شرعاً : مجموعة من المعانى الشرعية التى ينبغى أن تنجزم فى ذهن المسلم وتنعقد فى قلبه إنعقاداً جازماً وهذه المسائل تتعلق بشأن الله عز وجل والكتب والرسل والملائكة واليوم الآخر وكل ما ينبغى للعبد أن يكون له فيه معتقد ..
والعقيدة تزكيةٌ للنفس ترقيق للقلبقرب من الله عز وجل

الطحاوية : نسبةً الى جامعها ومصنفها ومؤلفها الذى ولفها ورتبها ( الإمام الطحاوى )
فالعقيدة الطحاوية : هى مجموعة من الأقوال التى جمعت أصول معتقد السلف ، وهى موافقة فى جل مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر ( أهل السنة والجماعة ) وذكر عدد من أهل العلم أن ائمة و أتباع المذاهب الأربعة ارتضوها فهى فى الإجمال إشتملت على أصول الإعتقاد المتفق عليها إلا مواضع منها تحتاج الى بعض التبيين سنُبينها فى محلها بإذن الله تعالى .

وتناولها عدد كبير من اهل العلم بالشرح بلغ عددها ( حوالى سبعة شروح ) أو أكثر , ولكن لم تخلو كثير من هذه الشروح من بعض الأخطاء , لأن الذين ألفوها كانوا على منهج المتأخرين فلم تخلُ شروحهم من ملاحظات ومخالفة لما فى عقيدة الطحاوى , إلا شرح ابن أبى العز رحمه الله وهو اشهرها ، وقد ضم شرحه هذا منقولات من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ومن كتب ابن القيم ومن كتب الأئمة الاخرين , فهو شرح حافل وكان العلماء يعتمدون عليه ويعتنون به لنقاوته وصحة معلوماته فهو مرجع عظيم من مراجع العقيدة ، والمؤلف ألف هذه العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة عموماً ومنهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفى فهو أقدم الأئمة الأربعة وأدرك التابعين وروى عنهم ، وكذلك صاحباه أبو يوسف ومحمد الشيبانى وأئمة المذهب الحنفى ، ذكر عقيدتهم وأنها موافقة لمذهب أهل السنة والجماعة الا ما سيأتى بيانه فيما يتعلق بعلاقة العمل بالايمان.

إسم المؤلف ونسـبه :

الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدى الحَجْرى المصرى الطحاوى نسبه إلى طحا قرية من قرى الصعيد بمصر ولد سنة 239 هـ وكانت وفاته سنة 321 هـ وقال البعض سنة 322هـ .
وقد نشأ فى بيت علم وفضل كان أبوه من أهل العلم وأمه معدودة فى أصحاب الشافعى الذين يحضرون مجلسه وخاله الإمام المُزَنى أفقه أصحاب الشافعى وناشر علمه ، وعاصر الأئمة الحُفاظ أصحاب الكتب الستة ( البخارى – مسلم – أبو داود – الترمذى – النسائى – ابن ماجه ) إستمد ثقافته الأولى من أسرته العلمية ثم صار يختلف إلى حلقات العلم التى كانت تُقام فى مسجد عمرو بن العاص ، حفظ القرآن على ابى زكريا يحيى بن محمد بن عمروس الذى قيل فيه ( ليس فى الجامع سارية إلا وقد ختم عندها القرآن ) ثم تفقّـه على خاله ، ولذلك كان مذهبه الشافعى ، ثم لما بلغ سن العشرين ترك قوله الأول وتحول الى منهج أبى حنيفة فى التفقه ومع ذلك كان يُفتى أحياناً بخلاف المذهب فلما سُئل عن ذلك قال : وهل من مُقلد إلا غبى ، وصارت هذه العبارة مشهورة فى مصر ومثلاً يحفظه الناس مما يعنى أن هدفه هو البحث عن الدليل وإتباع الحق وليس إتباع المذهب .

وله تصانيف عديدة – مايزيد عن ثلاثين كتاباً – مما يدل على سعة علمه ، وقد صنف هذا الكتاب ليُبين عقيدة الإمام أبو حنيفة وتلميذه أبى يوسف ومحمد بن الحسن حتى يُبيّن لجميع المسلمين العقيدة الصحيحة التى يجب إعتقادها أياً كان المذهب الذى يدين به الإنسان .

إسم الشارح ونسـبه :

الإمام العلامة صدر الدين أبو الحسن على بن علاء الدين على بن شمس الدين أبى عبد الله محمد بن شرف الدين أبى البركات محمد بن عز الدين أبى العز صالح بن أبى العز من وهيب بن عطاء بن جبير بن جابر بن وهب الأذرعى الأصل الدمشقى الصالحى الحنفى المعروف بابن أبى العز مات عام 792 هـ .
الأذرعى : نسبة إلى أذرِعات من بلاد الشام جنوب دمشق
الصالحى : نسبة الى الصالحية بلدة قريبة من دمشق


أسرته :

كان من أسرة تتزعم المذهب الحنفى فى دمشق ويشغل أفرادها مناصب التدريس والقضاء والإفتاء ، فأبوه : القاضى علاء الدين على ابن أبى العز الحنفى ، وجده : قاضى القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد أحد مشايخ الحنفية وأئمتهم . وكان له منزلة عظيمة فى العلم أتاحت له التدريس والخطابة والتأليف وتولى مناصب علمية رفيعة ، وقد تولى منصب التدريس وعمره 17 عاما .
وهو من الناحية العقائدية ممن درس وتعلم كثير من مذاهب ابن تيمية قراءة , وإن لم يك مشافهة ، فنجده إعتمد فى معظم نقولاته على كلام ابن تيمية التى تمرس فى قراءتها ومن بعده كتب ابن القيم وهو من تلاميذ الحافظ ابن كثير بل من أفضلهم .

ومن آرائه أن سبب الفرقة والإختلاف والضعف الذى إنتهى إليه المسلمون فى عصره هو التعصب المذهبى وإعتقاد كل واحد منهم - ينتمى إلى مذهب - بأحقية هذا المذهب ووجوب تقليده دون غيره من المذاهب ، وكذلك من العوامل التى ساعدت على هذا الإفتراق فى رأيه التعصب المذهبى وإنشاء مدارس لكل مذهب وتولية القضاء بناء على المذاهب الأربعة وإحداث إمام راتب من كل مذهب فى المسجد الواحد مما ساعد على إنهيار الأمة الإسلامية ..

عبرة : ومن العبر التى ينبغى أن نتعلمها ونكتسبها من حياة هذا الإمام الجليل أنه – رحمه الله – جاهد فى الله حق جهاده من أجل هذه العقيدة وقد أدى تمسكه بالعقيدة إلى إضطهاده وسجنه مع أنه كان يتولى فى هذا الحين منصب قاضى القضاة ( ملحوظة : هذا الإسم لا يجوز أن يُسمى به أحد ) فقد حدث أن أحد أمراء المماليك قال قصيدة أو قيلت فيه وكان فى هذا القصيدة شركاً وغلو فأنكر القاضى ابن أبى العز ما فى هذه القصيدة من الشرك ولم يُبالِ بأن قائلها من الأمراء والأسرة الحاكمة ( وفى الحديث " أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر " أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري) .

فلما قال كلمة الحق وبيّن ما فيها من شرك أدى ذلك إلى عزله من منصبه وفقد جاهه ، وحصل أضطهاده لكن مع كل ذلك لم يفقد عقيدته التى هى أغلى وأثمن مافى حياة العبد وإنّا لله وإنّا إليه راجعون )..



شـرح مقدمة الكتاب

يقول الشارح :

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله [ نحمده ] ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مُضل له ومن يُضلل فلا هادى له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ..

الشرح :
بدأ الشارح – رحمه الله – بكتابة هذه الخطبة – خطبة الحاجة – التى صحّ عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يستفتح بها وهى سنة ثابتة عن النبى صلى الله عليه وسلم لا ينبغى العدول عنها .

وقد قدم بذكر الله لعدة أمور :
1 – اقتداءً بالكتاب العزيز وعملاً بالحديث المشهور على الألسنة " كُلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبْدَأُ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتَرُ أو أقطعُ أو أجذَمُ "
وإن كان فى الحديث ضعف من حيث الإسناد ولكن البدأ بالبسمله ثابت من فعل النبى صلى الله عليه وسلم سواء فى خُطبه أومكاتباته إلى الملوك أوعند طعامه وشرابه وسائر اعماله وغير ذلك ..
2 - تيمُناً وتبركاً بذكر الله تعالى.
3 - ولأن ذلك من الأدب وحُسن الصنيع أن يكون المبتدأ به هو ذكر الله ..
4 - وحتى تكون المعانى المتعلقة بهذا الذكر متعددة لأننا كما نعرف أن حذف المتعلق يقتضى تعدد الوجوه فيكون البدأ ببسم الله تقديره بسم الله أكتب ، بسم الله أشرح ، بسم الله أتنفس ، بسم الله فى كل حركة وسكون ، وهكذا ..



ثم اتبع ذلك بالحمد ، وهذا من السنة أيضاً ومعناه : أن كل المحامد هى لله إستحقاقاً ، وَالْحَمْدُ : هُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ ( أى الصفات التى إختارها سبحانه لنفسه )،علي نِعْمَةً كَانَ أَوْ غَيْرَهَا ، وَأَمَّا الشُّكْرُ فَعَلَى النِّعْمَةِ خَاصَّةً ، وَيَكُونُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ ، وَعَلَى هَذَا فَبَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ ، يَجْتَمِعَانِ فِي الثَّنَاءِ بِاللِّسَانِ عَلَى النِّعْمَةِ ، ، وَيَنْفَرِدُ الشُّكْرُ بِالثَّنَاءِ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ عَلَى خُصُوصِ النِّعْمَةِ , وَيَنْفَرِدُ الْحَمْدُ فِي الثَّنَاءِ بِاللِّسَانِ عَلَى مَا لَيْسَ بِنِعْمَةٍ مِنَ الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ , أى ذكر المحاسن ، وهو ذكر الله بصفات الكمال وإن لم يبدو سبباً لذلك لأن الله سبحانه وتعالى مستحق لذلك أعطى أو منع ، فإنك تحمد الله إذا أعطاكَ ووهبكَ نعمة ، وتحمد الله إذا أصابتك مصيبة ، ولذلك تقول : الحمد لله فى السراء والضراء أى فى العطاء والأخذ ، ونقول أيضاً : الحمد لله الذى لا يُحمد على مكروهٍ سواه ، فهو سبحانه مستحقٌ للحمد على كل حال .والحمد كذلك هو ذكر أوصاف الجلال والكمال ، والحمد يكون علي صفات الله الذاتية وعلى العطاء ، وأضرب أمثلة على ذلك لتوضيح الأمر :
- قوله تعالى : { الحمد لله الذى وهب لى على الكِبر إسماعيل وإسحق } إبراهيم 31
- وقوله تعالى : { فقل الحمد لله الذى نجّانا من القوم الظالمين } المؤمنون 28
- وقوله تعالى { وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الأرض } الزمر 74
ففى هذه الآيات حمداً على العطاء ( وهب لى – نجانا – أورثنا )
أما الآيات التالية :
- قال تعالى : { الحمد لله فاطر السموات والأرض } فاطر 1
- وقوله تعالى : { وقال الحمد لله الذى لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك فى الملك } الإسراء 111
ففيها الحمد لله علي صفاته ( فاطر – لم يتخذ ولداً – لم يكن له شريك )
والله عز وجل مستوجب الحمد وقد حمد نفسه بنفسه من قبل أن يحمده أحد من خلقه فهو الحميد لنفسه أزلاً وبحمد عباده له أبداً إنه الحميد المطلق الذى لا حميد سواه المحمود على كل حال فقال تعالى : { الحمد لله رب العالمين } الفاتحة ، وقوله تعالى فى سورة الصافات { والحمد لله رب العالمين } الصافات 182
فالحمد إذن يكون بمقابل ( على العطاء ) وبدون مقابل (علي الصفات) والحمد هو رأس الشكر كما قال النبى صلى الله عليه وسلم : ( الحمد رأس الشكر ماشكر الله عبد لم يحمده ) حديث حسن رواه البيهقى فى شعب الإيمان . قال الألباني في " السلسلة الضعيفة و الموضوعة " ( 3/552 ) : ضعيف



ثم قال : نستعينه : أى نطلب منه العون والمدد ، وفيه إظهار الضعف
ونستغفره : أى نطلب منه العفو والمغفرة ، وفيه إظهار الشعور بالذنب
وكأنه يقول نحن ضعفاء مذنبين نطلب منك سبحانك أن تُعيننا على ضعفنا وأن تغفر لنا ذنوبنا ، فنحن دائماً مفتقرين إلى ربنا سبحانه وتعالى فى كل أمورنا
نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا : نطلب من الله النجاة من الشرور والسيئات ، والعوذ هو طلب النجاة من شر محتمل ، واللوذ هو طلب النجاة من شر واقع . أى نلجأ إلى الله ونأوى إليه : ونسأله عز وجل أن يقنا شر النفس وسيئات الأعمال فلا يصرف سيئها إلا هو سبحانه .
من يهده الله فلا مُضل له ومن يُضلل فلا هادى له : يبين ويقرر الحقيقة وهي ان الهدي بأمر ومشيئة الله ولا راد لمشيئته سبحانه
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً: ثم يذكر كلمة التوحيد التي ضبطت كل نواحي العقيدة وهي الشهادتين ، والشهادة هى الإعتراف باللسان والإعتقاد بالقلب والتصديق بالجوارح ، والشهادة تتضمن نفى الإلهية عما سوى الله وإثباتها لله وحده لا شريك له .
ومعناها : لا معبود بحق إلا الله ، وجاء بلفظة ( وحده ) تأكيداً للإثبات ( ولا شريك له ) تأكيداً للنفى
أما شهادة أن سيدنا محمداً عبده ورسوله فتقتضى الإيمان به وتصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر والإنتهاء عما عنه نهى وزجر وأن يُعظم أمره ونهيه ولا يقدم عليه قول أحد كائناً من كان .
وأتى بهاتين الصفتين وجمعهما دفعاً للإفراط والتفريط فإن كثيراً ممن يدعى أنه من أُمته أفرطَ بالغلو قولاً وفعلاً وفرط بترك متابعته ، فجاء بلفظة ( عبد ) حتى لا يُرفع الى مقام لا ينبغى إلا لله وحده وحتى لا يطريه البعض كما فعلت النصارى مع عيسى بن مريم عليه السلام وكما فعل اليهود مع عُزير وفى الحديث قال صلى الله عليه وسلم :
" لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" [البخاري كتاب احاديث الانبياء باب قوله تعالى " واذكر فى الكتاب مريم..."] وشدد القرآن فى هذا وبيّن فى أكثر من موضع هذه القضية التى ضل عندها أقوام فقال تعالى : { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلىّ ..} وقال تعالى : { سبحان الذى أسرى بعبده ..} ولم يقل برسوله وهذا لأمرين :
1) التشريف : وهو إضافة العبودية لله سبحانه وتعالى وهذا شرف عظيم
2) الضبط : حتى لا يظن فيه الخلق أنه شريك لله أو ابن لله .. تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً

والأصل فى التسييد أن النبى صلى الله عليه وسلم هو سيد ولد آدم جميعاً من حيث المقام الآدمى أى من كمُل له المقام فى الآدميين ، ثم من حيث الرسالة هو سيد المرسلين وإن كنا نُهينا عن التفضيل بين الأنبياء فلا نقول محمد خير من موسى أو عيسى أو غيرهم ولكن سيد المرسلين وخير الرسل فوقعت الخيرية بعمومها .




وقوله : ورسوله : أى المبعوث بما أوحى إليه فليس كاذباً على الله إنما أرسله الله بأعظم شريعة إلى جميع الخلق فبلّغها غاية البلاغ فقال ( ورسوله ) حتى لا نُقلل من شأنه فنعامله مثل أى أحد من الأمة بل إن كان بشر مثلنا فليس فى المقام مثلنا فجميع خصائص البشرية تلحقه ماعدا شيئٌ واحد وهو ما يعود إلى أسافل الأخلاق فهو معصوم منها فكلمة ( عبد ) تضبط العلاقة بينه وبين الله وكلمة ( رسوله ) تضبط العلاقة بينه وبيننا



ثم ذكر الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم :

وهى من عظيم الطاعات والعبادات لأن الله عز وجل أمرنا بها فى كتابه العزيز فقال تعالى : { إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً } وهى من القربات العظيمة إذ بها يحصل الثواب الجزيل والفضل الكبير الذى دلت عليه الأحاديث الكثيرة من ذلك ( صلاة الله على العبد عشر مجاورة النبى صلى الله عليه وسلممن أسباب حصول الشفاعةمن أسباب إستجابة الدعاء كفاية العبد كفاية الهم حط الخطاياكتابة الحسنات ... إلخ )

معناها : الصلاة من الله ثناؤه على عبده عند الملائكة ورفع ذكره وعلو شأنه وتعظيمه وارادة تكريمه واظهار فضله وشرفه وتقريبه له سبحانه0
والصلاة من الملائكة وغيرهم : طلب ذلك من الله والدعاء والتبريك


كيفية الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم :

وردت الأحاديث الكثيرة الموضحة لكيفية الصلاة بروايات كثيرة فى الصحيحين وغيرهما ( للزيادة تستطيع مراجعة كتاب جلاء الأفهام فى الصلاة على خير الأنام لابن قيم الجوزية) منها ما أخرجه البخارى من حديث كعب بن عجرة فى كتاب التفسير فى صحيحه قيل يارسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه وكيف الصلاة عليك ؟ قال : قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".

وكذلك أخرج البخارى فى كتاب الدعوات من صحيحه أيضاً عن أبى سعيد الخدرى مثل ذلك .
وفى الصحيحين عن ابن أبى ليلى قال : لقينى كعب بن عجرة فقال : ألا أهدى لك هدية خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلى عليك قال : قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ..

وهذه الكيفية التى علّم صلى الله عليه وسلم أصحابه إياها هى أفضل كيفيات الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ، وأكملها فى الصيغة لان فيها الجمع بين الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم وبين الصلاة على إبراهيم عليه السلام ، وقال ابن حجر فى الفتح إنها أفضل الكيفيات لأنه لا يختار صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا الأشرف الأفضل . وقد درج السلف الصالح ومنهم المحدثون بذكر الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم عند ذكره بصيغتين مختصرتين هما : ( صلى الله عليه وسلم ) و ( عليه الصلاة والسلام )
قال ابن الصلاح فى كتابه علوم الحديث : وليتجنب فى إثباتها نقصين :
أحدهما : أن يكتبها منقوصة فى الصورة رامز إليها بحرف أو نحوه ،
والثانى : أن يكتبها منقوصة المعنى بأن لا يكتب وسلم

قال النووى فى الأذكار : لا يقتصر على الصلاة دون التسـليم والعكس ،
فلا يُقال ( صلى الله عليه ) ولا ( عليه السلام ) فقط .

ملحوظة :
لا يجوز كتابة ( صلعم ) و ( ص ) إختصاراً لكلمة صلى الله عليه وسلم ولكن عليك بكتابة صلى الله عليه وسلم كلما ورد إسم النبى صلى الله عليه وسلم ولا تمل فإن ثوابها عظيم وهى مجلبة للحسنات وكلما قرأها أحد أخذت ثوابها أيضاً فلا تدعها كلاً ولا إهمالاً فذلك مما لا يجوز شرعاً هدانا الله وإياكم ..



أما لفظ ( آل ) فقد أختلف فيه على أربعة أقوال :
1) هم الذين حرمت عليهم الصدقة ، وبه قال الشافعى وأحمد والأكثرين وهو إختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعى
2) هم ذريته وأزواجه خاصة : حكاه ابن عبد البر فى التمهيد
3) هم أتباعه الى يوم القيامة : حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم وأقدم من روى عنه هذا القول : جابر بن عبد الله رضى الله عنهما ، ذكره البيهقى عنه ورواه عنه سفيان الثورى وأختاره بعض أصحاب الشافعى ، حكاه عنه أبو الطيب الطبرى فى تعليقه ورجحه الشيخ محب الدين النواوى فى شرح مسلم وأختاره الأزهرى
4 ) هم الأتقياء من أمته : حكاه القاضى حسين والراغب ..

أما السلام فقال الفيروز أبادى فى كتابه ( الصلات والبشر فى الصلاة على خير البشر ) : ومعناه السلام الذى هو اسمٌ من أسماء الله تعالى عليك ، وتأويله : لا خلوتَ من الخيرات والبركات وسلمتَ من المكاره والآفات ، إذ كان اسم الله تعالى يُذكر على الأمور توقعاً لإجتماع معانى الخير والبركة فيها ، وإنتفاء عوارض الخلل والفساد عنها ، ويحتمل أن يكون بمعنى السلامة أى سلمت من الملام و النقائص وكأنك تقول : اللهم اكتب لمحمد فى دعوته وأمته وذكره السلامة من كل نقص فتزداد دعوته على مر الأيام عُلواً ، وأمته تكثراً ، وذكره إرتفاعاً .


كيفية السلام :

ما جاء فى التشهد فى الصلاة وهو قول المُصلى : السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته .
وقد شرع فى السلام أن يسلم المصلى على الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً ثم على نفسه ثم على سائر عباد الله الصالحين فيقول كما فى الحديث الذى أخرجه الشيخان فى صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال : علّمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم - كفى بين كفيه - كما يُعلمنى السورة من القرآن " التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله " .
وقد ثبت عن النبى أنه قال : فإذا قلتم ذلك فقد سلّمتم على كل عبد لله صالح فى السماء والأرض .



شبهة :

إن هذه الصيغة الشرعية من باب نداء الغائب لأن الرسول قد مات ولم يعد بين ظهرنينا حتى نقول له السلام عليك أيها النبى !! .. فهل نقول بدلاً عنها السلام على النبى ؟

الرد على هذه الشبهة :

أولاً : أجابت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن هذه الصيغة ثابتة بالأحاديث الصحيحة ولو كان الحكم يختلف بعد وفاته صلى الله عليه وسلم عنه فى حياته صلى الله عليه وسلم لبيّـنه للصحابة ولأنه يعلم أنه سيموت لأن الله قال له { إنك ميتٌ وإنهم ميتون } الزمر 30 ولم يقل بعد موتى قولوا السلام على النبى .

ثانياً : رد الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – وقد بيّن المسألة بيانا عظيم فقال :
وقوله : السلام عليك هل هو خبر أو دعاء ؟ بمعنى هل أنت تُخبر بأن الرسول مُسلّم أو تدعو بأن الله يسلمه ؟
الجواب هو دعاء تدعو بأن الله يُسلِّمه فهو خبر بمعنى الدعاء .


ثم : هل هذا خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام كخطاب الناس بعضهم بعض ؟
الجواب : لا لو كان كذلك لبطلت الصلاة به لأن هذه الصلاة لا يصح فيها شئ من كلام الآدميين ولأنه لو كان كذلك لجهر به الصحابة حتى يسمع النبى صلى الله عليه وسلم ولرد عليهم السلام كما كان كذلك عند ملاقاتهم إيّاه ولكن كما قال شيخ الإسلام فى كتاب إقتضاء الصراط المستقيم : لقوة إستحضارك للرسول عليه الصلاة والسلام حين السلام عليه كأنه أمامك تخاطبه ولهذا كان الصحابة يقولون السلام عليك وهو لا يسمعهم ويقولون السلام عليك وهُم فى بلد وهو فى بلد آخر ، ونحن نقول السلام عليك ونحن فى بلد غير بلده وفى عصر غير عصره ..أ.هـ



ثم قوله أما بعد :
هذه عبارة تُقال للفصل بين خُطبة الحاجة والموضوع المراد طرحه ، وهذه أيضاً سُنة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى خُطبه وكُتبه .



ثم قوله : فإنه لما كان علم أصول الدِّين أشرف العلوم ،اذ شرف العلم بشرف المعلوم

علم أصول الدين : وهو علم العقيدة
وعلم العقيدة من أشرف العلوم لأن شرف العلم من شرف موضوعه ، وموضوع علم التوحيد هو معرفة الله عز وجل وصفاته وأسمائه وما ينبغى لوجهه من التعظيم والثناء وما ينبغى لحقه سبحانه وتعالى من العبادة وهو حقه على العباد

قوله : وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع :
ش : الفقه الأكبر لأنه أعظم العلوم والغايات وأشرف ما يسعى إليه المؤمنون ولأنه يترتب عليه إيمان وكفر فهو أصل إن فُقِـدَ لن تُقبل الفروع .
أما فقه الفروع فيُقصد به : الطهارة – الصيام – الإجارة – المزارعة - ... إلخ

مسألة :
يُشكك البعض فى أهمية تعلم علم التوحيد والعقيدة وأصول الدين ويقولوا بأن لا داعى له
فيرد عليهم بمثل ما افتتح المؤلف به أن شرف العلم بشرف المعلوم ، ومعرفة الله تعالى هي الفقه الأكبر فلو قال قائل لا داعى لتعلم الناس الصلاة والصيام والزكاة لأنكر عليه جميع المسلمين ، فكيف بعلم التوحيد وهو أعظم لأن معرفة الله فى ذاته أعظم من معرفة حقه فإعتقادنا فيه سبحانه أعظم من فعلنا له والرسول صلى الله عليه وسلم أمضى فترة طويلة فى تعليم صحابته التوحيد ثم لم يزل وهو فى المدينة تنزل عليه أحكام الفروع مرتبطة بالعقيدة ، وأمثلة على ذلك :

• الصيام والعقيدة :
الصيام الذى هو من فقه الفروع مرتبط بالعقيدة فى قوله تعالى :
{ يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } البقرة 183 ..
• الجهاد والعقيدة :
والجهاد فى سبيل الله شرع لتكون كلمة الله هى العُليا ومن أوائل ما شرع وفرض هو قتال المشركين الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة والذين قالوا إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم ، فأمر الله سبحانه وتعالى فى سورة التوبة بقتالهم .

مسألة هامة :
بالنسبة إلى كتاب الفقه الأكبر الذي نُسب إلى الإمام أبو حنيفة كتابته : يقول د/ سفر الحوالى : الواقع أن الإمام أبو حنيفة نُسبت إليه بعض الكتب التى لم يكتبها ولم يؤلفها وإنما كتبها على مايبدو أحد أئمة الحنفية المسمى أبى مطيع البلخى الحكم بن عبد الله ونسبها الى الإمام أبو حنيفة ، وفيها حق كثير لا شك فيه لكن يهمنا أن نعرف أنها ليست لأبى حنيفة وهذا من الناحية العلمية وتوثيقاً للكتاب . أ.هـ.

قوله : وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة.

ش : هذه المسألة هي أصل فى الإعتقاد يجب الإنتباه إليه جيداً فأعلم إننا نحن المحتاجين الى توحيد الله ، نحن المفتقرين دائماً إليه والله هو الغنى سـبحانه فلا طاعة المطيعين تنفعه ولا معصية العاصين تضره ، ففى الحديث عن أبى إدريس الخولانى عن ابى ذرعة عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : " ياعبادى إنى حرمتُ الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ، ياعبادى كلكم ضآل إلا من هديته فأستهدونى أهدكم ، ياعبادى كلكم جائع إلا من أطعمته فأستطعمونى أطعمكم ، ياعبادى كلكم عار إلا من كسوته فأستكسونى أكسكم ، ياعبادى إنكم تُخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فأستغفرونى أغفر لكم ، يا عبادى إنكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى ولن تبلغوا نفعى فتننفعونى ، ياعبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك فى مُلكى شيئاً ، ياعبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد مانقص ذلك من مُلكى شيئاً . ياعبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان مسألته مانقص ذلك مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر ، يا عبادى إنما هى أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" (صحيح مسلم - كتاب البر والصلاة والأدب )

والحديث دليل واضح على مدى إحتياجنا إلى توحيد الله وعبادة الله وحده لا شريك له ، فالمشرك وقع فى الظلم الذي هو سلب صاحب الحق حقه لكن هذا الظلم لا يلحق بالله عز وجل تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً ، قال تعالى :{ وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } البقرة 57 – الأعراف 160 .. إنما هو لاحقٌ بنفس العبد وقلبه فالمشرك حرم نفسه وقلبه من زاده الذى لا يتزود إلا به فكان هذا الحرمان الناتج عن الشرك هو نوع من الظلم .

وحاجة العبد إلى توحيد الله ومعرفة الله أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والتنَفَس ، بل وأعظم من حاجته إلى روحه التى بين جنبيه وأعلم أن كل حى سوى الله عز وجل محتاج إلى استجلاب ما ينفعه ودفع ما يضره ، والمنفعة للحى من جنس النعيم واللذة ، والمضرة من جنس الألم والعذاب ، فكل عبد محتاج إلى أمور أربعة :
- أولها : أمر مقصود، محبوب مطلوب الحصول عليه
- ثانيها : أمر مكروه مطلوب عدمه ودفعه
- ثالثها : الوسيلة إلى تحصيل المحبوب والمعين الموصل إليه
-رابعها: الوسيلة إلى دفع المكروه والمانع من حصوله الدافع له بعد وقوعه.

فإذا عرف ذلك فالله وحده لا شريك له هو المحبوب والمقصود والمطلوب ، وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه والموصل إليه ، وما سوى الله عز وجل مكروه مطلوب البُعد عنه ودفعه ، والمعين على ذلك هو سبحانه وتعالى وحده فهو وحده القادر على ذلك ..
فالعبد يحتاج إلى التوحيد حتى يستريح ويتنعم وقد علمك ربك فقال عزَّ من قال : { ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } الزمر 29 ..

هل يستوى رجل يملكه شخص واحد ورجل يملكه إثنان أو ثلاثة هذا يقول له إذهب والآخر يقول له لا تذهب وهذا يقول له احضر كذا وآخر يقول إجلس .. إلخ فأيهما فى راحة ونعيم ؟!!


قوله :
لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله . ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه ويكون سعيها فيما يُقربها إليه دون غيره من سائر خلقه ..


ش : ان الناظر فى احوال وامور المجتمعات الغربية يجد انها أكثر المجتمعات حيرة وتفكك وضياع ، وعبّر عن ذلك الأدباء والشعراء الذين هم أصحاب الإحساس العميق الدقيق كما يقولون ، فهذا شاعر فرنسى وهو من أكبر الشعراء أثراً فى فرنسا يقول ( حيرة الإنسان المعاصر قضية واحدة وهى أنه يبحث عن سيد ، يبحث عن إله ) هو هنا يعمم بقوله الإنسان لأنهم يظنون أن المسلمين حيارى ونحن فى الحقيقة حيارى لأن القليل منا من يتمثل حقيقة الإسلام فيظنون أننا مثلهم على هامش الأمم حيارى بل ومما يؤسف له أن بعض أدباء المسلمين يسلكون وينتهجون منهج أولئك الأدباء الحيارى الضائعين فنجد من يقول منهم : ( ومضى عمرى ولا أعرف دربى أبداً )...والعياذ بالله .

أما نحن والله فنعرف دربنا وإلى أين مصيرنا ونعرف أن مردنا إلى الله سبحانه وتعالى وأنه فرض علينا فرائض وشرع لنا شرائع , فوقفنا عند حدوده ووحدناه سبحانه وتعالى وأطعناه فمصيرنا الى الجنة والسعادة فى الدنيا والآخرة - بإذنه تعالى - ومن عصاه وتعدى حدوده فمصيره إلى الشقاء وضيق الدنيا وإلى النار فى الآخرة أعاذنا الله وإياكم ، لكن الحيارى لا يُدركون ذلك ..

وهذا شاعر يقول : ( جئتُ لا أعلمُ من أين ؟ ولكنى أتيتُ ) وغيره من الشعراء يكتب ديواناً كاملاً تقرأ فيه الحيرة والضياع والألم فيتألمون من شئ لا يدرون ماهو ، ونحن نعرف والله أن سببه عدم الإيمان بالله عز وجل ، وأنه لو عرف الله سبحانه وتعالى وصلى وقرأ كتاب الله لما كان من الحيارى الضائعين وذلك لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طُمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها ..
فليس فى الكائنات كلها مايسكن إليها العبد ويطمئن بها ويتنعم بالتوجه إليها ، لازوجة ولا ولد ولا مال ولا صحة ولا أصدقاء ولا ممتلكات ولامتاع ولا نفسك ولاشئ يمكن للعبد ان يتمتع به الا بان يمتعك الله به ويبارك لك فيه والا كان نكدا , فلا يمكن أبداً أن يتنعم العبد ويطمئن إلا بمعرفة الله وتوحيده سبحانه وتعالى ، ومن عبد غير الله وأحبه وإن كان له نوع لذة متوهمة إلا أن فساده أعظم من أكل الطعام المسموم اللذيذ فى شكله وطعمه فهو عذب فى مبدئه عذاب فى نهايته ، فمن تنعم بغير الله حتماً سيتعذب به بعد حين ، أما من تنعم بفضل الله فهذا هو النعيم المقيم .
وكما يقول ربنا جل وعلا : { لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون } الأنبياء 22 فكذلك القلب إذا أحب غير الله فسد ، فإن التوحيد هو غاية محبوب العبد ومطلوبه وبه سروره ولذته ونعيمه ..

قوله : ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل ..

الشرح : حيث أنَّ هذا الدِّين ليس مما يُدرك بالنظر والعقول وليس مما تنفرد به الأفهام والأذهان ، ولو كان كذلك لما إحتيج إلى الأنبياء ، وقد أمرنا الله عز وجل بإتباع الدليل الشرعى والوحى فقال جل جلاله :{ قل إنما أنذركم بالوحى }
الأنبياء 45 ، وهو القائل سبحانه { إنَّا نحن نزّلنا الذِكر وإنَّا له لحافظون } الحجر9 ولذلك تجد أن من ينتهج غير منهج السلف الصالح المتبع للدليل الشرعى والوحي لا يصل أبداً إلى اليقين والحقيقة .

ولذلك تجد من يُسمون أنفسهم بالفلاسفة والحكماء والمفكرين يضعون النظريات والأفكار ويتدخلون بعقولهم فيما لا يمكن أبداً أن يُدركوه ، فأى نظرية تتحدث عن نشأة الكون مثلاً وما يتعلق بالله سبحانه وتعالى أو نشأة الإنسان على هذه الأرض وكيف جاء ولماذا جاء هى باطلة من وضع المُضلين الكاذبين وذلك لقول الله تعالى : { ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنتُ مُتخذ المُضلين عضداً } الكهف 51 .
فكيف يقول هؤلاء ويتحدثون فى أمور لم يُشهدها الله لهم ولا قدرة لهم الى معرفتها إلا بالوحى ولا قُدرة للعقل فى التعرف عليها بدونه .
وهناك شبهة تلتبس على كثير من الناس وهى أن بعض الناس يقولون أن العلم تقدم والعقول تطورت وأصبحت تُدرك أشياء لم تكُ معروفة من قبل وأن عقولهم توصلت إلى أشياء قال الله أنه يعلمها ولم يذكرها الله لهم ولكنهم توصلوا إليها بعقولهم مثل مسألة الجنين فى رحم أُمه .

أقول مستعينة بالله أن هناك فرق كبير بين الغيب المقصود فى الكتاب والسنة وبين ماهو غائب عنا ، فهناك أمور مُغيبة عنا نحن البشر لكنها داخلة فى مدركات الجن ، وهناك أمور غائبة عن البشر وعن الجن لكنها داخلة فى مدركات الملائكة ، فهى وإن كانت غائبة عن صنف من المخلوقات فليست غائبة عن صنف آخر ، وهذا مما لا شك فيه ليس من الغيب الذى قال الله سبحانه عنه { قُل لا يعلم من فى السموات والأرض الغيبَ إلا الله } النحل 65 ، وقال تعالى { عالمُ الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً } الجن 26 ، وقال تعالى { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } الأنعام 59 .. أما فى المثال الذى أمامنا وهو كون الله عز وجل يعلم مافى الأرحام فلم يأتِ نفى قاطع بأن البشر لا يعلمون ما فى الأرحام أو أنه سبحانه وتعالى لا يطلع عباده إذا توافرت وسائل العلم على بعض ذلك . ومع ذلك تظل هناك نسبة من العلم مما فى الأرحام لا يعلمها إلا الله مثل أن هذا الرحم مستقبلاً سيحمل كم من الأجنة , وكذالك فالله يعلم ما فى الارحام من قبل وجوده وليس بعد وجوده واكتماله والله أعلم .

وعلى هذا فهذه الكشوف العلمية التى كشفت شيئاً مما يظنه الناس فى الغيب هو لم يكُ من الغيب المحجوب أصلاً . مثل الذى يتعلق بملكوت السموات والأرض مما لم يجعل الله للبشر عليه سبيلاً مثل ما يتعلق بالعرش ، بالكرسى ، اليوم الآخر ، وغيرها من الغيب الخالص الذى لا يمكن للعقل أن يُدركه إلا بما ورد به الدليل .

والعقول فى ذلك شأنها شأن سائر الأعضاء والحواس كالإبصار للعين والسمع للأذن .. إلخ , فكل منها له إدراك معين لا يمكن أن يتخطاه ولا يتعداه لكن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يغير هذا الإدراك فى وقتٍ دون آخر بحسب مايريد سبحانه مثال على ذلك لتقريب الأمر :
أن العين لها قُدرة معينة على الإبصار فهي ترى لمسافة محددة طالت أم قصرت لكنها لا تستطيع أن ترى ماوراء الجدار مثلاً أو ماخلف الأشياء ولا من خلال الأشياء ، وكذلك هى أيضاً لا ترى أحياناً ماهو موجود أمامها من الأشياء ولا تستطيع إدراكه وذلك مثل رؤية الجن ، فالعين البشرية لا يمكنها هذا فى حين أن الجن يمكنه هذا قال تعالى { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } الأعراف 27 وذلك لحكمة يعلمها ربى الحكيم العليم الخبير اللطيف سبحانه جل فى عُلاه . وانظر لمّا طلب موسى من ربه أن يراه ماذا قال له ربه : { قال لن ترانى } الأعراف 143 فقدرة العين البشرية على ذلك مستحيلة . لماذا ؟

لأنها لا تستطيع إدراك رؤية الله مع أن النبى صلى الله عليه وسلم أخبر أن المؤمنين يرون ربهم فى الآخرة كرؤية القمر . إذن ما الفارق ؟ إن الله خلق العين وجعلها فى الدنيا لها إدراك معين وفى الآخرة لها إدراك معين ، وكذلك العقل لا يُدرك ماهية الله ولا أسمائه ولا صفاته لأنه لا يمكنه ذلك مهما حاول ، ولذلك أرسل الله إليه الرسل بالوحى ليعرف ربه سبحانه .
نعود إلى قصة موسى : قال تعالى { قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن إستقر مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربه للجبل جعله دكاً وخرَّ موسى صعقاً فلمّا أفاق قال سبحانك تُبتُ إليكَ وأنا أول المؤمنين } الأعراف 143.

فالرؤية هنا ليست مستحيلة لكن إدراك العين البشرية قاصر على إدراك ذلك ، ولذلك تجلّى الله سبحانه للجبل الذى هو صخور وحجارة تتحمل ما لا يتحمله البشر فماذا حدث ؟ تفتت الجبل، نسفت الحجارة نسفاً ، تلك الحجارة والصخور التى لو أراد الإنسان نسفها لتمهيد الأرض أو ماشابه لأحتاج سنوات وسنوات من العمل الدؤوب المتواصل وإلى أطنان من المتفجرات وألوف من العمال والمعدات والسيارات ، لم يتحمل الجبل وهذه هى مكوناته فما بالك بالإنسان صاحب اللحم والعظم الرقيق الضعيف !!
فإذا كان الجهاز الإدراكى للإنسان على هذه الكيفية فى الدنيا فكان لِزاماً أن لا يرى ما يحدث فى القبر من عذاب أو نعيم ولا يرى الملائكة أو الجن أو من باب أولى ذات الله وصفاته ولذلك كان من المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل . وإلا لو أدركته العقول لما كان هناك حاجة لإرسال الرسل ولأقتضى ذلك :
1 – جعل قضية إرسال الرسل تحصيل حاصل أى عبث وحاشا لله أن يكون الامر عنده كذلك . فما دام العقل يُدرك ذلك دون إرسال للرسل فما الحاجةإلى ذلك إلا إذا كان مجرد عبث – تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً .
2 – إثبات مقام للعقل يوازى الشرع وهذا لا يجوز .



قوله : فأقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين ولمن أجابهم مُبشرين ولمن خالفهم مُنذرين وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله .

الشرح : أي أنَّ إرسال الرسل جاء من منطلق رحمة الله بعباده وليس عن حاجته إليهم ، بل من عزته وعُلو شأنه وعُلو قدره فهُم المفتقرين إليه فى كل أحوالهم وهو سبحانه الغنى قال تعالى : { ما أريد منهم من رزقٍ وما أريد أن يُطعمون } الذاريات 57 ، وقال تعالى : { فاطر السموات والأرض وهو يُطعِم ولا يُطعَم } الأنعام 14
فكان أن أرسل سبحانه الرسل به معرفين وإليه داعين : إذاً فالحاجة إلى الأنبياء والداعى لإرسالهم هو :
1) التعريف بالله سبحانه وتعالى وبأسمائه وصفاته .
2) بيان التوحيد الذى هو مفتاح دعوة الرسل
3) التعريف بالشرع ( حلاله وحرامه أوامره ونواهيه )
4) الإخبار عن الآخرة وما يتعلق بها ومآلنا حين الموت وبعده.

قوله : إذ على هذه المعرفة تبنى مُطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها .

الشرح : فالرسالة تُبنى على خمسة أشياء :
1) تعريف بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته وهذا يُعرف بتوحيد الربوبية.
2) تعريف بمقامه وشأنه وماهيته وأنه صاحب الحق الأوحد وهذا يُعرف بتوحيد الألهية.
3) تعريف بالحقوق ( موجبات التوحيد ).
4) تعريف بمآل المؤمنين من النصر والتأييد وعدم المخاذلة وما أعد لهم من النعيم فى الآخرة .

قوله : .. ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان : أحدهما : تعريف الطريق الموصل إليه وهى شريعته المتضمنة لأمره ونهيه والثانى : تعريف السالكين مالهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم .
أي أنَّ معرفة الله ( التوحيد ) يتبعه أصلان ( أصول المعرفة ) :
1) معرفة الطريق الموصل إليه ( الفقه والشريعة والحلال والحرام )
2) معرفة العاقبة والمآل ( مصيرنا بعد الموت ) .

قوله : فأعرف الناس بالله عز وجل أتبعهم للطريق الموصل إليه ..
الشرح : هناك بعض القضايا فى واقعنا حدث بها فساد عقائدي وهي تسمية بعض صنوف من الناس أو إطلاق لفظ يعم سائر المسلمين على طائفة معينة مثل لفظ الولى ولفظ العارف ، فتسرب إلى معتقد كثير من الناس هذا الفساد العقائدى وظنوا أن هذا اللفظ يُطلق على صنف معين أو أنه مرتبة خاصة بطائفة ما وهذا من الفساد العقائدى لأنَّ لفظ الولي يُطلق على كل من تولى الله عزَّ وجلَّ حتى وإن كان فاسق وإن كانت ولايته أقل من ولاية غير الفاسق لكن كل من تولى الله وناصره وآزره وأتبعه وأطاعه فى ظل المحبة .

فالنَّاس من حيث الولاية إما أولياء للرحمن أو أولياء للشيطان فإن أطاع الله وأطاعه في ظل المحبة كان ولي لله وإن أطاع وآزر الشيطان عن محبة فهو ولي للشيطان . والفاسق قد لا يكون ولي للشيطان لأنه يفعل ما يفعله نادماً غير مُستحل أمَّا الذِّي يصُد عن سبيل الله ويبغي فى الأرض الفساد هذا ولي للشيطان ، ومن ذلك أيضاً من يسير فوق الماء أو يقوم بأشياء خارقة للعادة فيُطلقون عليه لفظ ولى وهو فى الحقيقة ولى للشيطان يُسانده ويخدمه .

إذاً فالولاية هي وصف لحالة مجمله قوامها الطاعة والنصرة والمؤازرة والمتابعة فى ظل المحبة
وكذلك لفظ العارف بالله فهو كل من دانَ بدين الله عز وجل وقَبِلَ الله رباً وإلهاً وبمحمد نبيا ورسولا فهو عارف بالله وإن كانت هذه المعرفة تزيد وتنقص مثل الإيمان يزيد وينقص فلا يجوز أن نقصر أي لفظ إلا على المعنى الذى يريده الشرع ويدل عليه ، قال تعالى { ألا إن أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون الذين ءامنوا وكانوا يتقون } يونس 62

قوله : وأعرفهم بحال السالكين عند القدوم عليه
الشرح : وهذا كما قلنا أصول المعرفة والأصلان اللذان يتبعان معرفة الله .
ولفظ المعرفة جاء فى الشرع وليس من الألفاظ المُحدثة ، فقد جاء فى الحديث الصحيح فى إحدى روايات ارسال معاذ بن جبل عندما أرسله النبى صلى الله عليه وسلم إلى اليمن جاء فيها كما ذكر ابن حجر فى الشرح :وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ فَفِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ " فَأَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ , فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ " وَفِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْهُ " إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ , فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ " [ البخارى كتاب الزكاه – باب اخذ الصدفه من الاغنياء...]


قوله : ولهذا سمّى الله ما أنزله على رسوله روحاً لتوقف الحياة الحقيقية عليه ، ونوراً لتوقف الهداية عليه قال تعالى : { يُلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده } غافر 15 ، وقال تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنتَ تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدى به من نشاء من عبادنا وإنكَ لتهدى إلى صراطٍ مستقيم صراط الله الذى له ما فى السموات ومافى الأرض ألا إلى الله تصير الأمور } الشورى 52

الشرح : الإشارة هنا ( ولهذا ) تعود إلى التعليل ، والغرض من التعليل إثبات أن العقول لا تستقل بمعرفة الله وأنه يلزم أن تكون تابعة للشرع ولهذا سمى الله ما أنزله على نبيه صلَّى الله عليه وسلم روحاً فالروح هى سر حياة القلوب والأبدان ولما كان ما أنزله الله على رسوله سبباً لحياة القلوب سماه روحاً ولما كانت الهداية متوقفة عليه سماه نوراً .
أما قوله تعالى : { يُلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده } فإلقاء الروح لها معنيان :
1) على سبيل البلاغ والرسالة ( وهو الذى عليه أغلب المفسرين )
2) بمعنى الهداية وهو موافق لقوله تعالى :{ يُضل من يشاء ويهدى من يشاء } النحل 93

وهُنا مسألة : أثبت الله عز وجل الهداية لنبيه صلى الله عليه وسلم { إنك لتهدى إلى صراطٍ مستقيم }ونفاها فى آية أخرى : { إنك لا تهدى من أحببت } فهل هناك تعارض ؟
لا بالطبع ليس هناك تعارض ولكن نوع الهداية فى الآيتين مختلف وليس واحد ، فالهداية عدة أنواع :

1)هداية الخلق لما خلقوا له جبلة وفطرة كهداية الطفل لإلتقام ثدى أُمه وهداية الطير لإلتقاط الحب قال تعالى :{ الَّذِي خَلقَ فَسوَّى والَّذِس قدَّر فَهدى } الأعلى 3 .

2) هداية الخلق لما يلزمهم الإستقامة عليه : وهى هداية البيان والإرشاد ، وهى التى فى قوله تعالى :{ إنَّكَ لَتهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتقِيم } الشورى 52

3) هداية التوفيق والثبات وهذه لا يملكها إلا الله عز وجل وهي التى ندعو الله بها كل صلاة بل كل ركعة فنقول : { إهدنا الصراط المستقيم }الفاتحة6 فلو كانت الهداية واحدة فأنت أصلاً على الهدى بدليل أنك تصلي لكن الهداية التى نطلبها في كل ركعة هي هداية التوفيق وأن يوفقنا الله لعبادته وهى كالتي في قوله تعالى : { إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء } القصص 56 .
4) هداية الخلق يوم القيامة بعد الحساب إلى الجنة أو إلى النار : كما فى قوله تعالى { فأهدوهم إلى سواء الجحيم } الصافات 23


إذاً يتضح لنا أن الهداية المقصودة فى الآية الأولى هي هداية البيان ، وأما الهداية في الآية الثانية فالمقصود بها هداية التوفيق وهي لا تكون إلا لله لذلك نفاها الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم .


قوله : ولا روح إلا فيما جاء به الرسول ولا نور إلا فى الإستضاءة به ، وسمّاه الشفاء كما قال تعالى : { قل هو للذين ءامنوا هدىً وشفاء } فهو وإن كان هدى وشفاءً مُطلقاً لكن لما كان المنتفع بذلك هُم المؤمنون خصوا بالذكر .

الشرح : عندما يبعث الله عز وجل إلى نبى إنما يبعثه بشرع ليتحاكم الناس إليه وليحكموا به والحاكم هو الله سبحانه والحياة إنما هي في شرع الله وفي القرآن أحيا الله به العالمين وأخرجهم من الظلمات إلى النور ورحمهم به وشفى ما كان يعتلج في صدورهم من الأوهام والظنون والنظريات الباطلة . قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } الأنعام122 فالموت هنا موت القلب وفراغه من سر حياته وهو الإيمان ، فكل قلب فسدت عقيدته هو ميِّت أو فيه من الموت بحسب مافيه من فساد المعتقد .
وأكثر القلوب حياة أسلمها عقيدة ، فالحياة الحقيقية هي فى الإيمان وبالإيمان ، وحياة بلا إيمان هي في الحقيقة ظلمة وموات فمن إهتدى به كان له نور وضياء ومن أعرض عنه كان عليه عمى

قوله : ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيماناً عاماً مُجملاً . ولاريب أن معرفة ماجاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية ، فإن ذلك داخل فى تبليغ مابعث الله به رسوله ، وداخل فى تدبر القرآن وعقله وفهمه وعلم الكتاب والحكمة وحفظ الذكر والدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين ، فهو واجب على الكفاية منهم .

الشرح :
المقصود بالمعرفة الإجمالية: هي الإيمان المجمل. الإيمان بأركان الإيمان الستة إيمانًا مجملاً عامًا، هذا الإيمان المجمل فرض عين، فيجب على كل مسلمة وعلى كل مسلم أن يؤمن إيمانًا عامًا مجملاً بهذه الأركان، لحديث جبريل أنه -عليه الصلاة والسلام- لما سئل عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) فالإيمان المجمل العام دون تفاصيل هذا يجب على كل مسلم وكل مسلمة،.
أما المقصود بالمعرفة التفصيلية ( الايمان التفصيلي) وهو: معرفة تفاصيل أركان الإيمان الستة، معرفة وتعلم هذه التفاصيل فرض كفاية، ونوضح ذلك بمثال: يجب على كل مسلم ومسلمة أن يؤمن باليوم الآخر، لكن تفاصيل اليوم الآخر، أن ثمة صراط وثمة ميزان، وثمة حوض للنبي - عليه الصلاة والسلام – وامثال هذه التفاصيل تعلمها ليس فرض عين على كل مسلم ومسلمة، وإنما تعلمها فرض كفاية ، إذا قام به البعض سقط الحرج والإثم عن الباقين.

قوله : وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قَدَرهم وحاجتهم ومعرفتهم وما أُمر به أعيانهم ، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك ، ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها ويجب على المفتى والمحدث والحاكم ما لا يجب على من ليس كذلك .

الشرح :
هنا مسألة وهي أنه قد يجب على الأعيان - على الأشخاص بأعيانهم - يجب عليهم ما لا يجب على غيرهم ، وهذا الأمر منوط بأمرين:
الأول: القدرة.
الثاني: الحاجة.
الأمر الأول: القدرة: بمعنى أن من قدر على سماع العلم فيجب على من قدر عليه ما لا يجب على من لم يسمع ذلك.
ما معنى ذلك؟
يعني لو أن أحد العوام صلى الجمعة مع إمام، وتحدث الإمام مثلاً عن الحوض، فهنا نقول أنه يجب على هذا العامي الذي سمع كلام النبي - عليه الصلاة والسلام - من هذا الخطيب - أن يؤمن به ، ولا يجب على غيره من العوام ممن لم يحضر هذه الجمعة مثلاً ، فيجب على من سمع العلم وقَدِّر عليه ما لا يجب على غيره.

الأمر الثاني: الحاجة: فقد يحتاج بعض الأشخاص - بعض الأعيان - إلى أن يتعرفوا على شيئً من التفاصيل لهذا الدين ما لا يجب على من لم يحتج إلى ذلك ؛ ولهذا قال العلماء: إذا كان عند العامي مال بلغ النصاب وحال عليه الحول عليه أن يعرف أحكام الزكاة - عليه أن يتعرف على أحكام الزكاة في هذه الحاله - ما لا يجب على من لم تجب عليه الزكاة.

وبهذا نخلص إلى أن المعرفة الإجمالية فرض عين والمعرفة التفصيلية فرض كفاية، وأن تفاصيل العلوم الشرعية ، ومنها مسائل الاعتقاد أنه يجب على الأعيان أو على بعض الأعيان ما لا يجب على غيرهم ، وهذا منوط بأمرين: إما القدرة وإما الحاجة

قوله: وينبغى أن يعرف أن عامة من ضلَّ فى هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق ، فإنما هو لتفريطه فى إتباع ما جاء به الرسول وترك النظر والإستدلال الموصل إلى معرفته . فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا كما قال تعالى : { فإما يأتينكم مني هُدىً فمن اتبع هُداى فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامةِ أعمى قال رب لِمَ حشرتنى أعمى وقد كنتُ بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلكَ اليوم تُنسى } .

الشرح :
أسباب الضلال : الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك من عدة وجوه :

1) الخوض فى علم الكلام : ضل أقوام كثيرين حتى من المنتسبين إلى الإسلام وتخبّطوا وتاهوا وذلك لأنهم خاضوا فى علم الكلام ، مع أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بين أيديهم لكنهم لم يأخذوا الحق من مصدره الصحيح والوحيد وفرّطوا فى إتباع القرآن والسنة فعوقبوا بالضلال والحيرة

فمنهم من عبّر عن حيرته فقال :
لعمرى قد طفتُ المعاهد كلها*** وسيرت طرفى بين تلك المعـالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر ***على ذقـن أو قارعاً سـن نـادم
وقال آخر :
نهـاية اقــدام العـقول عقـال*** وغاية سعى العالمين ضلال
ولم نسـتفد من بحثنا طول عمرنا ***سوى أن جمعنا فيه قيل وقال

2) التفريط فى إتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم :
فلما أعرضوا عن كتاب الله وسنته ضلوا ، والضلال منه تام ومنه ناقص ، فعدم المعرفة بتفصيل المسألة التى يكون الإنسان عليها نوع من الضلال ، وعدم معرفته بالمجمل نوع ضلال أكبر ، والذي لا يعرف المجمل والتفصيل فهو ضال تمام الضلال ، وعلى قدر الإتباع يكون الهدى والفلاح والبعد عن الضلال والشقاء كما قال تعالى { فإما يأتينكم منى هُدىً فمن اتبع هُداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشةً ضنكاً ونحشـره يوم القيامة أعمى قال ربى لم حشرتنى أعمى وقد كنتُ بصيراً قال كذلك أتتك ءاياتنا فنسيتها }( أى : أعرضت عنها ) فكذلك اليوم تُنسى ( أى : يُعرض عنك ) }
3)ترك النظر والإستدلال :

النظرمعناه :
المعرفة العقلية ، وهو نوعان :
1 – نظر عقلى محض : وهو النظر الكلامى وهو إتباع القواعد المنطقية والفلسفية فى التفكير ، وهذا لا يأتى إلا بالضلال ( وهذا ما سلكه المعبرون عن حيرتهم )
2 – نظر شرعى : وهو النظر لفهم نصوص الكتاب والسنة والتدبر والتأمل والتفكر لفهم كلام الله كما أمر الله , والنظر فى الايات الكونية للبحث عن زيادة الايمان الذى اثبتته الايات الشرعيه القرآنيه فهذا هو الذى يوصل إلى اليقين ومعرفة رب العالمين .

قال تعالى :{ سنريهم ءاياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } فصلت 53 ، فجعل الله الكون كتاباً مفتوحاً يقرأه العالِم والجاهل ، الغنى والفقير ، ساكن القصر وساكن بيت الوبر ، فالعالِم يعرف الآيات التى فى الكون وفى النفس ، والعامى الجاهل ينظر ويعرف ، والبدوى ( راكب الإبل ) ينظر ويعرف ، والحضرى ( راكب السيارة ) ينظر ويعرف .
قال تعالى : { ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين } البلد 8 – 10 فهؤلاء جميعاً يمكنهم النظر إلى السماء كيف رُفعت وإلى الجبال كيف نُصبت وإلى الأرض كيف سُطحت وإلى الإبل كيف خُلقت وإلى لسانه كيف ينطق ورغم تشابه الألسنة تشريحياً فى كل البشر إلا أن لسان هذا عربى وهذا أعجمى هذا فرنسى وهذا ألمانى وهذا إنجليزى وهذا إيطالى ...إلخ وينظر إلى يديه كيف يُحركها ويمسك بها الأشياء ويتناول بها الطعام ..وينظر إلى عينيه .. إلى أذنيه .. إلى شفتيه .. كل شئ حتماً يوصل إلى معرفة خالق كل شئ سبحانه وتعالى الذى ليس كمثله شئ .
وكذلك الأيمان باليوم الآخر وهو اكثر القضايا الغيبية انكارا عند المشركين فان الله سبحانه وتعالي أقسم علي الأيمان باليوم الآخر لأنه يقابل بالأنكار والجحود من كثير من المشركين فأقسم سبحانه ان البعث حق في ثلاثة مواضع من كتاب الله وبين الحكمة العظيمة في ذلك بحيث لو تأملها الأنسان لفطن وتدبر أن الأيمان بالموت حق0
فضرب الله سبحانه في آيات عديدة الأمثال بأحياء الأرض الميتة وانه قادر علي احياء الموتي كما أحيا الأرض الميتة فقال تعالي:(ان الذي أحياها لمحي الموتى)فصلت 39
وهناك آيات تبين ان البعث حق فقال تعالي : (وأقسموا بالله جهد ايمانهم لا يبعث الله من يموت بلي وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ثم بين الله تعالي الحكمة فقال : (ليبين لهم الذي يختلفون فيه) هذه واحدة والأخري : (وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين )النحل 39
ولو تأمل الأنسان هاتين الحكمتين لاستيقن أنه لابد من اليوم الآخر0

وساق المصنف حديث علىٌ فقال :
وكما فى الحديث الذى رواه الترمذى وغيره عن على رضى الله عنه قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها ستكون فتن . قلتُ فما المخرج منها يارسول الله ؟ قال : كتاب الله فيه نبأ ماقبلكم وخبر مابعدكم وحُكم مابينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهُدى فى غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم وهو الذى لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ، ولا تنقضى عجائبه ، ولا تشبع منه العلماء ، من قال به صدق ، ومن عمل به أُجِر ، ومن حكم به عَدَل ومن دعا إليه هُدِىَ إلى صراطٍ مستقيم " إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على مثل هذا المعنى .

الشرح :
هذا الحديث أخرجه احمد فى المسند عن على رضى الله عنه وقال الالبانى فى ضعيف الجامع برقم 74: ضعيف..... لكن معناه صحيح ويؤيد معناه الآيات والأحاديث .

قوله : ولا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً يدينون به إلا أن يكون موافقاً لدينه الذى شرعه على ألسنة رسله .
الشرح :
إن الله تبارك وتعالى لا يقبل من أحد أياً كان ديناً إلا الإسلام ، قال تعالى : { ومن يبتغى غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه } آل عمران85، وقال تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام }آل عمران19 ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "
فالله عز وجل أرسل الرسل وأنزل الكتب عليهم بأمره وشرعه الذى إرتضاه لعباده ، قال تعالى { اليوم أكملتُ لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } المائدة 3
قوله : وقد نزّه الله تعالى نفسه عمّا يصفه به العباد إلا ما وصفه به المرسلون . بقوله سبحانه { سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون وسلامٌ على المرسلين والحمد لله رب العالمين } فنزّه نفسه سبحانه عمّا يصفه به الكافرون ثم سلم على المرسلين لسلامة ماوصفوه به من النقائص والعيوب . ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التى يستحق عليها كمال الحمد .
الشرح :
وتنزّه بمعنى تقدس وتباعد عن النقائص
عما يصفه به العباد إلا ماوصفه به المرسلون : فالعباد ذهبوا فى صفات الله عز وجل إلى ثلاثة أقسام :

1) قسم عطل الصفات بدعوا التنزيه فضلوا وتنقصوه .
2)قسم غالوا في الاثبات فوقعوا فى التشبيه والتمثيل .
3) قسم أثبتوا لله ما أثبته لنفسه ونفوا عنه مانفاه الله عن نفسه
فحققوا التنزيه وأقاموا القضية على ما ينبغى أن تكون عليه من تنزيه رب العالمين وإثبات الصفات له ..

والقسم الأخير هُم أهل السنة والجماعة السائرون على نهج المرسلين صلوات الله عليهم وسلامه .


قوله :
إلا ما وصفه به المرسلون :

الشرح :
اي الا الوصف الذي يصفه به عباده المخلصون اما ما يطلقه عليه غيره من الأوصاف فانه ينزه عنه
قوله سبحانه : { سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون وسلامٌ على المرسلين ..}
الشرح :
سبحان أى تنزّه فالتسبيح يُراد به التنزيه لكن أصله عند العرب من السبح وهو الإنطلاق والسرعة ومنه : فرس سبوح أى فرس سريع ، وكأن أصل اللفظ هو أن ينطلق المُنطلِق فيبعد عن أمور الدُنو إلى العُلو ، وسبحانه : أى تنزه وتقدس وتعالى عن كل نقيصة ودُنو وكل تسفُل .
وذكر سبحانه صفة العزة لأنها متناسبة مع التسبيح فقال سبحان ربك رب العزة عما يصفون أى نزه نفسه عن كل ما يُتصور أن يوصف به مما وصفه به الكفار لأنه مقام لا يليق أن يكون معه هَوان أو ذُل بل هو فى مقام العزة والرفعة والعُلو فلا يناله ما وصفوه به ثم أثبت لنفسه كمال الصفات المستوجبة كمال الحمد فنفى صفة النقص مقصود لاثبات كمال ضدها ، مثال : عندما تنفى عن الله صفة النوم لابد من إثبات كمال ضدها فتقول لكمال قيوميته لأنه ربما لا ينام لأنه يعجز عن هذا فالجدار أو الجمادات لا تنام لأنها عاجزة عن ذلك وليس لكمالٍ فيها ، ولذا لابد من إثبات كمال الضد وليس النفى المجرد لصفة النقص فلا يُقال ( لا ينام ) وفقط بل لابد من إثبات كمال الضد وكذلك فى كل صفة نقص تُنفى عن الله سبحانه وتعالى .

ثم قال : وسلامٌ على المرسلين جزاء لهم لما وفقوا إليه من الحق والهدى من وصف الله بما يليق به ، فهُم خير من وصف الله بصفاته التى يستحقها سبحانه وتعالى لذا جزاهم الله بسلامه عليهم .

ثم حمد نفسه سبحانه ومقتضى الحمد أنه موصوفٌ بكمال الصفات ومنزه عن النقائص والمعايب فأستوجب الحمد سبحانه وتعالى .
وقال تعالي : (سبحان الله عما يصفون الا عباد الله المخلصين)الصافات 159،160
في هذه الآية رد علي جميع الأمم والطوائف والفرق التي شذت وانحرفت فيما يتعلق بصفات الله سبحانه وتعالي فاليهود قالوا يد الله مغلولة وقالوا في توراهم المحرفة ان الله صارع يعقوب الي الفجر وقالوا ان عزير ابن الله – تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا - وقالت النصاري:ان المسيح ابن الله وانه ثالث ثلاثة ، وقال مشركي العرب ان الملائكة بنات الله وقالت أمم التتار والمغول واليابنيين وأمثالهم ان الله تزوج الشمس وولد من الشمس هؤلاء الأباطرة والملوك الذين يتناسلون وهم يعبدونهم من اجل ذلك ، وقال الشيوعيين :انه لا أله ولا وجود له ، أو انه أثير أو هواء كما يقول أصحاب النظرية الأثيرية وقال أفلاطون ان الله هو العقل الكلي خلق عشرة عقول تدير الكون وبقي لا يعمل شيئا وقالت الرافضة: انه فوض امر السموات والأرض الي الأئمة الأثني عشر يعملون ما يشاءون ويديرون الكون وقالت المعتزلة انه عليم بلا علم وقدير بلا قدرة , الي اخر مايقولون ويفترون تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا...
فنزه الله سبحانه نفسه عن جميع الأوصاف التي وصفه بها أهل الضلال الا غباد الله المخلصين وهم الانبياء وعلى راسهم محمد عليه الصلاة والسلام وكذالك صحبه وهم أهل السنة والجماعة والذين اتبعوهم بأحسان فهذه الطائفة الناجية المنصورة هي المستثناة لأنها تعلم ان ليس كمثله شئ وهو السميع البصير00


ثم قال المصنف :ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب .

من هُنا عائدة على كلمة سلامه وليس كلمة ما وصفوه أى انهم إستحقوا السلام لسلامة كلامهم فى حق الله من النقائص والعيوب وليس معناه أنهم إستحقوا السلام لما وصفوه من النقائص والعيوب ، فالبون شاسع بين المعنيين فأنتبه ، فالمعنى الأول هو المقصود والثانى مستحيل فى حق الله

قوله: ثم حمد نفسه علي تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد

الشرح : كلمة الحمد تشمل جميع أنواع المحامد لأن ال هنا للاستغراق اي جميع انواع المحامد والثناء اللائق بجلال الله سبحانه فهو يستحقها تبارك وتعالي
قوله : ومضى على ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم خير القرون وهُم الصحابة والتابعون لهم بإحسان يوصى به الأول الآخر ، ويقتدى فيه اللاحق بالسابق ، وهُم فى ذلك كله بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم مقتدون ، وعلى منهاجه سالكون ..
الشرح :
كل من سار على هدى الرسول ونهجه وجعله نبراساً يقتدى ويستنير به فقد هدى إلى صراط مستقيم وبذلك صاروا خير القرون وهُم الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، وهذه الخيرية أثبتهاالرسول صلى الله عليه وسلم فقال : " خيرأمتي قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " (البخاري – المناقب-فضائل أصحاب النبى صلي الله عليه وسلم)
وهُم بلغوا هذه المنزلة بإتباعهم لخير الأنام وسيرهم على منهجه وبه يقتدون .

قوله : كما قال في كتابه العزيز : { قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى } يوسف 108
الشرح : وهذه الآية لها معنيان :
• الأول : لكي تكون من أتباع الرسول لابد أن تدعو إلى الله وإلا لم تكُ على حقيقة التبعية المرضية التي يترتب عليها الوعد المذكور .
• الثاني : أى أنه هو ومن اتبعه يدعون على بصيرة وليس على جهل وغيرهم قد يدعو إلى الله ولكن ليس على بصيرة فأحبار اليهود ورهبان النصارى يدعون إلى الله كما يظنون لكنهم ليسوا على بصيرة إنما يدعون إلى الضلال والشرك .. وكم يبذلون من أموال وجهود من أجل الدعوة إلى دينهم ، ونحن بفضل رب العالمين يدخل فى ديننا الكثير دون جهد يُذكر بل حتى دون كلام يُقال ، وحادثة الدنمارك خير شاهد على ذلك فهُم سبوا الرسولصلي الله عليه وسلم– قاتلهم الله – وظنوا أنهم بذلك يمكنهم الإساءة إليه صلى الله عليه وسلم والإساءة إلى الإسلام فعاقبهم الله بضد مقاصدهم فدخل بسبب هذه الإساءة منهم الكثير والكثير فى الإسلام وأذكر لكم واقعة حقيقية حدثت فى أحد البلاد العربية كان هناك رجل غير مسلم يملك شركات وأموال وأسهم وسندات وقصور وكان يعمل بإحدى شركاته شاب مسلم بوظيفة عادية بمرتب ضئيل وكان هذا الرجل كلما دخل شركته لقى الشاب دائماً مبتسماً ولم يراه أبداً يوماً عابساً حتى كان يوم وقف أمامه وسأله : هل يمكننى أن أسألك سؤال ؟ فقال الشاب : نعم تفضل . قال له : إننى أملك أموال كثيرة ومتاع أكثر ولكنى لم أشعر يوماً بالسعادة ولم أبتسم أبداً فى حياتى وأنت أراكَ تعمل ومرتبك لا يكفيك ولا يُغطى إحتياجاتك العادية ورغم ذلك أراكَ دائماً مبتسماً فما سر إبتسامتك ؟
قال الشاب : السر في أنني مسلم . قال الرجل : أتهزأ بى هل معنى ذلك أن كل المسلمين مبتسمين سعداء ؟ قال له : نعم لأن هناك حديث أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم كل من عمل بهذا الحديث يكون دائماً سعيداً مبتسماً . قال له الرجل : أخبرنى بهذا الحديث . قال له الشاب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" [مسلم كتاب الزهد والرقاق – باب المؤمن امره كله خير]

فقال له الرجل : ماذا أفعل لكى أسلم ؟ قال له الشاب : تشهد الشهادتين فتُصبح مُسلماً وأخذه إلى شيخ لكى ينطق على يديه الشهادتين ويُعلمه أصول دينه فلمّا أعلن الرجل إسلامه ونطق الشهادتين ظل يبكى بكاء شديد فحاول من معه تهدئته لكن الشيخ قال أتركوه حتى إنتهى فقال له : ما يُبكيك يا بُنى ؟ فقال له : لأول مرة فى حياتى الآن أشعر بالسعادة وأذق طعم الراحة .. سبحان الله ..

قوله : فإن كان قوله ( ومن اتبعنى ) معطوفاً على الضمير فى ( أدعو ) فهو دليل على أن أتباعه هُم الدعاة إلى الله وإن كان معطوفاً على الضمير المنفصل فهو صريح أن أتباعه هُم أهل البصيرة فيما جاء به دون غيرهم ؛ وكلا المعنيين حق .

الشرح :
قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة : والقولان متلازمان فلا يكون الرجل من أتباعه حقاً حتى يدعو إلى ما دعا إليه ويكون على بصيرة لأنه لا يمكن أن يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على غير بصيرة لأن حقيقة الدين لا تكون إلا لذوي البصيرة ولا يتحلاها إلا أولوا البصيرة فكأنَّه لا يدعو إلا أولوا البصيرة وكأنَّ من كان أولوا بصيرة فلابد أن يدعو .. أ.هـ.
والبصيرة هي أن يصير المعلوم إلى القلب كالمبصور إلى العين وكأنه يبصر بعين قلبه فيصير المعلوم لديه يقيناً لا شك فيه ولا ريب .


قوله : وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين ، وأوضح الحجة للمستبصرين ، وسلك سبيله خير القرون .
الشرح :
هذا مما لا يشك فيه أحد ولو شك فيه أحد لكان كافراً مرتداً فهذه قضية بديهية ومعلومة لجميع المسلمين لكن ما نجعله من لوازمها يخفى على كثير من المسلمين فإذا آمنا وأيقنا أن الرسول بلّغ الدين كاملاً ولم ينقص منه شيئاً فيترتب على ذلك أنه إذا وضع أحد قواعد نفهم بها بعض آيات الله عز وجل أو جاء بإضافات وأعمال جديدة لم يشرعها النبى صلى الله عليه وسلم وقال : هذه من حقيقة الدين ، فمعنى هذا أن هذا الإنسان يقول بلسان حاله ( إن لم يقل بلسان مقاله ) إن ما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم ناقص وأنه لم يُبلّغ البلاغ المبين ولم يؤد الأمانة التى وكلت إليه ، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يفعل هذا . لكن هذه هي حقيقة قولهم .

ومن ذلك وضع قواعد التأويل فالذِّين وضعوها متفقون ويجمعون على أن النبى لم يأتِ بها ولم يذكرها هو ولا أصحابه ويقولون : هذا من أصول الدين ، ويردون بها كثيراً من النصوص ويحرفون بها معان كثير من الآيات ..
ونرد عليهم : كيف تقولون أنها من أصول الدين مع قولكم أن النبى لم يذكرها ولم يأتِ بها فلازم الكلام أن النبى ما بلّغ وأنه خان الأمانة والعياذ بالله وهذا محال .

وهنا تنبيـــــه : لابد أن نعرف جيداً أهمية توثيق قضايا العقيدة التي خالفت فيها الفِرق وترتيبها وإرجاعها إلى القضايا المُحكمة قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب كشف الشبهات : أنَّ العامى الموحد يغلب الألف من المشركين أو من أصحاب البدع فهو وإن كان عامياً إلا أنه يرجع القضايا المشتبهة الشائكة التي يخوض فيها العلماء إلى قضايا واضحة وأصول وضوابط مُحكمة فإن جاء أحد وقال نؤول هذه أو نترك هذه..! نقول( ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له النبى صلى الله عليه وسلم آمنا به ) كلمة عامة مُحكمة
ومن جاء وقال زيادة نعمل بها ولم يعملها النبى صلى الله عليه وسلم أو الصحابة رضوان الله عليهم فالجواب : مادام كذلك فليست من الدِّين ولا أجر فيها ولا ثواب بل فيها العقوبة ونقول ( من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وهذا ينطبق على ما وضع من قواعد علم الكلام والبدع العملية والفرعية .

قوله : ثم خلف من بعدهم خلف إتبعوا أهواءهم وأفترقوا
الشرح :
ثم جاء من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان قوم إتبعوا أهواءهم فضلّوا ، قال تعالى : { ولا تتبع الهوى فيُضلك عن سبيل الله } فقد ذمَّ الله سبحانه وتعالى الهوى وحذَّر منه وبيّن مغبته ومغبة إتباعه لكنهم نسوا وأتبعوا أهواءهم وأفترقوا ، ووقوع الإفتراق ثابت وجاء به الخبر فى الأحاديث
من ذلك ما اخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة " [ قال الالبانى فى الصحيحه برقم ( 204 و 1492 ): صحيح]
ومن الأحاديث ما يذكر صفات الفرقة الناجية وأنها " ما أنا عليه اليوم وأصحابى أسباب الإفتراق :
1) نسيان الحظ
2 ) الشهوات وحُب الدنيا
3 ) دخول الحاقدين



السبب الأول :- نسيان الحظ :

نحن نعلم جميعاً أن اليهود والنَّصَارَى افترقوا إِلَى حد الاقتتال، وأنهم كما قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَر }[البقرة:253] فهم اختلفوا وتفرقوا بغياً بينهم {فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء} [المائدة:14].
وأخبرنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن اليهود والنَّصَارَى اختلفوا، وأخبرنا في هذه الآية من سورة المائدة أن سبب اختلاف النَّصَارَى أنهم نسوا حظاً مما ذكروا به.
ولو أخذنا هذه الآية فإنها تفسر لنا كثيراً جداً جداً من أسباب وقوع الخلاف بين الْمُسْلِمِينَ، كيف أنهم لما نسوا حظاً مما ذكروا به وقعت العداوة والبغضاء بينهم.
ونطبق هذه الجملة القرآنية عَلَى هذه الأمة، ونعرف أن هذه الأمة افترقت، بسبب "نسيان الحظ" وذلك بآيات وأحاديث الوعيد مثلاً:
ذكر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى الوعيد فيمن قتل وزنى وسرق: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً }[الفرقان:68-69] وجاء أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن... إلخ)،( وجاء في الحديث الآخر) [لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه]
وهكذا نصوصٌ كثيرة في مقام الوعيد، فجاءت الخوارج فأخذت حظاً مما ذكروا به، حيث أخذوا بأحاديث الوعيد فقط، وَقَالُوا: إذاً من ارتكب كبيرة فهو كافر خارج من الملة، وتركوا الأحاديث والآيات التي تفسرها وأخذوا حظاً مما ذكروا به وتركوا الحظ الآخر، مع أنهم لو أخذوا هذا وهذا لفهموا ما أخبر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح)لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة) ، فقد فُسِّر ذلك بأنه ما كَانَ من قتال في عهدعَلِيّ ومعاوية ، وشهد لهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإيمان والإسلام مع وقوع القتال، وفي آية الحجرات يقول تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات:9] فالقتال يقع بين المؤمنين ولا يخرجهم من الملة، نعم هو كبيرة وعليها وعيد شديد، ولكن لا يخرج من الملة.
وأخذت المرجئة حظاً آخر مما ذكروا به، فأخذوا بآيات وأحاديث الوعد: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) ، فأخذوا بروايات مطلقة مع وجود روايات تقيدها وتفسر معناها وتدل عليها، منها تكفير تارك الصلاة مثلاً: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) (بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة) ، فتركوا جانب الوعيد كله، وأخذوا بجانب الوعد فقط.
وفي موضوع الصفات: فإثبات صفات الله عَزَّ وَجَلَّ جاءت في آيات كثيرة، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علمنا كيف نؤمن بصفات الله عَزَّ وَجَلَّ وأنها عَلَى جانبين: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] نفي وإثبات لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هذا جانب نفي وتنزيه لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ هذا جانب إثبات لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فجاءت المعطلة فأخذوا بجانب النفي والتنزيه فقط، وقالوا لا يسمع ولا يبصر، وليس له يد ولم يستو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وإذا أثبتنا اليد والعين والنزول والرؤية، أصبح الإله من المخلوقات الممكنات، وأصبح له أعضاء والعياذ بالله، فقدموا أموراً لم ترد في كتاب الله ولا سنة رسوله، وقالوا نَحْنُ ننزه الله وننفي هذه كلها، ولو كانت في الكتاب والسنة، فإننا نأولها ونردها وننفيها حتى ننزه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عنها، فأخذوا حظاً مما ذكروا به لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:65] وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:4] ونفوا صفات الله عَزَّ وَجَلَّ بمثل هذه الآيات.
وبالمقابل جاءتالمشبهة ونسوا حظاً مما ذكروا به، وتركوا الآيات التي جاءت في تنزيه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأثبتوا لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الصفات كما يليق بالمخلوق -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- مشابهين في ذلك لليهودعندما قالوا: إن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى -كما هو مذكور في توراتهم- خلق السموات والأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع والعياذ بالله!
فجعلوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يتعب ويلغب، كما يلغب ابن آدم إذا عمل عملاً ما، ولذلك نفى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذلك فقَالَ: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38] أي: لم يمسنا التعب ولا النصب ولا اللغب، وردّ عليهم، فجاء هَؤُلاءِ المشبهة، وأخذوا من اليهودالتشبيه وزادوا عليهم فَقَالُوا: له يد كيدنا، فجعلوا صفات الله عَزَّ وَجَلَّ مثل صفات المخلوق.
فإذا قال لهم أُولَئِكَ المعطلة : أنتم شبهتم، قالوا: أنتم عطلتم، لذا قال السلف الصالح : المعطل عابد عدم، والمشبه عابد صنم، فالمعطل عابد عدم لأنه يقول: إن الله تَعَالَى لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا يمينه ولا شماله، وليس له يد، وليس له عين، وليس له أي صفة من الصفات، ولا يسمع ولا يبصر. إذا فهذا معدوم غير موجود فالمعطل عابد عدم
ولكن المشبه عابد صنم لأن الذي يقول يد الخالق كيد المخلوق، ووجهه كوجه المخلوق، وقدمه كقدم المخلوق، فإنما هو يعبد صنماً، لأن الأصنام نحتت لكي تعبد من دون الله، لكي يقَالَ: هذا هو الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
والشاهد أن سبب الخلاف بينهما هو أن هذا أخذ حظاً مما ذكر به ونسي حظاً، وهذا أخذ حظاً مما ذكر به ونسي الحظ الآخر، فأغرى الله بينهما العداوة والبغضاء.
فتجد في كتب المعطلة أنهم يكفرون المشبهة ، وفي كتب المشبهة يكفرون المعطلة ، وفي كتب المرجئة يكفرون الخوارج ، وفي كتب الخوارج يكفرون المرجئة ، أغرى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بينهم العداوة والبغضاء، وهذا من أعظم أسباب الاختلاف أن لا يؤخذ الكتاب كله ولا يتلقى العلم والدين كله من عند الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
السبب الثاني :- الشهوات وحب الدنيا
ومن أسباب الاختلاف: "الشهوات وحب الدنيا" فإن حب الدنيا يفسد النية والإرادة، وإذا فسدت الإرادة ودخل الدخن إِلَى القلب، فإن الأعمال تفسد، ويترتب عَلَى فساد الأعمال فساد في الاعتقاد، وأسباب ذلك تبدأ بسيطة لكنها فيما بعد تظهر وتبدو، حتى تكون منهجاً من المناهج.
فحب الدنيا كَانَ من عوامل الإفساد بين الْمُسْلِمِينَ، ومن عوامل تفرق الْمُسْلِمِينَ وهلاكهم كما جَاءَ في الحديث الصحيح، لما جَاءَ أبو عبيدة من البحرين بالغنيمة أو الجزية إِلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَ: (لعله بلغكم ما جَاءَ به أبو عبيدة من هجر ) ومع ذلك قال لهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في آخر الحديث: )فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم) فالتنافس في الدنيا والتفرق فيها يؤدي إِلَى التفرق في الدين.
ولذلك لما قام بعض النَّاس يريد الخلافة وينازع فيها تفرقت الأمة الإسلامية، حتى أصبح لهم في عام 72 أو الذي يليه أربعة أمراء للحج، حجت طائفة مع بني أمية تحت راية بني أمية في يوم عرفة، وحجت طائفة تحت راية المختار بن أبي عبيد ، وحجت طائفة تحت راية عبد الله بن الزبير ، وحجت طائفة للخوارج تحت راية نافع بن الأزرق ، أربع رايات للحج في وقت واحد وفي يوم واحد يوم عرفة بعد حوالي "60 سنة" من وفاة الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!
وذلك لأجل الأهواء والشهوات وحب الدنيا والتنازع عَلَى الملك.
كما قال أبو برزة في الحديث الذي رواه البُخَارِيّ ، قَالَ: "والله إني لأحتسب عند الله أني أصبحت ساخطاً عَلَى هذا الحي من قريش، إن هذا الذي في العراق إنما يقاتل عَلَى الدنيا، وإن هذا الذي هنا إنما يقاتل عَلَى الدنيا، وإن أُولَئِكَ -يعني القراء الخوارج - إنما يقاتلون عَلَى الدنيا ".
فحب الدنيا كَانَ من أسباب تفرق الْمُسْلِمِينَ وتنازعهم واختلافهم.
السبب الثالث :- دخول الحاقدين
ومن أسباب تنازع الْمُسْلِمِينَ واختلافهم: دخول الحاقدين، وهذا عامل خارجي، والعامل الخارجي لا يأتي إلا عقوبةً لخلل داخلي، كما أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عاقب في يوم أحد: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165].
فكانت العقوبة بسبب ما عند النفس من الذنوب كما جَاءَ في الآية الأخرى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَة [آل عمران:152] فبسبب فساد الإرادة، أو بسبب الخلل الداخلي تأتي العقوبة الخارجية، وتسليط الأعداء، وإلا فقد قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120]، فأعداؤنا يكيدون لنا ليل نهار دائماً، فإذا تحدثنا عن أي مصيبة أصابت الْمُسْلِمِينَ قلنا هو بسبب الأعداء، فالشيوعيون والصليبيون واليهود يخططون ويعملون ضدنا.. وهكذا وكأننا قوم مؤمنون صالحون متقون، ولكن هَؤُلاءِ آذونا وامتحنونا وفعلوا بنا!
سُبْحانَ اللَّه!! لماذا لا ننظر إِلَى السبب الأعظم؟ وهو لماذا سلطهم الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى علينا؟
لأنه لا تقوى ولا صبر لدينا، ولذلك سُلطوا علينا فضرنا كيدهم وأثر فينا، ولله في ذلك حكمة.
فاليوم أكثر الْمُسْلِمِينَ يوالون الكفار مع هذه المخططات الواضحة الجلية، فبالله كيف يكون الحال لو أن كَانَ الكفار لا يخططون ضدنا ؟!!
ولذلك شاء الله أن يكون مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وهو من أكبر الفجائع في التاريخ الإسلامي، عَلَى يد رجل مجوسي لنعتبر، وعندما جيء به ليحقق معه، شهد بعض الصحابة بأننفيلة النصراني)وهو من ملوك العجم) والهرمزان )وهو من امراء الجيش الفارسي) وقد جاءا وأظهرا الإسلام في المدينة ، واتفقا مع أبي لؤلؤة المجوسي ، ورآهم قبل ذلك بليال وهم يتحدثون، وسقط بينهم السيف الذي له نصلان، وهو الذي استخدم في قتل عمر الفاروق رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
فـالنَّصَارَى والمجوس اتفقوا وبيتوا المؤامرة لمقتل عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، واكتشف الْمُسْلِمُونَ هذه المؤامرة ليعرفوا أن لهم أعداءً، وأن العداوة هذه لن تخمد أبداً، وليحتاطوا من أمثال هَؤُلاءِ.
واليهود وضعوا للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السم في الشاة -كما جَاءَ في الحديث الصحيح- الشاة المسمومة التي أكل منها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قالت الذراع: إنها مسمومة، أنطقها الله لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فهم ألد أعداء الإسلام كما قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة: 82] ولذلك جَاءَ اليهودي عبد الله بن سبأ وأثار الفتنة عَلَى عثمان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ليكمل الدور الذي قام به أبو لؤلؤة المجوسي عليه، ولما حرق عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هَؤُلاءِ الزنادقة وكانوا من طائفة عبدالله بن سبأ اليهودي ، هرب عبدالله بن سبأ ولجأ إِلَى بلاد فارس ، حيث بذر الفكر المجوسي، فالتقى الفكر المجوسي مع الفكر اليهودي، وبذروا الفكرة التي أصبحت تؤلّه علياً رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لأن علياً رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إنما حرقهم عندما قالوا: أنت أنت. قَالَ: من أنا؟ قالوا: أنت الله. فقال رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً
قَالَ: أوقدوا لي نيراناً فأحرقوهم، فهرب عبدالله بن سبأ إِلَى بلاد فارس ، وبذر هذه الفكرة في نفوس العجم، وأوجدت الدين السبئي الذي لا يزال قائماً حتى الآن.
فمن أسباب تفرق الْمُسْلِمِينَ، وظهور هذه الفرق، هو المكر اليهودي والنصراني والمجوسي.
قوله : فأقام الله لهذه الأمة من يحفظ عليها أصول دينها كما أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم " لا تزال طائفة من أُمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم"
وممن قام بهذا الحق من علماء المسلمين الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد سلامة الأزدى الطحاوى - تغمده الله برحمته - بعد المائتين فإن مولده سنة تسع وثلاثين ومائتين ووفاته سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة .
فأخبر – رحمه الله – عما كان عليه السلف ونقل عن الإمام أبى حنيفة النعمان ابن ثابت الكوفى وصاحبيه أبى يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميرى الأنصارى ومحمد بن الحسن الشيبانى رضى الله عنه ما كانوا يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين .
الشرح :
إن الله سبحانه وتعالى يُقيض من علماء المسلمين من يُقيم أصول الدين ويحفظها وذلك إلى قيام الساعة ، والدليل على ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم :" لا تزال طائفة من أُمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم .." ومن قام بهذا الحق الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدى الطحاوى رحمه الله ناقلاً عن الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفى وصاحبيه أبى يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميرى الأنصارى ومحمد بن الحسن الشيبانى ما كانوا يعتقدونه من أصول الدين والعقيدة الحق .
2) الشهوات وحُب الدنيا 3) دخول الحاقدين
قوله : وكلما بعُد العهد ظهرت البدع
الشرح :
أى كلما طال الزمان بين زمن النبوة ومابعده ظهرت البدع حيث أن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم كان مانعاً من وقوع البدع حيث أنه كان يحمى جناب التوحيد ويحرص على وأد أى بدعة فى مهدها وذلك بتعليم أصحابه أصول الدين وأول واجب على العبيد وهو التوحيد لكن لما مات صلى الله عليه وسلم وأنقضت القرون الثلاثة الأولى التى هى خير القرون ظهرت البدع لبُعد الناس عن التوحيد وإتباع الهوى وحُب الدنيا وإبراز العقل وتقديمه على النقل وترك الإتباع الذى هو السبيل الوحيد للإهتداء .
ظهرت البدع :
قال ابن تيمية فى مجموع الفتاوى - (ج 3 / ص 350)
وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم يوسف بن أسباط ثم عبدالله بن المبارك وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين قالا أصول البدع أربعة الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة فقيل لابن المبارك والجهمية فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد وكان يقول إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم . :
فأصول البدع أربع ، وسائر الثنتين والسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا
اولا : الخوارج :-.
فأول فرقة مستقلة لها غاية وتجمع كانت هي الخوارج . ومن مبادئهم التكفير بالذنب، وهم أصحاب الوعيد، حيث يأخذون الوعيد ويتركون الوعد، فيكفرون الزاني وشارب الخمر والسارق ونحو ذلك.
ويجاب عن ذلك أن الله قد جعل للمرتد عقوبة القتل، وللزاني الرجم، فإن كَانَ بكراً فعقوبته الجلد، وللسارق عقوبة القطع، فلو كَانَ الجميع يكفرون لكان الحد واحداً وهو القتل، والردود عليهم كثيرة.
وخرج هَؤُلاءِ في عهد عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لما حكّم الحكمين، فَقَالُوا: لا حكم إلاّ لله، حكمت الرجال في دين الله؟ فخرجوا وأمّروا عليهم عبد الله بن وهب الواحدي وقيل غيره، لكن هذا الذي اشتهرت إمرته، ورفضوا بيعة عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَقَالُوا: لا نبايع إلاّ مثل عُمَر ، وإلاّ فلن نبايع، فبايعوا عبد الله بن وهب ، وهو أعرابي جلف ليس له صحبة، ولا شهد له الله بخير كما يقول ابن حزم.
ثانيا : الشيعة :-
وظهرت الشيعة بمبدأ التعطيل، كفكرة أولى هي موجودة في أمثال عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسس دين الشيعة منذ أن أثار الفتنة عَلَى عثمان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فبداية الفرقة موجودة، لكن ظهرت كفرقة واضحة عندما خرج الخوارج وكفّروا علياً رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
• أقسام الشيعة
الشيعة ثلاثة أقسام:
" الغالية، المؤلهة " الذين غلوا في عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَقَالُوا: أنت أنت.
قَالَ: من أنا؟
قالوا: أنت الله، وسجدوا له -والعياذ بالله-.
وهَؤُلاءِ أمر عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بإحراقهم، وهرب عبد الله بن سبأ إِلَى بلاد العجم، وهناك بدأ الدين السبئي.
الفرقة الثانية: "السبّابة": الذي يسبون ويشتمون الشيخين، فهم لم يخرجوا من الإسلام ولم يؤلهوا علياً، ولكنهم سبوا الشيخين رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وقد قال بعض الأئمة: إن سب الشيخين كفر لأن هذين كما قال علي بن الحسين زين العابدين الذي رفضته الرافضة قَالَ: كيف أسبهم وهما وزيرا جدي؟ فالذي يسب وزيري النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد سب النبي، والذي يقول: إن أبا بكر عدو للإسلام فهو متهم لرَسُول الله، ومتهم للأمة كلها.
كيف يكون هذا الرجل منافقاً عدواً للإسلام ويوليه الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلاة إشارة إِلَى تولية الإمامة العظمى؟
وكان هو وعُمَر أفضل الصحابة؟
فإذا كَانَ هذان كذابين -كما يقول هَؤُلاءِ المغترون- فالدين كله كذب، وما نقلت لنا السنة والشريعة إلاّ عن طريق الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وعلى رأسهم أبُو بَكْرٍ وعُمَر .
وأما الفرقة الثالثة: وهي: "المفضلة": فهَؤُلاءِ هم الزيدية الذين وافقوا علي بن الحسين ، فَقَالُوا: لا نشتم الشيخين، ولكنهم يفضلون علياً عليهما، ويقولون: إن إمامة المفضول جائزة مع وجود الأفضل.
فـعَلِيّ رضي الله عنه الأفضل، ولكن إمامة أبِي بَكْرٍ وعُمَر جائزة، وهذا الذي أنكره عليهم علماء السلف ، وهو من البدع، ويكفينا في بدعيته أنه صح عن عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنه قَالَ: "ما جاؤني بأحد يفضلني عَلَى أبِي بَكْرٍ وعُمَر إلا جلدته حد الفرية ثمانين جلدة ، وقال عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كما في البُخَارِيّ : "والله ما من رجل وددت أن ألقى الله بعمله إلا هذا " وكان يشير إِلَى "عُمَر وهو في سكرات الموت" وهذا الأثر معروف ومشهور ومتواتر بين الصحابة.
ثالثا : المرجئة :-
ولما اشتهرالخوارج وكفروا صاحب الذنب، كشارب الخمر والزاني والسارق، خرجت منهم فرقة تقول: لا نكفر أحداً يقول لا إله إلا الله، وكانوا مع الخوارج وجلسوا معهم فترة، فرجعوا إِلَى غلو آخر شديد وَقَالُوا: لا نكفر أحداً أبداً ما دام يقول لا إله إلا الله، حتى وإن سب الله ورسوله، وأنكر القرآن، فجنحوا إِلَى الطرف الآخر، وهَؤُلاءِ هم "المرجئة "، وظهروا في أواخر العهد الخامس.
رابعا : القدرية :-
ثُمَّ ظهرت القدرية ، وكان ظهورها في العراق أيضاً، في عهد الصحابة بتأثير النَّصَارَى الذين كانوا في الشام، وكان لهم كلام في القدر والخوض فيه، فنقلوه إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وقال بهمعبد الجهني ، وقد ثبت في صحيح مسلم في حديث جبريل الطويل المشهور المعروف: (أنه أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأسند ركبتيه إِلَى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، وقَالَ: يا مُحَمَّد أخبرني عن الإسلام؟ ...)، رواه عبد الله بن عمر عن أبيهعُمَر حيث جَاءَ بعض التابعين إِلَى عبد الله بن عمر وسأله فقَالَ: إن هناك أقواماً في العراق ينكرون القدر، فَقَالَ لهم: حدثني أبي، فذكر حديث جبريل الذي يدل عَلَى أن الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة.
فـالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية هذه الفرق جميعاً ظهرت في عهد الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ، وهذه الفرق الأربع هي أصول الفرق التي تشعبت منها فرق صغيرة، وظهرت المعتزلة في أوائل المائة في عهد الحسن البصري ، فاعتزلوا مجلسه، وهم في الحقيقة امتداد لفكر الخوارج ، لكنهم لا يقولون: إن مرتكب الكبيرة يخرج من الملة، وإنما قالوا: يخرج من الإسلام ولا يدخل الكفر، فهو في منزلة بين المنزلتين، فَقَالُوا: يخرجونه من الإسلام لأن الآيات والأحاديث التي في المؤمنين لا تنطبق عليه، ولا يدخلونه في الكفر لأن الآيات والأحاديث التي في الكافرين لا تنطبق عليه، فجعلوه في منزلة بين المنزلتين.
ثُمَّ ظهر الجعد بن درهم ، فضحى به خالد بن عبد الله القسري بعد المائة والعشرين، وقَالَ: أيها النَّاس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بـالجعد بن درهم ، فإنه أنكر أن الله كلم موسى تكليماً، ثُمَّ نزل من المنبر وذبح الجعد بن درهم .
ثُمَّ تلميذه الجهم بن صفوان ، وخرج مع الحارث بن سريج عَلَى بني أمية سنة 128هـ، وكان كاتباً له فنشر فكر المرجئة ، والجهم كَانَ ينفي جميع الصفات عن الله، وكان في نفس الوقت مرجئاً، يقول: إن الإيمان هو المعرفة القلبية فقط، فمن عرف الله بقلبه فهو مؤمن -عند جهم -، ولهذا فـالمرجئة غلو في هذا الباب، لأن إبليس يعرف الله بقلبه، بل بلسانه قَالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82] وكان الجهم كثير الجدل بلا علم، لم يتفقه، ويخالط العلماء، ويقرأ كتب العلم، ويحفظ من كتاب الله وسنة رسوله، وإنما كَانَ يجادل فقط، فجاءه قوم من الهنود من عباد الأبقار، فَقَالُوا: جئنا نناظرك، فقالوا له: صف لنا ربك؟ هل رأيته؟ هل لمسته؟ هل شممته؟
فبقي أربعين يوماً يفكر، كيف يرد عَلَى هَؤُلاءِ؟
فقَالَ: هو كالهواء، ليس له أي صفة، لا يرى ولا يشم، ونتج عن ذلك نفي صفات الله عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ تلقى عن الجهم بشر المرّيسي ، وهو يهودي في الأصل، لم يلق الجهم ، ولكن لقي تلاميذ تلامذته، وتعلم مذهب الجهم
ثُمَّ تلقى عنه عبدالله بن سعيد بن كلاّب ، وهو المؤسس الحقيقي للمذهب المسمى مذهب الأشعرية ، ولذلك هجره الإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لأنه وافق مقالة بشر وجهم ، لكن ابن كلاب لم ينف جميع الصفات، كما قال جهم بأن الكلام كلام نفسي، ولكن أثبت ما يثبته العقل، ونفى ما ينفيه العقل، وحكّم العقل.
وهذا الذي قالتهالأشعرية والماتريدية ، فَقَالُوا: ما قامت القواطع العقلية عَلَى إثباته فإننا نثبته، وهي: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام -الكلام النفسي- فهذه يدل العقل عَلَى إثباتها.
وأما الأخرى فالعقل يحكم باستحالتها في حق الله تعالى، فلا نثبتها لله تعالى، وأصل هذا العقل هو عقل الجهم لما اختلى أربعين يوماً.
والقدرية تشعبت، فكان منها القدرية الغلاة الذين ينكرون العلم، ومن أنكر علم الله للأشياء قبل وقوعها فقد كفر، وهَؤُلاءِ أكفر القدرية فإنهم قالوا: لو كَانَ الله يعلم أنه يفعل المعصية، إذاً هو قدّر عليه المعصية، فكيف يجازيه عليها؟ وهكذا سوّل لهم الشيطان.
والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أخبرنا أن هذه الحجة قديمة، قال تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:148]ويقول الله عَزَّ وَجَلَّ في سورة النحل: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:35،36] وقال في الأنعام: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149] ثُمَّ قَالَ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151] فالله تَعَالَى ذكر هذه الشبهة وردّ عليها بأنه لو كَانَ يلزم من ذلك أنه أراد الشرك يعني قضاه وقدره لما أرسل الأنبياء ولما أقام الحجة البالغة00
قوله : وكثر التحريف الذى سمّاه أهله تأويلاً ليُقبل وقلَّ من يهتدى إلى الفَرق بين التحريف والتأويل ، إذ قد يسمى صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله اللفظ فى الجملة تأويلاً ، وإن لم يكن ثم قرينة توجب ذلك ، ومن هنا حصل الفساد ، فإذا سموه تأويلاً قُبِلَ وراجَ على من لا يهتدى إلى الفرق بينهما .
الشرح :
لفظ التأويل له ثلاث معان :
1) حقيقة ما يؤول إليه الكلام وإن وافق ظاهره ، وهذا هو المعنى الذى يُراد به لفظ التأويل فى الكتاب والسنة (وهو معنى تحقيق المناط) : قال تعالى : { هل ينظرون إلا تأويله } الأعراف 53 .
2) التفسير وهو إصطلاح كثير من المفسرين
3) أن يراد به صرف اللفظ عن ظاهره الذى يدل عليه إلى معنى آخر مرجوح يقترن بذلك فلا يكون معنى اللفظ موافقا لدلالة ظاهره .




( وهذا هو المعروف بالتأويل ولم يكن يعرفه السلف وهو فى الصفات من دروب التحريف )
وللتوضيح أكثر فإن الأصل هو حمل اللفظ على ظاهره إلا إذا أتت قرينة تصرفه عن هذا ، فمن خالف الأصل بلا داعى فهذا عين الهوى وهذا من التحريف ، فمثلاً : قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان } المائدة 64 وقوله تعالى { لما خلقتُ بيدى } سورة ص 75 فقال المؤولة أن معنى اليد هنا هى النعمة أو القدرة لأن البراهين العقلية دلت على أن الله مُنزه عن الجارحة فأرادوا تنزيه الله فوقعوا فى التعطيل وهم إعتقدوا أنه إذا كان لله يد فهى يد تشبه يد المخلوق وهذا من قصور فهمهم وقلة علمهم وعدم إدراكهم فليس معنى أن نُثبت لله يد كما أثبتها لنفسه سبحانه وتعالى أن تكون مشابهة للمخلوق ألا ترى حين نقول ( رأس المال ) و ( رأس الوادى ) و ( رأس الإنسان ) إننا نذكر نفس الكلمة ونفس الحروف ولكن لا يشك عاقل فى أنهم متشابهين فى الرسم فقط فرأس المال غير رأس الوادى غير رأس الإنسان ولا وجه للتشابه بينهم أصلاً ، فكيف وهؤلاء مخلوقات كلها وليس بينها أدنى تشابه فكيف بصفات الله وصفات المخلوق كيف يمكن لعاقل فضلاً عن ذى دين أن يقول أن بينهما تشابه !!
فإذا أثبت الله أن له يد فنُثبت ذلك ولكنها غير مشابهة ليد المخلوق ولكنها على كيفية تليق بجلاله سبحانه وتعالى ولا نؤولها بمعنى القدرة أو النعمة .
ومثال آخر : ففى الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ ( وفى رواية رجله) فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ " [ البخاري - كتاب الايمان والنذور - باب :الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته]
2) التفسير وهو إصطلاح كثير من المفسرين
فقال المؤولة : رجله ليس المقصود رجل الله لأن الله منزه أن يكون له رجل مثل رجل المخلوق ولكن المقصود رَجِـله أى جماعة من الرجال يضعهم الله فى النار
ويقولون إن لديهم أدلة عقلية على أن الله منزه عن الجارحة والإبعاض وإن إثبات الصفات لله يجعله مشابه للمخلوق .
ونقول لهم ونرد عليهم بآية من كتاب الله قال تعالى : { ليس كمثله شئ وهو السميع البصير } ففيها نفى المشابهة وفيها إثبات للصفات .
خطر التأويل :
إن التأويل مِعولْ هدم هُدمت به الشريعة ، فالذين ينفون صفات الله كالمعطلة والباطنية والرافضة وأمثالهم هؤلاء مجاهرون بعدائهم لأهل السنة والجماعة بوضوح ومعادون للأصول الشرعية فيردون الآية والحديث وأمرهم واضح جلى لكن المؤولة أخطر لأنهم يقولون نحن نؤمن بالآية والحديث ويقولون نحن من أهل السنة والجماعة فيندسون فى صفوف المسلمين وينخرون فى أصولهم كالسوس ليهدموا الشريعة .
قال ابن القيم :وبالجملة فافتراق اهل الكتابين وافتراق هذه الامة علي ثلاث وسبعين فرقة انما اوجبه التأويل وانما اريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصفين والحرة وفتنة ابن الزبير وهلم جرا بالتأويل وانما دخل اعداء الاسلام من المتفلسفة والقرامطة والباطنية والاسماعيلية والنصيرية من باب التأويل فما امتحن الاسلام بمحنة قط الا وسببها التأويل فان محنته اما من المتأولين واما ان يسلط عليها الكفار بسبب ما ارتكبوا من التأويل00(اعلام الموقعين 4/251)
الفرق بين التأويل والتحريف :
هنا مسألة أحب أن أنبه عليها لأن الشارح ذكرها ولم يفصل فيها الكلام، وسيفصل فيها فيما بعد - في موضع آخر- الشارح ابن أبي العز يقول: (وقل من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل) فابن أبي العز يشير إلى أن هناك فرق بين التحريف وبين التأويل، لكنه لم يذكره في المقدمة بل جعل له كلاماً مطولاً في موضع آخر ونحب أن نذكر في هذه العجالة الفرق بين التحريف والتأويل:
باختصار شديد نقول: التحريف كله مذموم ، والله - سبحانه وتعالى - إنما ذكر التحريف عن أهل الكتاب قال - عز وجل - :﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ [النساء: 46]، والتحريف هو: إمالة الكلام عن المعنى المتبادر منه إلى معنى آخر، يعني المعنى المتبادر منه - المعنى الصحيح ، المعنى الظاهر - يميل عنه ويعرض عنه إلى معنى آخر، هذا هو التحريف ، فالتحريف هو إمالة الكلام وصرفه عن المعنى المتبادر منه إلى معنى آخر.
فالتأويل ليس مذمومًا بإطلاق ، لكن التحريف كله مذموم , ونذكر هنا أمور:
الأمر الأول: أن التأويل ليس مذمومًا بإطلاق، بل منه ما هو مذموم ومنه ما هو محمود.
الأمر الثاني: أن التأويل له أكثر من معنى ، يعني له معانٍ صحيحة ، وله معانٍ ليست بذلك....(وقد سبق ذكر معانى التاويل)
فالتأويل قد يطلق على التفسير، ولا شك أن تفسير القرآن ومعرفة معاني الكتاب ، لا شك أن هذا من الأمور المحمودة المحبوبة لأن الإنسان من المهم ومن الخير ان يتعرف على معاني القرآن، وهذا الذي تجده عند شيخ المفسرين ابن جرير - رحمه الله - وهو يستعمله، لما يقول ابن جرير - وهو شيخ المفسرين - في تفسيره: يقول: "تأويل قوله تعالى كذا" ومراده التفسير.
وقد يراد بالتأويل: الحقيقة، حقائق الأمور.
وقد يراد بالتأويل: صرف الكلام عن احتمال راجح، إلى الاحتمال المرجوح.
المقصود أن التأويل له عدة إطلاقات لا يمكن أن نذمه بإطلاق، أما التحريف فهو مذموم بإطلاق.

قوله : فأحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى إيضاح الأدلة ودفع الشبه الواردة عليها ، وكثر الكلام والشغب ، وسبب ذلك إصغاؤهم إلى شبه المبطلين وخوضهم فى الكلام المذموم الذى عابه السلف ونهوا عن النظر فيه والإشتغال به ، والإصغاء إليه إمتثالاً لأمر ربهم حيث قال : { وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديثٍ غيره } فإن معنى الآية يشملهم .
الشرح :
بسبب إنتشار التأويل وأمثاله إضطر المؤمنون إلى مقاومة هذه البدع وتبيينها وكشفها بمعنى انهم لم يكتفوا ببيان الحق وإنما ايضا بينوا ما يضاده من الباطل.
وقد عاب السلف الكلام المذموم والخوض فيه والإشتغال به والإصغاء إليه كما سيأتى إن شاء الله وذلك إمتثالاً لقول الله عز وجل : { وإذا رأيت الذين يخوضون فى ءاياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديثٍ غيره } حيث أن معنى الآية يشمل هؤلاء أصحاب الكلام المذموم وغيرهم.


قوله : وكلٌ من التحريف والإنحراف على مراتب فقد يكون كفراً وقد يكون فسقاً وقد يكون معصية وقد يكون خطأ.
الشرح :
والتحريف هو الذى يكون فى المعنى الذى يترتب عليه إنحراف فى المنهج وهو على مراتب ، فقد يكون كفراً ومثال ذلك الذين أوّلوا الصلاة والصوم والحج فقالوا إن الصلوات الخمس يُراد بها الحسن – الحسين – على – فاطمة – المهدى المنتظر
والصوم هو حفظ أسرار الطائفة
والحج هو قصد الأولياء والأقطاب
وكذلك من تعمّد التحريف فإنه يكون كفراً مثل اليهود قال الله تعالى : { ادخلوا الباب سُجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين } فماذا فعلوا ؟ : حرفوا وقالوا ( حنطة ) وزادوا نوناً فقال تعالى { فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذى قيل لهم فأنزلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون }
وقد يكون معصية مثل تأويل صفات الله مع نية التنزيه فهذه تجعل صاحبها مبتدع – منحل – فاسق .
وقد يكون خطأ وهو ما يكون من بعض الناس لا يتعمد التأويل وإنما يؤولها خطأ لخطأهم فى فهم الأحاديث فى الصفات مع سلامة منهجهم فهذا خطأ مغفور إن شاء الله .

قوله : فالواجب إتباع المرسلين وإتباع ما أنزله الله عليهم ، وقد ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فجعله آخر الأنبياء وجعل كتابه مُهيمناً على مابين يديه من كتب السماء .
الشرح :
فلكى نتقى التحريف وبالتالى الإنحراف علينا الوقوف على ما كان عليه الأنبياء صلوات الله عليهم وإتباع ما أرسله الله عليهم وقد ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فجعله خاتم الأنبياء ومن يقول بغير ذلك فهو غير مؤمن فلا نبى بعد محمد صلى الله عليه وسلم وهو خاتم الأنبياء وكتابه مُهيمناً على ما بين يديه من كُتب السماء ومُهيمناً أى أمين الكتب فما من أمرٍ يحتاجه الخلْق فى دينهم وكان فى الكتب التى سبقته إلا وكان القرآن أمين عليه وجاء به إما بعينه أو بما هو أولى منه واتم، وجاء أيضاً بمعنى جامع وبمعنى العُلو والسبق وبمعنى حاكماً وشاهداً .
قال الحافظ ابن كثير فى تفسير قوله تعالى : { ومُهيمناً عليه } :
قال ابن عباس : مؤتمناً عليه وقال : القرآن أمين على كل كتابٍ قبله ، وروى عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب وعطية والحسن وقتادة وعطاء الخرسانى والسدّى وابن زيد نحو ذلك .
وقال ابن جريج : القرآن أمين على الكتب المتقدمة له فما وافقه منها فهو حق وما خالفه منها فهو باطل ، وعن ابن عباس : أى حاكماً على ما قبله من الكتب .
وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى فإن إسم المُهيمن يتضمن هذا كله ، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله .

قوله : وأنزل عليه الكتاب والحكمة وجَعَل دعوته عامة لجميع الثقلين الجن والإنس ، باقية إلى يوم القيامة وأنقطعت به حجة العباد على الله ، وقد بيـَّّّن الله به كل شئ وأكمل له ولأمته الدين خبراً وأمراً وجعل طاعته طاعة له .
الشرح :
فإن محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء ودعوته عامة لجميع الثقلين الجن والإنس وباقية إلى يوم الدين فلا حجة لأحد على الله بعده، قال تعالى { وماأرسلناك الا رحمةً للعالمين } الأنبياء107وقال تعالي:(وماأرسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا)سبأ28
روى الإمام مسـلم فى صحيحه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ "..[ مسلم كتاب الايمان - باب وجوب الايمان برسلة نبينا محمد صلي الله عليه وسلم
وقد بيَّن الله به كل شئ وأكمل له ولأمته الدين قال تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً }المائدة3
وفى الحديث : عن أبي ذر قال : " تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم و ما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا و هو يذكرنا منه علما" [أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير "... قال الألباني في " السلسلة الصحيحة "( 4 / 416 ) - بعد ذكر اسناده - و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات ].
ذكر لنا من كل شئ , خبراً كان وأمراً :
خبر : أى ما كان من سِيَر الأولين وخبر ما سيكون وخبر الغيب وهو الحشر والصراط والجنة ... إلخ
أمر: أى التكليف من الأوامر والنواهى فالأمر يشمل الأمر والنهى معاً وليس معناه الأمر فقط
قوله : وجَعَلَ طاعته طاعة له ومعصيته معصية له
الشرح :
فإن طاعة النبى صلى الله عليه وسلم هى من طاعة الله ، ومعصيته من معصية الله لأن الله عز وجل أمرنا بإتباعه صلى الله عليه وسلم وقَرَنَ طاعته بطاعة الله عز وجل وأمرنا بهذا فقال عز وجل : { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } وقال تعالى { وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا } وقال تعالى { قل إن كنتم تحبون الله فأتبعونى يُحببكم الله }

قوله : وأقسم بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يُحكموه فيما شَجَر بينهم ، وأخبر أن المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى غيره وأنهم إذا دُعوا إلى الله والرسول ، وهو الدعاء إلى كتاب الله وسُنة رسوله صدوا صدوداً ، وأنهم يزعمون إنهم إنما أرادوا إحساناً وتوفيقاً .
الشرح :
قال تعالى : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) [النساء/65]
فلابد من التحاكم إلى شرع الله وسُنة رسوله حتى يكون مؤمناً وليس هذا فحسب بل لابد من الرضا بذلك الحكم قال تعالى { ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم } فبيَّن سبحانه أن سبب حبوط العمل هو كراهية ما أنزل الله وعدم الرضا بحُكمه سبحانه فأستحقوا هذا الحبوط للعمل .
ثم أيضاً لابد من التسليم بهذا الحُكم : أى الإمتثال والخضوع
فالمنافقين يريدون التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله وهذا علامة نفاقهم قال تعالي: (يريدون ان يتحاكموا الي الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به) النساء 60
وقال تعالي: (واذا دعوا الي الله ورسوله ليخكم بينهم اذا فريق منهم معرضون)
وقال تعالي: (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون)

قوله : وكل من طلب أن يحكم فى شئ من أمر الدين غير ما جاء به الرسول ويظن أن ذلك حسن وأن ذلك جمعٌ بين ماجاء به الرسول وبين ما يُخالفه ، فله نصيب من ذلك ، بل ما جاء به الرسول كاف كامل يدخل فيه كل حق .
وإنما وقع التقصير من كثير من المنتسبين إليه فلم يعلم ما جاء به الرسول فى كثير من الأمور الكلامية الإعتقادية ، ولا فى كثير من الأحوال العبادية ولا فى كثير من الإمارة السياسية أو نسبوا إلى شريعة الرسول بظنهم وتقليدهم ما ليس منها وأخرجوا عنها كثيراً مما هو منها .
فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم ، وليس عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم ، كثر النفاق ودرس كثير من علم الرسالة .
بل إنما يكون البحث التام والنظر القوى والإجتهاد الكامل فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليعلم ويعتقد ويعمل به ظاهراً وباطناً فيكون قد تلى الحق تلاوته وأن لا يهمل منه شئ .
الشرح :
فكل من فعل ذلك فله نصيب من النفاق فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بلّغ الأمانة كاملة ولم ينقص منها شيئاً والله عز وجل أخبرنا أن الدين كمُل وما مات النبى صلى اله عليه وسلم إلا بعد أن كمُل الدين فما من خير إلا وأرشدنا إليه صلى الله عليه وسلم وما من شرٍ إلا نهانا عنه صلى الله عليه وسلم ، وإنما التقصير وقع من المنتسبين إلى الدين وبسبب جهلهم وضلالهم بأن نسبوا لشريعة الرسول ما ليس منها وأخرجوا منها كثيراً مما هو فيها ، فالواجب إتباع ما جاء به الرسول والعلم به والإجتهاد فيه والإعتقاد به والعمل به ظاهراً وباطناً ولا يترك منه شئ ليكون بذلك قد تثلى حق تلاوته .

قوله : وإن كان العبد عاجزاً عن معرفة بعض ذلك أو العمل به فلا ينهى عما عجز عنه مما جاء به الرسول ، بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه ، لكن عليه أن يفرح بقيام غيره به ويرضى بذلك ، ويود أن يكون قائماً به ، وأن لا يؤمن ببعضه ويشرك ببعضه ، بل يؤمن بالكتاب كله ، وأن يصان عن أن يُدخل فيه ما ليس منه من رواية أو رأى ، أو يتبع ما ليس من عند الله إعتقاداً أو عملاً كما قال تعالى { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } .
الشرح :
إن كان العبد عاجزاً عن معرفة الإيمان المفصل أو العمل به فعليه أن يأخذ الكتاب كله ولا يؤمن ببعضه ويترك بعضه ولا ينهى عن ما عجز عنه بل يُشهد الله بعجزه ويفرح ويحب ويرضى بقيام غيره بذلك بل يتمنى لو كان يستطيع هو القيام به وعليه أن يحفظ ويصون كتاب الله وسُنة نبيه أن يدخل فيها ماليس منها أو يحرف الكلام أو يؤّل تأويلاً خاطئاً يصرف به اللفظ عن معناه ولا يتبع ما ليس من عند الله إعتقاداً أوعملاً فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ " أى مردود عليه لا يقبله الله سبحانه وتعالى ويرده على صاحبه كذلك قال عليه الصلاة والسلام " وكل بدعة ضلالة " فلا ينتظر أى خير فى أمر ليس من عند الله ولا رسوله عليه الصلاة والسلام بل كل ما أحدث بعد النبى صلى الله عليه وسلم فهو ضلالة .
ولا تلبسوا الحق بالباطل كما يفعل أصحاب علم الكلام والمتفلسفة والمبتدعة وتكتموا الحق الذى يقع غالبا بطريقين :
(1) إما بإبراز مرسوم الحق مع إعطاء مفهوما باطلا عند بيانه , أى يقرأ الآية هى حقاً من كلام الله لكن يُفسرها بمعنى يوافق هواه هو ويتفق وأباطيله هو حتى يصدقه الناس لأنه يتحدث بالكتاب والسنة .
(2) كتمان المرسوم نفسه كما فعل اليهود عند قراءة آية الرجم فى التوراة عندما جاءوا إلى رسول الله يُحكمونه فقرأوا ما قبلها ووضعوا أيديهم على الآية يخفونها وقرأوا ما بعدها يريدون إخفاء الحق لأنه غير موافق لأهوائهم قال تعالى { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } البقرة42.

قوله : وهذه كانت طريقة السابقين الأولين وهى طريقة التابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة وأولهم السلف القديم من التابعين الأولين . ثم من بعدهم ، ومن هؤلاء أئمة الدين المشهود لهم عند الأُمة الوسط بالإمامة .
الشرح :
فطريقة السابقين الأولين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين هى إتباع كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وعدم إدخال ما ليس منه فيه والإيمان بغير تأويل ولا تحريف وأول هؤلاء : السلف .
تعريف السلف :
هُم صدر هذه الأُمة من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى فى القرون الثلاثة الأولى المفضلة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ " [البخاري - كتاب الشهادات - باب لايشهد على شهادة زور اذا شهد]
ولابد أن يتحقق فى مصطلح السلف عاملان :
• الأول : العامل الزمنى وهو إدراك الفترة الزمنية التى حددها الرسول صلى الله عليه وسلم كما فى الحديث الذى ذكرناه .
• الثانى : العامل ( المنهجى ) ويتمثل فى طريقتهم التى فهموا بها القرآن وأنه لا تعارض بين العقل والنقل وأنه لو إتبع النقل كاملاً لكان فيه الكفاية والهداية لأن الذى خلق العقل هو الذى أرسل إليه النقل فمحال أن يرسل إليه ما يُفسده ولذلك لم يقدموا العقل على النقل لأنه ليس هناك تعارض بينهما .
سؤال :
هل يمكن أن يكون هناك سلف فى وقتنا هذا ام ماذا ؟
ذكرنا أن السلف لابد أن يتحقق فيهما عاملان عامل الزمن وعامل المنهج لكن كل من إقتدى بهم وسار على نهجهم على مدى العصور والأزمان يُسمى سلفى نسبةً إليهم لكنها سلفية عقيدة لأن السلف سبقوا زماننا فكل من قال بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة يصير سلفياً لكن كما وضحنا سلفية عقيدة ومنهج وهُم لمن بعدهم سلف ، وللتوضيح السلفية ليست جماعة أو حزب إنما هى منهج فكل من سار على نهج السلف فهو يسمى سلفى .
تعريف الأُمة الوسط : هُم خيار الناس وعدولهم كما قال تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمةً وسطاً }

قوله : فعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه قال لبشر المريسى : العلم بالكلام هو الجهل ، والجهل بالكلام هو العلم وإذا صار الرجل رأساً فى الكلام قيل زنديق أو رُمى بالزندقة ، أراد بالجهل به إعتقاد عدم صحته ، فإن ذلك علم نافع أو أراد به الإعراض عنه أو ترك الإلتفات إلى إعتباره فإن ذلك يصون علم الرجل وعقله ، فيكون عليها بهذا الإعتبار والله أعلم .
الشرح :
وبدأ هنا يشرح موقف السلف من علم الكلام :
تحدث ابن أبي العز عن ذم الكلام، أو ما يمكن أن نسميه علم الكلام، قبل أن نذكر بعض آثار السلف في ذم علم الكلام أحب أن نوضح ما معنى علم الكلام
علم الكلام: هو علم يزعم أصحابه أنهم يريدون التوفيق والجمع بين الأدلة النقلية وبين الأدلة العقلية , فأصحابه يَدَّعُون ذلك ، يَدَّعُون التوفيق والجمع ؛ لكن هؤلاء المتكلمين الذين اشتغلوا بهذا الكلام هم في الواقع تركوا نصوص الوحيين وأعرضوا عنها وقدموا عقولهم ولم يعطوا النصوص الشرعية حقها، فنجد أنهم يظنون أن النصوص النقلية مجرد أخبار ليس فيها أدلة عقلية ولا براهين ، وهذا غير صحيح ، فالنصوص الشرعية - الكتاب والسنة - حافلة بالأدلة العقلية والبراهين.
هذا وإن علم الكلام أورث أصحابه شكًّا، أورثهم اضطراب وحيرة وتردد، ولذلك ذم السلف علم الكلام ، وهذا العلم في الواقع ليس قائمًا على الدليل، إنما هو جملة من التخرصات , وفيه كم من الظنون وفيه أقوال أقرب ما تكون للمجهولات وإلى الفساد.
وبذلك تعلم كيف ذم السلف هذا العلم وأنهم انكروا الانشغال بتعلمه ولعلنا نشير هنا إلى بعض عبارات من أقوال السلف من ذلك:
قال أبو يوسف - رحمه الله - صاحب أبي حنيفة يقول في عبارته: «من طلب العلم بالكلام تزندق» يعني الذي يطلب العلم عن طريق علم الكلام فهذا يؤدي به إلى الزندقة، والمراد بالزندقة عند الفقهاء أي: النفاق، فعلم الكلام هو باب إلى الزندقة والنفاق.
ولهذا جاء عن الإمام أحمد بن حنبل أيضاً أن علماء الكلام زنادقة، يعني أنهم تلبسوا بشيء من النفاق.
وعندنا أيضًا عبارة الإمام الشافعي - رحمه الله - وهي عبارة مشهورة: «حكمي على أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال» ، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واشتغل بالكلام.
فالسلف ذموا علم الكلام لما فيه من الحيرة ، إذ يوقع في الحيرة والشك ، ويوقع في انتقاص النصوص الشرعية.
فإن العلم بالكلام هو فى الحقيقة جهل ،
ولكن اعلم ان العلم ثلاثة أقسام :
1) علم نافع : مثل العلم بالقرآن والعلوم الشرعية فهذا علم نافع على الإطلاق .
2) علم ضار: مثل تعلُم السحر وما يؤدى إلى الكفر والفسوق والزندقة . فهذا ضار على الإطلاق .
3) علم لا نافع ولا ضار إنما نفعه أو ضره بحسبه إى : إن كان علم دنيوى مثل الطب مثلاً فإن كان يؤدى إلى خدمة الإنسان وتعميق الصلة بالله والتفكر بآلاء الله فهو نافع ، أما إذا كان العلم به مثل التشريح مثلاً أو علم الأجنة يؤدى إلى الكفر بالله أو الظن أن الإنسان قادر على إقتحام علم الغيب فهذا ضار ، فكل العلوم الدنيوية بحسب دارسها .


وعلم الكلام هو الجهل والجهل به علم أى معرفة أنه غير نافع وأنه غير صحيح وأنه يؤدى إلى الحيرة والشك والضلال فهذا علم من هذه الوجهة .
قوله : وعنه أيضاً أنه قال من طلب العلم بالكلام تزندق ، ومن طلب المال بالكيميا أفلس ، ومن طلب غريب الحديث كذب .
الشرح :
قال أبو يوسف إن من طلب العلم بالكلام تزندق أى : أصبح منافقاً ، فالزندقة تُطلق على كل مَن عنده نفاق عقائدى فيُظهر الإسلام ويُبطن خلافه ، ومن أسبابه طلب علم الكلام .
ومن طلب المال بالكيميا أفلس : لأنه يضيع مامعه من مال فى شراء هذه المعادن والآلات والنقل دون فائدة فالمال لن يأتى عن طريق الكيمياء .
ومن طلب غريب الحديث كذِب : أى من طلب الشاذ والمُشكل البعيد التأويل فإن هذا قد يوصله إلى الكذب .
قوله : وقال الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : حُكمى فى أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال ويُطاف بهم فى العشائر والقبائل ويُقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام . وقال أيضاً رحمه الله تعالى شعراً :
كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه فى الديـن
العلم ما كان فيه قـال حدثـنا وماسوى ذاك وسواس الشياطين
وذكر الأصحاب فى الفتاوى أنه لو أوصى لعلماء بلده ، لا يدخل المتكلمون وأوصى إنسان أن يوقف من كتبه ماهو من كتب العلم ، فأفتى السلف أن يباع مافيها من كتب الكلام . ذكر ذلك بمعناه فى الفتاوى الظهيرية ، فكيف يرام الوصول إلى علم الأصول بغير إتباع ماجاء به الرسول ، ولقد أحسن القائل :
أيها المقتـدى ليطلب علمـاً كل علـم عبد لعلـم الرسـول
تطلب الفرع كى تصحح أصلاً كيف أغفلت علم أصل الأصول
الشرح :
يذكر المصنف آراء الأئمة فى علم الكلام وحُكمهم عليه فقال الشافعى أنهم يُضربون بالنعال ويُطاف بهم على القبائل فضيحةً لهم عن تركهم الكتاب والسنة وإقبالهم على علم الكلام .
وقال أيضاً : إن كل العلوم سوى العلوم الشرعية مشغلة وإن الحديث هو ماقيل فيه حدثنا وغير ذلك فهو من وحى الشياطين .
. وفى الفتاوى قال الأصحاب ) : إذا قَالَ: الحنفي، قال الأصحاب، أي: فقهاء الحنفية، وإذا قال ابن قدامة في المغني قال أصحابنا فيعني علماء مذهب الحنابلة، وإذا قال في شرح المنهاج قال الأصحاب يعني: علماء الشافعية.. وهكذا)
أنه لو أوصى لعلماء بلده بشيء فلا يدخل في ذلك المتكلمون ، فعالم الكلام لا يدخل في ركب العلماء، فهو يشتغل في الجدل وفي المناظرات والمنطق، ولا تدخل كتبهم في كتب العلم فلو أن رجلاً قَالَ: كتبي كلها وقف لمكتبة الحرم، فننظر فما كَانَ من كتب الفقه والحديث والأصول والمصطلح، ونحو ذلك أدخلناه، وما كَانَ من كتب الجاهلية والفلسفة ونحو ذلك رميناه، إذاً فأصحاب علم الكلام لا يدخلون في العلماء ولا كتبهم تدخل في كتب العلم كما ان الوقف لله لا يكون الا مما فيه نفع للناس فى دينهم .
كما ذكر الأصحاب أنه لو كان يمكنهم الوصية وإبداء النُصح لعلماء البلاد لأوصوا بأن لا يدخلها المتكلمون حتى لا يُفسدوا فيها .
ثم ذكر بيت الشعر الذى يقول :
أيها المقتـدى ليطلب علمـاً كل علـم عبد لعلـم الرسـول
تطلب الفرع كى تصحح أصلاً كيف أغفلت علم أصل الأصول
أى إنه يوجه قوله لمن يغدو ويطلب علماً أن العلم الحقيقى الحق هو ما كان تبع لعلم الرسول أى العلوم الشرعية القائمة على الكتاب والسنة . وأن من أراد العلم فعليه بعلم أصل الأصول .
قوله : ونبينا صلى الله عليه وسلم أوتى فواتح الكلِم وخواتمه وجوامعه فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والأخروية على أتم الوجوه ، ولكن كل ما ابتدع شخص بدعة إتسعوا فى جوابها ، فلذلك صار كلام المتأخرين كثير قليل البركة بخلاف المتقدمين فإنه قليل كثير البركة .
الشرح :
لو اجتمع أهل الأرض جميعاً، وأعملوا عقولهم عَلَى أن يأتوا بمثل هذا الإعجاز، ومثل هذه الذكر ومثل هذا الشمول، واقتراب القاعدة لجميع الوقائع لعجزوا عن ذلك عجزاً بيناً، وفوق ذلك عجزهم عن كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فهو أعظم
إن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتى جوامع الكلِم وبعث بكل العلوم على أتم الوجوه فأنظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " الدين النصيحة " كلمات قليلة جداً لكن معانيها عظيمة جداً جداً ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " كل بدعة ضلالة " ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " لا ضرر ولا ضرار " .. كلمات قليلة تبنى عليها حياة كاملة وتشمل أحكام لمسائل عديدة .
أما كلام المتأخرين فهو كثير ولكنه قليل البركة أما كلام المتقدمين مثل مالك رحمه الله قال كلمة تُقال إلى اليوم وجيزة العبارة كثيرة البركة قال رحمه الله : ( الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ) كل الصفات يُجاب عنها بهذه العبارة الموجزة الكثيرة البركة فكل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام نُثبته دون تحريف أو تمثيل أو تشبيه أو تكييف . ونؤمن به ونؤمن أنه على كيفية تليق بالله سبحانه وتعالى وأن السؤال عنها بدعة .
قوله : لا كما يقوله ضُلال المتكلمين وجهلتهم أن طريقة القول أسلم ، وأن طريقتنا أحكم وأعلم ، ولا كما يقوله من لم يقدرهم من المنتسبين إلى الفقه أنهم لم يتفرغوا لإستنباط الفقه وضبط قواعده وأحكامه إشتغالاً منهم بغيره والمتأخرون تفرغوا لذلك فهُم أفقه .
فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف ، وعمق علومهم ، وقلة تكلفهم وكمال بصائرهم . وتالله ما إمتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والإشتغال بالأطراف التى كانت همة القوم مراعاة أصولها وضبط قواعدها ، وشد معاقدها ، وهممهم مثمرة إلى المطالب العالية فى كل شئ ، فالمتأخرون فى شأن والقوم فى شأن آخر ، وقد جعل الله لكل شئ قدراً .
الشرح :
هذه العبارة باطلة من كل الوجوه وهى سبٌ صريح للمتقدمين لأنك إذا تكلمت فيمن كرمهم الله ووصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم خير القرون بالتنقيص تكون قد سببت وخالفت الله فيما حكم ، فالسلف طريقتهم أسلم لأنهم لم يتعرضوا لشئ وراء النصوص ، وأعلم لأنهم أخذوا عقيدتهم من الكتاب والسنة ، وأحكم لأنهم سلكوا الطريق الواجب سلوكه وهو إجراء النصوص على ظاهرها اللائق بالله عز وجل .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : هذا القول على مافيه من التناقض قد يوصل إلى الكفر فهو أولاً فيه تناقض لأنهم قالوا طريقة السلف أسلم ولا يُعقل أن تكون الطريقة أسلم وغيرها أعلم وأحكم لأن الأسلم يستلزم أن يكون أعلم وأحكم فلا سلامة إلا بعلم بأسباب السلامة وحكمة فى سلوك هذه الأسباب .
ثانياً : أين العلم والحكمة من التحريف والتعطيل ( فى طريقتهم )
ثالثاً : يلزم منه أن يكون المخالفون أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأن طريقة السلف هى طريقة النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
رابعاً : أنها قد تصل إلى الكفر لأنها تستلزم تجهيل النبى وتسفيهه .
فتجهيله ضد العلم وتسفيهه ضد الحكمة وهذا خطر عظيم ..أ.هـ.
فهذه العبارة باطلة حتى وإن أرادوا بها معنى صحيحاً فهؤلاء بحثوا وتعمقوا فى أشياء كان السلف لم يتكلموا فيها وخوضهم فى هذه الأشياء هو الذى ضرهم وأوصلهم إلى الحيرة والشك وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : " هلك المتنطعون " ولو أنهم بقوا على ما كان عليه السلف الصالح ما وصلوا إلى هذا الشك والحيرة حتى إن بعض أئمتهم يتمنى الموت على عقيدة أُمه العجوز التى لم تعرف هذا الضلال .
فالعقيدة الفاسدة لا يمكن أن يستطيع الإنسان العيش عليها أبداً ، فهذا الرازى يقول : رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ فى الإثبات ( الرحمن على العرش إستوى ) يعنى فأثبت ، وأقرأ فى النفى ( ليس كمثله شئ ) و ( ولا يُحيطون به علماً ) ومن جرّب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى .
فكل من ظن أن المتأخرون أفقه لأنهم تفرغوا للإشتغال بأحكامه وضبط وإستنباط قواعده فهو لم يعرف مقدار السلف وعُمق علومهم وكمال بصائرهم وقلة تكلفهم فالمتأخرون إشتغلوا بالأطراف والمتقدمون كانت همتهم مراعاة الأصول وضبط قواعدها وشد معاقدها وهمتهم المطالب العالية.
لذا فالقوم لهم شأن والمتأخرون لهم شأن والبون شاسع بين الإثنين .
قوله : وقد شرح هذه العقيدة غير واحد من العلماء ، ولكن رأيت بعض الشارحين قد أصغى إلى أهل الكلام المذموم وأستمد منهم وتكلم بعباراتهم .
الشرح :
هناك شروح كثيرة وقد أوضحنا ذلك فى بداية الكلام فى هذه المقدمة , لكن أغلب الشروح إستمدت مادتها من علم الكلام وتحدثت بعبارات أهله ولذلك لم تكن هذه الشروح على منهج السلف .
قوله : والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه إصطلاحاً جديداً على معان صحيحة كالإصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة ولا كرهوا أيضاً الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل .
بل كرهوه لإشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق . ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة . ولهذا لا تجد عند أهلها من اليقين والمعرفة ما عند العوام المؤمنين فضلاً عن علمائهم . ولإشتمال مقدماتهم على الحق والباطل كثر الكلام وأنتشر القيل والقال ، وتولد لهم عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح ، والعقل الصريح ، ما يضيق عنه المجال . وسيأتى لذلك الكلام زيادة بيان عند قوله : فمن رام علم ما حظر عليه علمه .
الشرح :
فإن أهل الكلام قالوا إن السلف يكرهوا التحدث بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لكونه إصطلاحاً جديداً لكن هذا غير صحيح فإن العرب لم يعرفوا الخبر والمبتدأ ولم يعرفوا النحويات ولكنهم لم يكرهوا التكلم بها وكذلك باقى العلوم الجديدة ، لكن هذا الكلام ( علم الكلام ) فيه أمور كاذبة وإعتقادات خاطئة ومخالفة للكتاب والسنة لذلك كره السلف التكلم به ليس لكونه جديداً عليهم ولكن لمخالفته للشرع والحق . فان قال قائل منهم لماذا تنكرون عَلَى علم الكلام، ولا تنكرون عَلَى غيره من العلوم المستحدثة كعلم النحو وعلم الأصول، فالعرب كانوا يتكلمون اللغة بدون معرفة مبتدأ ولا خبر، ولا نواسخ، ولا مضاف ومضاف إليه، والفقهاء كانوا يقولون حرام وحلال، ولم يكونوا يعرفون الأحكام التكليفية والوضعية، والعلة والمناط، وغير ذلك من مباحث علم الأصول.
فنحن جئنا بمثل ما جَاءَ به النحويون وضبطنا العقيدة، فوضعنا جسم وعرض، وحيز وجوهر، وتركيب وغير تركيب، أتينا بها حتى نفهَّم النَّاس العقيدة.
وقالت الصوفية : نَحْنُ أتينا ورتبنا طريق السلوك، وجعلنا له مقامات، وأحوالاً، والحال له تعريف، والمقام له تعريف، وكيف نجمع بين هذا المقام وهذا الحال، فما أتينا إلا بمصطلحات نُفهم النَّاس كيف كَانَ الصحابة يتعبدون.
فرد عليهم المُصْنِّف هذه الشبهة فقَالَ: [السلف لم يكرهوا ذلك لمجرد كونه اصطلاحات جديدة عَلَى معان جديدة، لكن أنكروا عليهم لأنها تشتمل عَلَى أمور كاذبة، ولأنها عبارات منقولة عن مشركي اليونان والمجوس، وتعبر عن عقائد جاهلية قديمة باطلة، وكل مصطلح منها له دلالة تختلف عند أهله عنها في لغة العرب.
فالجسم في لغة العرب غير الجسم في تعريف المناطقة ...وهكذا بقية الأمور كالعرض، والجوهر.
فهي تعبر عن عقائد زائفة، وتشتمل عَلَى مقدمات باطلة، وتؤدي إِلَى نتائج كاذبة مبتدعة في الدين، لم يكن عليها السلف الصالح رضوان الله تَعَالَى عليهم،
ولهذا لا تجد عند اصحاب علم الكلام اليقين والمعرفة ماعند عوام المؤمنين فضلاً عن علمائهم لأنه كما ذكرنا من قبل ان العامى يرجع المتشابه أو المُشكل إلى المحكم . وسيأتى مزيد بيان لذلك بإذن الله تعالى عند شرح الكتاب00
قوله : وقد أحببت أن أشرحها سالكاً طريق السلف فى عباراتهم ، وأنسج على منوالهم متطفلاً عليهم ، لعلى أن أنظم فى سلكهم ، وأدخل فى عدادهم ، وأحشر فى زمرتهم { مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقاً }
الشرح :
بيّن ابن أبى العز أنه أراد شرح العقيدة الطحاوية للإمام الطحاوى على منهج السلف سالكاً طريقتهم مقتفياً آثارهم لعله يُحشر معهم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقاً .
قوله : ولما رأيت النفوس مائلة إلى الإختصار آثرته على التطويل والإسهاب { وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب } وهو حسبنا ونعم الوكيل .
الشرح :
ويقول إن النفوس تميل إلى الإختصار وتؤثره عن التطويل فأختار هذا النهج وأن توفيقه فى هذا الأمر إنما هو من الله عز وجل وحده وليس لنفسه فيه شئ ولا لعمله وجهده وأنه توكل على الله وأعتمد عليه وحده سبحانه فى كل عمله وأراد به وجهه سبحانه ، وختم كلامه بـ ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) وهذا من الأمور الحسنة التى فيها إحتساب العمل عند الله وتوكيله فى أن يصيب نفع فى الخلق وأنه سبحانه مُطلع على قلبه فهو وحده كافيه وحافظه .
وهنا أشير إلى ان بعض الناس يظنون أن عبارة حسبنا الله ونعم الوكيل هى من باب الدعاء على الغير أو من قبيل أن هناك ظلم واقع على قائلها وهذا ليس صحيح ولكنه إفتقار إلى الله عز وجل وأحتساب العمل عنده سبحانه وكمال التوكل عليه فهو وحده القادر على كفايته وحفظه وتبليغ علمه ونفع الخلائق به لأنه وحده المُطلع على إخلاصه فى هذا العمل وأنه إبتغى به وجهه سبحانه وتعالى
وبذلك يكون قد تم الإنتهاء من شرح المقدمة
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
تم الإنتهاء من كتابته
بمكة المكرمة
في يوم الأثنين



4 جمادي الأولي 1428/21 مايو2007







المراجع
شرح العقيدة الطحاوية للشيخ/د0سيد العربي
اتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل للشيخ/صالح عبد العزيز ال الشيخ
شرح العقيدة الطحاوية للشيخ/د0سفر الحوالي
مجمل اصول أهل السنة والجماعة للشيخ/ناصر عبد الكريم العقل
خصائص أهل السنة للشيخ/أحمد فريد
طريق الهجرتين لأبن الجوزي
فتح المجيد عبد الرحمن حسن
شرح العقيدة الطحاوية للشيخ/محمد حسين يعقوب
شرح العقيدة الطحاوية للشيخ/عبد العزيز محمد عبد اللطيف
التعليقات المختصرة علي متن العقيدة الطحاوية للشيخ/صالح ابن فوزان الفوزان
:004111:






رحمكِ الله ياقرة عيني

التعديل الأخير تم بواسطة نصرة مسلمة ; 06-28-2012 الساعة 05:32 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-16-2008, 01:38 PM
بيبرس السلفي بيبرس السلفي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 




افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شكراً اخي الكريم على المجهود المميز

شكر الله لك .. وجزاك الله خيراً وجعله في ميزان حسناتك

تحياتي

بيبرس السلفي
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-16-2008, 10:38 PM
هجرة إلى الله السلفية هجرة إلى الله السلفية غير متواجد حالياً
رحمها الله رحمة واسعة , وألحقنا بها على خير
 




افتراضي

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-03-2009, 06:07 PM
الشافعى الصغير الشافعى الصغير غير متواجد حالياً
لا تهاجم الناجح وتمتدح الضعيف .. لا تنتقد المجتهد الذي يعمل وتربت علي كتف الكسول
 




افتراضي

ماشاء الله
جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-04-2009, 04:29 AM
هجرة إلى الله السلفية هجرة إلى الله السلفية غير متواجد حالياً
رحمها الله رحمة واسعة , وألحقنا بها على خير
 




افتراضي

بارك الله فيك
اخي الكريم
وجزيت خيرا
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-07-2009, 04:25 PM
أبو عمر الأزهري أبو عمر الأزهري غير متواجد حالياً
الأزهر حارس الدين في بلاد المسلمين
 




افتراضي


جزاكم الله عنا خيراً ورفع قدركم ياأمنا .
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-07-2009, 08:59 PM
هجرة إلى الله السلفية هجرة إلى الله السلفية غير متواجد حالياً
رحمها الله رحمة واسعة , وألحقنا بها على خير
 




افتراضي

امين
وجزيت خيرا منه
واحسن الله اليك
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 03-03-2012, 10:26 PM
الصورة الرمزية أم عبد الله
أم عبد الله أم عبد الله غير متواجد حالياً
كن كالنحلة تقع على الطيب ولا تضع إلا طيب
 




افتراضي

ربنا يرحمك يا أمي رحمة واسعة ويجمعني بكِ في الفردوس الاعلى
كما جمعنا في الدنيا على طاعته اللهم آمين.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 03-10-2012, 06:49 PM
نور الدرب نور الدرب غير متواجد حالياً
قـــلم نــابض
 




افتراضي

رحمكـ الله رحمة واسعه يا أمي ..
التوقيع

رحمك الله يا أمي الغالية ..~
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 06-04-2012, 12:46 AM
أم سُهَيْل أم سُهَيْل غير متواجد حالياً
" منْ أراد واعظاً فالموت يكفيه "
 




افتراضي

رحمكِ الله ياأمي وغفر لكِ ورفع قدركِ ويمن كتابكِ
وجعل الفردوس الأعلى داركِ ومستقركِ من غير حساب ولا سابقة عذاب
اللهم آآآآآآآآآآآآآمين



رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

منتديات الحور العين

↑ Grab this Headline Animator

الساعة الآن 02:30 AM.

 


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
.:: جميع الحقوق محفوظة لـ منتدى الحور العين ::.