نسألكم الدعاء بالشفـــــاء العاجــــل لوالدة المشرف العام ( أبو سيف ) لتدهور حالتها الصحية ... نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيها ... اللهم آمـــين
اعلانات


عقيدة أهل السنة يُدرج فيه كل ما يختص بالعقيدةِ الصحيحةِ على منهجِ أهلِ السُنةِ والجماعةِ.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-16-2008, 11:22 PM
هجرة إلى الله السلفية هجرة إلى الله السلفية غير متواجد حالياً
رحمها الله رحمة واسعة , وألحقنا بها على خير
 




Islam شرح مقدمة كتاب فتح المجيد

 


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
انقل اليكم كتيب نافع باذن الله وهو شرح مقدمة كتاب فتح المجيد للأخت /هالة يحيى صادق
مدرسة العقيدة بالمركز الأسلامي العام لدعاة التوحيد والسنة - معهد الدكتور جميل غازى للعلوم الشرعية - بالقاهرة
اسأل الله عز وجل ان يجعل الله ذلك في موازين حسناتها
اختكم
هجرة الي الله


كتـاب فـتـح المـجيـد

شـرح كتـاب التوحيـد
الذى هو حق الله على العبيـد

الشيخ / عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب

إعداد
أم شهاب
هالة يحيي صادق

أولاً : إسـم الكـتاب :
هذا الكتاب الذى بين أيدينا هو كتاب ( فتح المجيد ) وقد سمّـاه المؤلف بهذا الإسم لأنه إعتبره فتحاً من الله عز وجل وأعتبر المجهود الذى قام به هو نوع من أنواع الفتوح التى منّ الله تعالى عليه به .

الفتح : هو مايمُـنّ الله به على عباده من العلم والذى لا يوجد فى مقروءٍ أو مسموعٍ ولكنه شرح للصدور وفهم للأمـور.

المَجيـد : ( المَـجيد - بالفتح وليس بالكسر حيث أن بالكسر هو دال على الشئ الردئ ، ويُقال على الروث ) إسم من أسماء الله الحسـنى على وزن فعيل وأصله من المجد . وهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال .

والمجد : هو الذكر بما يقتضى خلوده جل وعلا ، وإتساع شأنه وإتساع أمره سبحانه تعالى . فالله سبحانه وتعالى مجيد مجد بلا حدود ، واسع ليس محصور فى دائرة محددة ، مجد لا يمكن حصره لأن أوجه المجد لا تنحصر بما يقتضى تمجيده وتعظيمه ولأنه أهل لذلك مستحق له .


والمجيد هو الذى لا يقطع العطاء وله النفوذ فيما يشاء وهو شريف الذت ، جميل الفعال ، حسن الخصال ، واسع الكرم ، منيع لا يُرام ، المستحق لكل صفات المجد ، المتفرد بالشرف الكامل والمُلك الواسع منذ الأذل ، وهو الكريم المفضال الذى تمجّـد بفعاله ومجّـده خلقه لعظمته .

ثانياً : مؤلف الكتـاب
الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وله من المصنفات الكثير فى الأصول والفروع أكثرها رداً على أهل المقالات ومن غلط منهم فى الصفات .

ترجمة الشيخ أبو الحسـن :
هو الشيخ أبو الحسن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب .. ولد فى الدِرعية الواقعة الى الشمال من مدينة الرياض سنة 1193 هـ قبل وفاة جده الإمام محمد بن عبد الوهاب بثلاث عشرة سنة .. مات والده وهو صغير فتولى رعايته والعناية به جده الإمام محمد بن عبد الوهاب ، ثم وجّـهه الى طلب العلم فى وقت مبكر فحفظ القرآن فى التاسعة ، وقد أدرك علماً غزيراً فى مدة قصيرة لِما حباه الله من الذكاء وجودة الفهم والصبر على المطالعة ..

أخذ العلم عن علماء عصره فى نجـد ومصـر ومنهم :

1 – الإمام محمد بن عبد الوهاب
2 – الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب
3 – الشيخ حمد بن ناصر بن معمر
4 – الشيخ عبد الرحمن بن حسن الجبرتى
5 – النحوى المؤرخ حسين بن غنـام
6 – الشيخ إبراهيم الباجورى ( شيخ الأزهر )

عينه الأمـير سعود بن عبد العزيز بن محمد فى قضاء الدرعية سنة 1229 هـ عاصمة الدولة آنذاك ، ثم نقله الأمير عبد الله بن سعود الى مكة سنة 1234هـ ولما إجتاحت جيوش محمد على الدرعية سنة 1233 هـ إنتقل الى مصر مع أفراد أسرته وأستقروا هناك ، وفى سنة 1241 هـ تمكن من العودة الى نجد بعد إستعادة الأمير تركى بن عبد الله بن محمد بن سعود سنة 1249 هـ الحُكم فأعاده الى القضاء وأتخذ منه مستشاراً بما يعرض له من الأمور الخاصة والعامة ،وساهم معه فى إحياء الدعوة وتطهير البلاد مما أصابها من الشرور والفتن وأشترك فى معظم الغزوات التى خاضها الإمام تركى تحت راية التوحيد .

ألّـف مجموعة من الكتب التى تشهد بطول باعه فى التفسير والحديث والفقه مع أنه كان مشغولاً بالقضاء والتدريس والدعوة وغير ذلك ..
ومن هذه الكتب
( فتح المجيد – القول الفصل النفيس – المقامات فى تاريخ الدعوة – المحجة – بيان كلمة التوحيد – مختصر العقل والنقل – حجة التحذير فى المنع من لبس الحرير – الرد والردع – المورد العذب الزلال – ملخص منهاج السنة – إ رشاد طالب الهدى – تفسير سورة الفاتحة ... إلخ )


أدركه الأجل عشية يوم السبت 11 ذى القعدة 1285 هـ فى مدينة الرياض ودُفن فى مقبرة العود . بعد أن عاش حياته صادقاً ، مخلصاً ، معروفاً بعزيمته التى لا تلين ، حازماً ، كريماً ، حليماً ، متواضعاً ، عطوفاً ناصحاً ، متعففاً يكتسب من الزراعة ، شديد الغيرة على حُرمات الله ، لا تأخذه فى الله لومة لائم ، متنبهاً لدسائس أهل البدع ، مُدافعاً عن العقيدة بلسانه وقلمه ، شجاعاً وقف مع رجال الدرعية وقفات مشهودة فى وجه عدوان إبراهيم باشا الغاشم .

ثالثاً : التعريـف بالكـتاب
هذا الكتاب شرح لكتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب ، قام به الشيخ / عبد الرحمن بن حسن ، ولكن قد قام بشرحه أيضاً الشيخ / سليمان بن عبد الله ، وسُمى هذا الشرح " تيسير العزيز الحميد " ولكنه مات قبل أن يُتمه ، فقام ابن عمه الشيخ عبد الرحمن بتكملته وتهذيبه وتقريبه وسماه " فتح المجيد " .

فالمتن : كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد للشيخ / محمد بن عبد الوهاب ، وهو سفر نفيس يجمع بين طياته دعوة شاملة لكل أنواع التوحيد ، وهو كتاب وعظى دعوى أكثر منه علمى ، ومما يدل على ذلك أنه جمع فيه بين مسائل العقيدة ( كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ) ومسائل التوحيد ( وهو ما يختص بأسماء الله وصفاته وأفعاله ) ،وهذا مما لم يفعله السلف فى كتب العلم ، ولعل مقصد الشيخ فى ذلك : جمع المسائل التى ينبغى أن يعتقدها الدعاة وأهل التوحيد وأن يُبين لهم المسلك الصحيح فى طريقهم الى الله ودعوتهم إليه .

وكتاب التوحيد وإن كان إسمه يدل على ما يتعلق بشأن الله تعالى وحده ( ربوبية – ألوهية – أسماء وصفات ) ولكنه يغلب عليه الجانب العقائدى .

ومعلوم أن التوحيد أخص من العقيدة ، فالتوحيد يتعلق بشأن الله وحده كما ذكرنا أما العقيدة فهى تتعلق بكل ما ينبغى للعبد أن يكون له فيه معتقد سواء كان متعلقاً بشأن الله عز وجل أو بالوعد والوعيد أو الجنة والنار ، فالعقيدة أعم من التوحيد والتوحيد أخص من العقيدة ،ولعله سمّـاه بهذا لبيان أن هذا هو مسلك الموحدين : فهو يدل على المسلك القويم الذى يجب أن يسلكه العبد نحو ربه عز وجل ، ولذلك سماه " كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد "


رابعاً : ممـيزات الكـتاب
هذا الكتاب لماذا ؟
لعل الشيخ كان مخلصاً فى دعوته وجعلها خالصة لوجه الله أراد بها إخراج النفوس من الظلمات الىالنور فى زمن إنتشرت فيه البدع والضلالات الشركية ، ولأن كل دعوة من الدعوات وكل عمل من الإعمال إنما يُعرف قيمته من ثمراته المترتبة عليه ومن أثره الذى يتركه ، ولأن دعوة الشيخ لمّا كانت دعوة مترسمة منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم مستمدة علمها من الكتاب والسنة صار لها أطيب الأثر وأستمر نفعها وبقى أثرها وأنتجت للأمة خيرات كثيرة أهمها تصحيح العقيدة الإسلامية مما علق بها من الشركيات والبدع والخرافات وإرجاعها الى النبع الصافى من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإمتداد هذه الدعوة الى خارج بلادها والتى قيّـض الله سبحانه وتعالى من ينشرها ويرعاها الى يومنا هذا ، ولعل لهذا كله إهتم العلماء بهذا الكتاب وأحـتـفلوا به فى بلاد مختلفة فدرسوه فى حِلقهم وكتبوا عليه الشروح والحواشى والإيضاحات المفيدة التى أسهمت فى تبيين مقاصده وحل ألفاظه وبسـط معانيه وتُرجم الى لغات متعددة ، ودُرس فى المراكز الإسلامية ، وذلك كله بفضل الله سبحانه وتعالى ثم إخـلاص الشيخ – نحسبه كذلك والله حسـيبه .

ومن مميزات هذا الكتاب أنه مُيسّـر فى تحصـيله سهل العبارة شيق الفكرة معلوماته يسيرة ونفعها غزير جمع بين الجانب العقائدى والجانب التطبيقى ، والكتاب كله قال الله قال الرسول ، مما أعطاه المصداقية والحجة القوية كما جعل الله له القبول فى الأرض كما وضحنا آنفاً ..

ولذلك سنتناوله أيضاً بالدراسة لتوحيد الفكر بيننا وبين إخواننا فى جميع أنحاء العالم نسأل الله السداد والتوفيق وأن يُعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا ويُيسِّـر لنا ويُفقهنا فى الدين .. آمين ..


خامسـاً : ترجمة الشـيخ محمد بن عبد الوهاب
هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن على بن مشرف التميمى النجدى الحنبلى . من بنى حنظلة من آل التميمى ، ولد فى العُيينـة من بلاد عارض اليمامة فى وسط الجزيرة العربية سنة 1115 هـ وكان رحمه الله على علم وصلاح وديانة ، فقد نشأ بين أسرة فاضلة وبيت علم وأبوين كريمين فوالده الشيخ / عبد الوهاب بن سليمان من علماء نجد المعروفين وقد تولى القضاء فى عدة جهات ، وجده الشيخ / سليمان بن على كان عالماً جليلاً وإماماً فى الفقه وهو المفتى فى البلاد فى وقته ، وعمه الشيخ / إبراهيم بن سليمان كان من أجل العلماء . فنشأ الشيخ محمد فى هذا الجو العلمى ، وكان حاد الذهن متوقد الذكاء سريع الحفظ ، حفظ القرآن الكريم قبل العاشرة ، ودرس على والده كتب الفقه الحنبلى وقرأ فى كتب التفسير والحديث والأصـول وعنى عناية خاصة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وكتب العلامة ابن القيم ، وكان لهذين الإمامين أكبر الأثر فى تكوين شخصيته العلمية المتميزة وتكون لديه الإتجاه السليم منذ صغره ، وتركزت فى قلبه العقيدة الصحيحة ..

ولما إستوعب ما يدرس فى بلدته تطلع الى الزيادة وعزم على الرحلة الى علماء البلاد المجاورة للإستفادة من علومهم فسافر الى البصرة والإحساء ومكة والمدينة وتلقى العلم بمكة على يد عالم كان مُحدِّث أوانه وهو الشيخ ، عبد الله البصرى ، وكان يوصف بمُحـدِّث الحجاز من سعة علمه بالحديث روايةً ودراية .. جلس الشيخ بين يديه فأنتهل منه علم السُـنة وتعلم منه خيراً كثيراً حتى روى الأحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم بسند ذلك العالم متصلة الى النبى صلى الله عليه وسلم ، وتلقى كذلك علم الحديث على يد الشيخ / محمد حياة السـندى بالمدينة ، وذهب الى الشام والبصـرة ثم رجع الى بلـده وهم على حالة لا يحبهـا الله ( ذكر المؤرخون كابن غانم وابن بشر وغيرهما عن حالة نجد خصوصاً والعالم الإسلامى عموماً الشئ الكثير من ظهور البدع والخرافات والشركيات والجهل بحقيقة الدين الصحيح ، ففى نجـد كانت القبـور والأشـجار والأحجـار والمغارات تُـعبد من دون الله بأنواع من القربات ) .

ويقول الإمام الشوكانى وهو من المعاصرين لدعوة الشيخ عن حالة المسلمين آنذاك وكم قد جرى من تشـييد أبنية القبور وتحسينها ، ومن مفاسد يبكى لها الإسلام منها إعتقاد الجهلة لها كإعتقاد الكفار للأصنام وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصداً لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم .

قال محمد بن غيهب ومحمد بن عيدان : كان ديننا قبل هذا الشيخ المجدد لم يبق منه إلا الدعوى والإسم ، فوقعنا فى الشرك ، فقد ذبحنا للشياطين ودعونا الصالحين ونأتى الكهـان ولا نفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ولا نفرق بين السُـنة والبدعة . وقبل هذا الشيخ لا تؤدى أركان الإسلام كالصلاة والزكاة فلم يكن فى بلدنا من يزكى من الأرض حتى جاء الحق وبطل الباطل إن الباطل كان زهوقاً .

فى وسط هذا الجو المظلم سطعت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورع صوته مُنكِـراً هذا الشرك وصدع بدعوته وبيّـن منهج الله وصراطه المستقيم فتكلم فى أعظم شئ وأعظم حق لله ( وهو التوحيد ) رغم علمه بعلوم أخرى كثيرة ولكنه رحمه الله قدّم أهم العلوم وأحوج ما تكون إليه الأمة فى زمانه فلقى من الناس ما يلقاه أمثاله من الدعاة الى الله من الأذى ، وأطاعه من وفّـقه الله لقبول الحق وقيّـض الله له من ينصره ومن يكون له خير مُعين وهذه من حكمة الله فإن الحق يحتاج الى سلطان الدنيا ، فكما أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيهما سلطان الدين فأنها تقوى بسلطان الدنيا كما قال النبى صلى الله عليه وسلم حينما كان يعرض نفسه على القبائل : من ينصـرنى حتى أُبلّـغ كلمة الله أو دين الله ؟ وكذلك نصـره الله بالأنصــار وسمّاهم بذلك .

ومع قيام الشيخ بالدعوة الى الله ساللسان فقد ألّف المصنفات يدعو فيها الى توحيد الله فاطر السماوات والأرض . كان منها وأعظمها وأبركها " كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد " وهو كتاب نقى المشرب صافى المنبع إشتمل على مسائل مهمة فى العقيدة التى تحتاج إليها الأمة اليوم أكثر من أمس . كما بيّن النبى صلى الله عليه وسلم حين قال : لا تزال الأمة تنتكب هذا الصراط حتى تقوم الساعة يوم تقوم وليس فى الأرض من يقول الله .

فما من زمان إلا وتبتعد الأمة عن هذا الصراط المستقيم ، فيجب علينا أن نغار على توحيد الله ونعتنى بالدلالة على هذه الرسالة التى قام بها أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم ومن سار على نهجهم من العلماء والصالحين
وقد توفى الشيخ رحمه الله بالدِرعية عام 1206 هـ أى عاش نحو 91 عاماً رحمه الله تعالى .

كلمـة ووقفـة لابُـد منهـا
هناك بعض الدعاوى الساقطة التى تجعل من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوة مستقلة وحركة يسمونها بالحركة الوهابية ، وهذا الكلام فيه إهانة عظيمة ليس لمحمد بن عبد الوهاب فالمسألة ليس إرتباط بشخص ، فنحن ضد الإرتباط بشخص ليس من باب الطعـن فى أحـد ولكن من باب ما تأصّـل عندنا من أصول ديننا وثوابت عقائدية وأن الإتباع المطلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلٌ سوى روس الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ من كلامه ويُرد ، هذا تأصيل عقدى عند أهل السُنة والجماعة فلابد أن نعلم أن تسمية هذه الدعوة بـ ( حركة ) أمر مذموم لأن هذا معناه أن هذا أمر شخصى وأمر طائفى يمكن لأى أحد أن يقبله أو يرده ، وبالطبع ردك لحركة غير ردك لدين ودعوة حق ، فتسمية الدعوة الى الحق والى المسائل الشرعية الصحيحة بإسم شخص بعينه ( بغض النظر عن هذا الشخص ) يجعل هذا الكلام محل قبول من البعض ورفض من البعض وبهذا نكون دمرنا الدين ونحن لا نشعر خاصةً عندما يُذكر أنه من مناقب محمد على – قاتله الله – الذى نُصّـب من أجل تدمير الإسلام والمسلمين وأنه من مناقب إبراهيم باشا ( إبنه ) أنه قضى على الحركة الوهابية وأنه حطمها وقضى عليها ويُدرّس هذا فى بلد مسلم ويُدرسها لك مدرس مسلم وليس فى روسيا أو غيرها من بلاد الكفر والإلحاد ، ولكن المصيبة أنه يحدث فى بلد إسلامى يذكر هذا ضمن مناقبه ، فكما أنه أنشأ القناطر الخيرية وأدخل المدنية وعمل مدرسة للطب البيطرى وأنشأ العسكرية والفن قضى على الحركة الوهابية فنظن ويظن الناس أنه فعل بنا خيراً بقضائه على الدين ، هذا هو التركيب العلمى الذى ستخرج به بعد هذا الذى علموه لك فإذا حدثك أحد فى التوحيد والنذر لله والكفر بالطاغوت تقول هذا كلام قديم قضى عليه محمد على وعلى القائلين به من أصحاب الحركة الوهابية فتذدرى هذا الدين فلا يصير قال الله قال الرسول صلى الله عليه وسلم ،ولا تكون دعوة حق فهذا تلويث عقدى وفكرى ومحو للحقائق وقلب لها فأى إنسان إذا قلت له كُن تبعاً للحركة الوهابية قال لك : لا أريد أن أكون تبعاً لحركة أو جماعة .. لكن إذا قلت له كُن مسلماً إتبع منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكُن من أتباعه فلن يستطيع أن يقول لك لا أريد أن أكون مسلماً وأريد أن أكون كافراً .!!
فالشيخ رحمه الله كان يدعو الى التوحيد الخالص ولعله كان مخلصاً فى دعوته صادقاً فيها بدليل أن الله رفع ذكره وقيّـض من ينصره بالرغم من القتل والتعذيب ودحض الحركة كما يسمونها والمحاربة والإضطهاد ورغم محاربة الأشعرية والصوفية والباطنية إلا أن هذه الدعوة مستمرة بقوتها وإستمدادها لقوتها من الكتاب والسنة ، فالحاصل أن هذه الدعوة وهذا المنهج هو دعوة الى الحق ، والشيخ مجرد إنسان أراد أن يُبيّـن دين الله وأيّـده أهل الحق وناصبه العـداء أهل الباطل وقيّـض الله من ينصـره ، فلا يُقال حركة ، بل هى دعوة الى الدين الخالص مهما نُسبت الى أحد فهى ليست بإسمه وإنما العبرة بما دلت عليه من مسائل ، فالغرض إتباع الحق والبحث عن الحق الذى ندين به لله وليس لشخص أو حركة ..

سادساً : معنى كلمة عقيــدة
إن علم العقيدة من أشرف العلوم على الإطلاق ، وسـمّاه البعض ( الفقه ) وسـمّاه آخرون ( الفقه الأكبر ) وقيل ( طريق السنة ) وهناك من سـمّاه ( الحق ) لكن الإسم الذى يتعلق بالمعنى هو ( العقيـــدة ) .
العقيدة لغـةً :
من العقد وهو ضد الحَلْ ، ومنه العُقدة وهى مايكون فى المربوط غير محلول ، وأصله فى لسان العرب من العُقدة ، وكما نقول ( عقد بيع ) ، ( عقد نكاح ) ، ( عقد تمليك ) .. فهذا جمع بين متفرقات ، فالجمع بين بضاعة وثمن يسمى ( عقد بيع ) ، الجمع بين الرجل والمرأة بالزواج يسمى ( عقد نكاح ) .. إلخ

فالعقيدة من المعنى اللغوى كأن القلب عُقد على شئٍ ما .
العقيدة إصـطلاحاً :
هى المعنى الذهنى الجازم . أى المعنى الذى ينجزم فى الذهن ، فهناك محل تُدرك به المعانى ، وهناك محل تُدرك به الحواس ، فالأمور تنقسم الى قسمين لا ثالث لهما :
1) معنى : وهذا يُدرك بالذهن ( مثل الحب / الخوف / الرجاء... )
2) مادة : وهذه تُدرك بالحـواس ( مادة مثل الخشب/ الهواء / الحديد ...)

فالخشب عند تعريفه نتحدث عن مادة أم معنى ؟ عن مادة ، والهواء مادة أيضاً .. ولكن عندما أتحدث عن الحب والخوف والرجاء : هنا أتحدث عن معنى ، ولو تذوقت شيئاً حلواً أو مُراً : ما الشئ الذى أُدرك به حلاوة الشئ أو مرارته ؟ هذا الشئ هو اللسان ، وإذا أردت معرفة هذا الشئ هل هو حار أم بارد أستطيع أن أدرك هذا باللمس أى بالإحساس ، فهذه مادة ، وكل المواد لها أداة تُدرك بها وهى الحواس .

إذاً : كيف ندرك المعانى ؟ نستطيع إدراكها بالذهن ، فالذهن هو الأداة التى تُدرك بها المعانى ، فلمّا أقول : إنجزم عندى أن هذا الشئ صحيح أو خطأ : فهذا أدركته بالذهن ، وكذلك ينجزم فى الذهن أن هذا خير أو هذا شر ، ينجزم فى ذهنى أن هذا حُب أو هذا كُره ، فالمعانى تُدرك بالذهن ، فلمّا يدرك الذهن معنى ما وينجزم فيه سُمى ( عقيدة ) فأى معنى تأكدت منه يقيناً لا ريب فيه فهو عقيدة ،ولكن ليس كل معنى ذهنى يسمى عقيدة ، فهناك مظنونات ومرجوحات وإحتمالات ، وكلها معانى ..

مثلاً : عندما يُقال هل تعتقد أن فلاناً صادقاً ؟ فتقول : لا أعتقد ذلك . فهذا ليس معناه أنك تعتقد أنه كاذب لكن لمّا لم ينجزم فى الذهن معنى صِدقه فلم يصير كذلك عندك عقيدة .

وكذلك إذا سألتك هل فلان يحبك ؟ فتقول : لا أستطيع أن أقول نعم ولا أستطيع أن أقول لا ، فأنت لم ينعقد عندك إنعقاد جازم .. فلابد أن يكون المعنى الذى إنجزم فى الذهن جازماً لكى يكون ويصير ( عقيدة ) .
الخـــلاصــــة :
المعنى الذهنى الجازم هو العقيدة ، فإن وافق صواباً : صار عقيدة صحيحة ، وإن وافق خطأ : كان عقيدة فاسدة فلمّا يُقال عقيدة إسلامية يعنى هذا معنى ذهنى جازم خاص بالمعانى الإسلامية والشرعية وليس مادة ذهنية لأن العقيدة معنى يُدرك بالذهن وليس مادة تُلمس .. وقد ذكرنا أن المحل الذى تُدرك به المعانى هو الذهن لذلك قلنا ( ذهنى ) ، وقولنا ( جازم ) أى لاريب فيه ولا تردد ولا شك ولا إحتمال .

العقيدة شرعاً :
هى جملة المعانى الشرعية التى ينبغى أن تنعقد فى ذهن المسلم فيما يتعلق بشأن الله عز وجل والكتب والرسل واليوم الآخر والملائكة والجنة والنار... إلخ ومعيار الصواب والخطأ بالنسبة للعقيدة الإسلامية هو : الكتاب والسنة وإجماع الأمة .

مسألة : هل العقيدة هى التوحيد ؟
إعلمى أن : عندما يُطلق لفظ العقيدة يُقصد به التوحيد ، وعندما يُطلق لفظ التوحيد يُراد به جملة المعانى الشرعية المتعلقة بالله وحده ، وهذا جزء من العقيدة . فالعقيدة تشمل شأن الله عز وجل وغير ذلك .
فالعقيدة والتوحيد بينهما عموم وخصوص فالعقيدة أعم من التوحيد والتوحيد أخص من العقيدة ، فالتوحيد : هو إفراد الله عز وجل بما يختص به ويجب له ، وتدور مباحثه حول شأن الله وحده [ ربوبية – ألوهية – أسماء وصفات ] .
أما العقيدة : فهى تختص بالكلام عن ذات الله من حيث ما يتصف به وما يتنزه عنه ومن حيث ما يجب له ، والكلام على ذات الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث ما يتصف به وما يتنزه عنه ومن حيث مايجب له ، والسمعيات هى الأخبار التى لا نعرفها إلا عن طريق السمع كذكر الملائكة والجنة والنار.


قوله : بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً : معناها : أى أبدأ فى جميع حركاتى وسكناتى وأقوالى وأعمالى وفى شأنى كله .
أبدأ هذا التصنيف بإسم الله مُتبركاً مستعيناً به طالباً العون على فعل طاعته وترك معصيته ، كما قال تعالى معلماً لنا فى فاتحة الكتاب { إيّـاك نعبدُ وإيّـاك نستعين } ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عباس رضى الله عنهما :" إذا سألت فأسأل الله ، وإذا إستعنت فأستعن بالله " . وهو خطاب شامل لجميع الأمة وفى ضمن ذلك الأمر الواقع فى جواب الشرط نهى عن الإستعانة بغير الله عز وجل لأنه لا خالق للعباد وأفعالهم غيره تعالى ، فإذا كان المخلوق لا يقدر على فِعْـل نفسه إلا بما أقدره الله تعالى عليه فكيف يجوز أن يطلب الإعانة منه على فِعْل غيره !!
بـ إســـم :
وهى عبارة عن ( حرف الباء ) و( إسـم ) أسقطوا الألف طلباً للخفة فصارت ( بسم ) وأما الباء فهى أداة تخفض ما بعدها ، وهى متعلقة بمحذوف قدّره الكوفيون فعلاً مُقدماً والتقدير ( أبدأ بسم الله ) ، وقدّره البصريون إسماً مُقدماً والتقدير ( إبتدائى كائناً أو مستقراً بإسم الله ) .قال ابن كثير : القولان متقاربان وكلاً قد ورد فى القرآن وكلاهما صحيح .
والمتعلق هنا إما أن يكون مذكور أو محذوف ( غير مذكور ) وإما أن يكون إسم أو فعل وإما أن يكون متقدم أو متأخر ولا يخرج عن هذه الست حالات
مذكور إسـم مُقـدم
(1) (2) (3)
محذوف فعـل متأخـر

• مذكور : أى ذُكر فى الكلام ، مثل : أكتب بإسم الله ( المتعلق ذُكر وهو أكتب )
• غير مذكور : أى حُذف من الكلام ، مثل : بسم الله ( المتعلق محذوف )
• مُـقدّم : أى جاء قبل التسـمية ، مثل : أكتب بإسم الله
• متأخر : أى جاء بعد التسمية ، مثل : بسم الله أكتب
• فعل : أى : يكون المتعلق فعل ، مثل : أكتب بسم الله ( المتعلق فِعْل وهو : أكتب )
• إسم : أى : يكون المتعلق إسم ، مثل : كتابى بسم الله ( المتعلق إسم وهو : كتابى )
• متعلق : أى الغرض الذى جعل الجاعل إسم الله مبتدأ له ، أو الأمر الذى إستعان بسم الله له .
وقد إختار كثير من المتأخرين كونه ( فعلاً خاصاً متأخراً ) وذلك لأن الأصل فى الأعمال الأفعال ، مثل : أكتب – أبدأ – أقرأ – أشرب ...إلخ
• وكونه خاصــاً : لأنه محذوف أضمره فى نفسه فهو قدّم بسم الله ولم يذكر متعلقاً ، ولو ذكره لعرفناه ، فلمّا أضمره صار خاصاً ينتوى به شئ فى نفسه ، ولأن لكتابه فيه نيّـة خاصة أضمرها ، ولأن الخاص أدل على المقصود من العام .

• وأما كونه متأخــراً : لأن التأخير أفضل ولأنه جاء بعد البسملة ، فالبسملة متقدمة ولا شئ يسبقها هنا .

سؤال : هل الإضمار أفضل أم الذكر ؟ ولماذا ؟
قال : الإجابة : الإضمار أفضل لأن الإضمار يعطى معنى أوسع من المذكور ، ولأن الإثبات والذكر يقتضى الحصـر ، فكان الحذف أفضل ، فهو أراد معانٍ كثيرة لا يستطيع أن يذكرها كلها فحذف المتعلق وأنتوى نية خاصة .. كما أن ذكر المتعلق فيه ركاكة فى الأسلوب وتطويل بلا داع .

قال ابن القيم رداً على هذا السؤال : لحذف العامل فوائد ، منها :
1) أنه موطن لا ينبغى أن يتقدم فيه غير ذكر الله
2) أن الفعل إذا حُذف صح الإبتداء بالبسملة فى كل عمل وقول وحركة ، فكان الحذف أعم من الذكر . فأى فعل ذكرته كان المحذوف أعم منه .
كما أن هناك قاعدة أن الحذف يقتضى تعدد الوجوه ، والإثبات يقتضى حصر الوجوه ، بمعنى : إذا قلت بسم الله دون ذكر المتعلق وإضماره فى نفسك : هذا الإضمار يجعل المتعلق واسع ، فكأنك لا تتنفس إلا بسم الله ولا تتحرك إلا بسم الله ولا تكتب إلا بسم الله .. إلخ فأصبح الحذف أعم ولم يصر فعل أولى بها من فعل ، فالحذف سبيل الى إتساع المعانى المتعلقة بمعنى أنه يُطلق العنان للتعلق .

إشـكال وإعـتراض :
قلتم أن حذف العامل أوْلى : فلماذا جاء فى بعض مواطن القرآن مذكوراً سواء متقدم أو متأخر كما فى قوله تعالى { إقرأ بسم ربك ..} العلق 1 ؟ العامل هنا ( إقرأ ) وهو مذكور ومتقدم ومثبت ، كما أنه فى قوله تعالى { بسم الله مجراها ومرساها } هود 41 : العامل هنا مذكور مثبت ومتأخر .
الإجابة : لأنه فى قوله تعالى { إقرأ بسم ربك الذى خلق } فيه إثبات مطلق الإيجاد لله عز وجل من عدم ، وفى نفس الوقت القضية متعلقة بشئ محدد وهو القراءة .. إقرأ ..ِ ما أنا بقارئ .. إقرأ بسم ربك ، أى : إفعل هذا الأمر الذى تعجز عنه بسم ربك فكان لابد من تسمية هذا الشئ الذى يعجز عنه ، فكان الذكر هنا أوْلى من الحذف ، ولأن المقام يقتضى ذلك كما بـيّنـا ، فهنا وبعد أن أبرز الأمر بالقراءة فقال إقرأ : أبرز صفة من صفات الله وهى ( الخَـلْـق ) فكانت القراءة فى هذا الموطن خَلْـق جديد للأمى الذى لا يقرأ فكان لابد من تسمية هذا الخلق الجديد فذكره ..

وكذلك فى سير السفينة التى لا تعرف مستقراً ولا مكاناً ولا تعرف الى أين تتجه ، فهى فى وسط البحر لا ترى يابساً تتجه إليه فجعل الله سبحانه وتعالى مستقرها ومرساها بسم الله ، فالمتعلق هنا هو وقوع المعجزة من حيث مسارها ووصولها وحولهما دار سؤال المؤمن فكان الجواب بالأمن والطمأنينة لهم بأن الله هو الذى يرعى السفينة فكان أيضاً ذكر العامل أنفع وأقوى وأوْلى فى هذا المقام . ففى الموطن الأول كان هناك علاقة بين القراءة والخلق فكان لابد من ذكر العامل ، وفى الثانية جواب لتساؤلات حائرة لذا لزم الذكر ..

سؤال : هل التقديم أفضل أم التأخـير ؟
الإجابة : التأخير أفضل ، لعدة أمور منها :
1) لدلالته على الإختصاص بمعنى يختص ما إبتدأ به ( بسم الله ) من أجله ، مثال : بسم الله أكتب : فهو خاص لما جعل بسم الله مبدأ له .
2) أدخل فى التعظيم : لأن البدء بسم الله أعظم ( لأنه جعل ذكر الله لا يسبقه شئ )
3) أوفق للوجود : لأن وجودها أفضل من عدمه لما فيها من البركة ولأن إسم الله إذا ذُكر أُريد به كل الخير والنماء والبركة .
4) ولأن أهم ما يُبدأ به هو ذكر الله سبحانه وتعالى ، وهذا أيضاً من حُسن الأدب ، لهذا كان جَعْل المتعلق متأخراً أفضل من تقدمه .

ثانياً : وضعهـا :
الإبتداء بالبسملة حقيقى حيث لا شئ يسبقها ، ولأنها مقدمة على الحمد ، فلذا كان البدء بالبسملة حقيقى ، وأما البدء بالحمدلة فهو نسبى إضافى أى بالنسبة الى ما بعد الحمد يكون مبدوءاً به فالتالى للحمدلة : كتاب التوحيد ، فهى بالنسبة لما بعدها مبدوءاً بها ولكنه ليس بدء حقيقى لأن البسملة سبقتها .

ثالثاً : حُـكمهــا :
إن البدء بالبسملة يأخذ حُكماً بحسب ما جُعلت له إبتداءً ، والبدء بالبسملة مندوب على العموم إلا إذا دلّ الدليل على وجوبها ، أى إلا إذا جاء صارف يصرفها من الندب الى غير ذلك . فمثلاً فى الوضوء : الصحيح أن البسملة واجبة عند إبتدائه ، وكذلك على الصحيح التسمية شرط فى الذبيحة وفى الصيد ، ولا تسقط بالنسيان والجهل وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – بمعنى إذا لم يُسـمِ الذابح أو الذى يرسل سهمه : كانت الذبيحة أو الصيد مُحرم لا يحل أكله ، وفى مسألتنا هذه والله أعلم أن البدء بالبسملة ( مسـتحب ) .

رابعاً : الحكمة من البدء بالبسملة :
ذكر الشارح أنه إبتدأ بالبسملة إقتداءً بالكتاب العزيز وعملاً بحديث ( كل أمرٍ ذى بال لا نبدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع ) أخرجه ابن حبان من طريقين ، قال ابن الصلاح والحديث حسن ، ولأبى داود وابن ماجه (كل أمرٍ ذى بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع ) ، ولأحمد ( كل أمرٍ ذى بال لا يُفتتح بذكر الله فهو أبتر أو أقطع ) ، وللدارقطنى عن أبى هريرة مرفوعاً ( كل أمرٍ ذى بال لا يُبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع ) ، وهُنا يُعقِّـب على الشارح بأن الشيخ لم يقصد الى ذلك لضعف هذه الروايات وأن ضعفها إما بسبب الإضطراب فى ألفاظها أو بسبب الإرسال فى بعض أسـانيدها أو بسبب مقالات قيلت فى بعض رواتها كما بيّـن ذلك الحفّاظ من السلف والخلف .
إذاً نحن بصدد قضيتين :
(1) القضية الأولى : ثبوت هذه النصوص ، وقد عرفت ما فيها وأنها ضعيفة .
(2) القضية الثانية : ثبوت البدء بالبسملة : بمعنى هل كون هذه الأحاديث ضعيفة يجعل البدء بالبسملة غير صحيح ؟
الإجابة : الحقيقة أن ضعف النصوص لا يعنى ثبوت المسألة من عدمه لأنه قد يأت دليل على المسألة فى مواطن أخرى يدل على مشروعية البدء بالبسملة ، ومن ذلك :
(1) الإقتداء بالكتاب العزيز
(2) الإستقراء وتتبع الأحكام : وردت نصوص عيديدة فى مختلف النواحى الشرعية والتعبدية فيها البدء بالبسملة مثل الطعام والشراب للحديث " ياغلام سمِّ الله وكُل بيمينك " ، وكذلك عند إتيان الرجل أهله ، وعند الوضوء ، وغيرها من الأمور الشرعية الثابت فيها البدء بالبسملة .
(3) فِعْله صلى الله عليه وسلم ( التأسى بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ) ثبت عنه ذلك فى حديث هرقل ( فى البخارى ) وفى قصة سُهيل بن عمرو ( فى صلح الحديبية ) وغير ذلك .
(4) فِعْل الأنبياء عليهم السلام : أرسل سُليمان عليه السلام رسالته الى بلقيس قائلاً ( إنه من سُليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم ) ، ونوح عليه السلام لمّا قال ( وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها ) .
(5) مراعاة قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تُقدموا بين يدى الله ورسوله } الحجرات ، فلا يُقدم على كلام الله ورسوله شئ من كلام البشر .
(6) كان الصحابة رضى الله عنهم يفتتحون كتابة الإمام الكبير بالتسمية ويتبعوها بالحمد وتبعهم جميع من كتب المصحف بعدهم فى جميع الأمصار .

وبهذا كله يتضح مشروعية البدء بالبسملة .

سؤال : لماذا قدمنا الإستقراء على فِعْـل الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
الإجابة : لأن الإستقراء يتضمن قوله وفِعله صلى الله عليه وسلم ،ودلالة القول أقوى من دلالة الفعل .

سؤال : هل يمكننا القول بسم الرحمن أو بسم فاطر السماوات والأرض أو بحول الله بدلاً من بسم الله ؟ أى : هل يقوم هذا مقام بسم الله ؟
الإجابة : قال بعض أهل العلم يقوم مقام بسم الله إذا أضاف الإسم الى ما لا يصح إلا لله فهو كما لو إضافه الى لفظ الجلالة ، ولا فرق لأنه يصدق أنه ذكر إسم الله ، ولو قال بسم الرؤوف الرحيم لا يُجزئ هذا لأن هذا الوصف يصدق لغير الله ، قال تعالى فى وصف النبى صلى الله عليه وسلم { بالمؤمنين رؤوف رحيم } التوبة 182 ، ولو قال بإسمك اللهم يجزئ .
وقال البعض ( مثل الحنابلة والشافعية ) يتعين بسم الله لا يقوم غيرها مقامها .

والأخير هو الصحيح لأن بسم الله توقيفية ، ولأننا أُمرنا بإتباع الشرع وما ورد به من مسميات مع التقيد بها ، ولأن لفظ الجلالة ( الله ) هو لفظ جامع لكل الأسماء والصفات ، وكل الأسماء والصفات تابعة له والدليل على ذلك أنها تأتى دائماً بعد لفظ الجلالة ( الله ) ، ولأن لفظ الجلالة هو الإسم الذى لا يشركه فيه أحد .

ونقول بسم وليس بحول أو بصفة الله لأن كل إسم صفة وليست كل صفة إسم فتكون هذه الكلمة ( بسم ) هى الجامعة أيضاً لكل الأسماء والصفات والله تعالى أعلم .

بســم : عرفنا أنها عبارة عن حرف الباء وكلمة إسم .
• الباء : قيل أنها للمصاحبة وقيل للإستعانة ، وتصح أن تكون بالمعنيين فتكون : أستصحب إسم الله حال كونى مستعيناً بالله فى كتابتى .
مثال : عندما أقول آكل بيدى : هنا الباء للمصاحبة .
وآكل بحول الله : هنا الباء للإستعانة أى أستمداد العون .
• إسـم : ألحقت الباء بها وأُسقطت الهمزة للتخفيف فصارت بسم ، والإسم مشتق قيل من السمو وهو العُلو فمن سمى نُـوِّه بإسمه وصار له مكانة ، فهذا معنى السمو وليس أنك علوت ، ولكن العلو الحادث أنه صار له شأن أى ذكر وإثبات ، وعندما يكون الإنسان بلا إسم صار بلا ذكر ولا إثابت وكان ذلك تحقيراً له وإنزال من شأنه . قال الليث : سما الشئ يسموا سمواً ، وإرتفاعه ، ويُقال للحسيب قد سما ، وإذا رفعت بصرك الى شئ قلنا سما إليه بصرى .

وقيل أنه من الوسـم أى العلامة ، ومنه الوشـم ، والوسم والوشم لغتان صحيحتان ، والوشم هو دق علامة فى الجسد أو الوجه بغرز إبرة ثم حشـو ذلك بالكحل ، وقد قال الرسـول صلى الله عليه وسلم " لعن الله الواشمة والمستوشمة " والواشمة : هى التى تضع علامات يشتبه على الرائى أنها من خلقة الموشوم لها ، والمستوشمة : هى الطالبة أن يُفعل فى جسدها تلك العلامات ، ومنه وضع العلامات على الإبل والبهائم ونحوها لتعليمها وتمييزها فيُقال : وسمت الجمل ليُعرف بهذه السمة التى وضعت عليه . وقال تعالى { تعرفهم بسيماهم } أى العلامة ، وهو من الوسم . وكون الإسم من الوسم ذلك لأن الإسم يُعلّم صاحبه فإذا تواجد مجموعة من الأفراد فإنك تميز كل واحد من الآخر بإسمه .

قال الليث : الوسم والوسمةُ شجرة ورقها خِضـاب ، وقال أيضاً : الوسم أيضاً أثر كيّـة تقول بعير موسومة أى قد وسم بسمة يُعرف بها إما كيّـة أو قطع فى أذنه تكون علامة له .

والمبسم : المكواة أو الشئ الذى يُوسم به الدواب ، قال تعالى { سنسمه على الخرطوم } فإن فلاناً الموسوم بالخير أو بالشر أى : علامة الخير أو الشر ، وأن فلانة لذات مبسم ومبسمها : أثر الجمال والـعنق .
وقال أبو عبيد : الوسامة والمبسم : الحُسـن ، وقال ابن الأعرابى : والوسيم الثابت الحسن كأنه وُسِـمَ ، قال الليث : موسم الحج سمى موسماً لأنه مَعْـلمٌ يُجتمع إليه .

يقول الحافظ الحكمى فى معارج القبول : الإسم هو المسمى وعينه وذاته فإنك تقول : يا الله يارحمن يارحيم ، فتدعوه بإسمائه التى سمى بها نفسه كما قال تعالى { ولله الأسماء الحسنى فأدعوه بها } ، وقال تعالى { قل إدعوا الله أو إدعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحُسـنى } .

وقد يكون الإسم على غير المسمى فى حق المخلوقين لقوله تعالى { ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها } أى ليس دالة على مسماها أو ليس لها مسمى ، وكذلك قوله تعالى { وجعلوا لله شركاء قل سموهم } فالمراد هنا ليس ذِكر أساميها نحو اللات والعُزى ونحوها من الأصنام وإنما المعنى : إظهار تحقق ما تدعونه إلهاً وبيان حقيقتها وهل يتحقق معنى هذه الأسماء فيها أم لا ؟ فإن الإسم إذا دلّ على المسمى ( كإله ) فإنه يكون حقاً مستحق لأن يُعبد ، ولذلك لاتجد هنا مستحق إلا فى حق الله سبحانه وتعالى وحده فكان الإسم دال على الذات ، قال تعالى { هل تعلم له سـمياً } أى نظيراً له يستحق إسمه ، وموصوفاً يستحق صفته على التحقيق ، وليس المراد هل تجد من يتسمى بإسمه ، فالمراد أن إسم الله وحده هو المستحق للعبادة على الحقيقة ، ويدل على ذاته العُليا ، ومادونه فهى مجرد أسماء فقط لا تدل على مسماها ولا تستحق العبادة .

سؤال : هل أسماء الله وصفاته هى هو أم غيره ؟
الإجابة : نعم أسماء الله وصفاته هى هو ، وإلا لو كانت أسماء الله غيره لكانت دعوة للإشراك ولكان الداعى بها مشركاً ولكانت مخلوقة إذ كل ما سوى الله مخلوق ، فإن الأسماء كلها دالة على الله سبحانه ولا يُتصور أن كل إسمٍ من الأسماء الحسنى دالة على ذاتٍ أخرى غير الله سبحانه وتعالى عُلواً كبيراً إذ أنه من المعلوم أن تعدد الصفات لا يقتضى تعدد الموصوف : والدليل على ذلك قوله تعالى { قل إدعوا الله أو إدعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } وقال تعالى { ولله الأسماء الحسنى فأدعوه بها } وقال تعالى { الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } وقال تعالى { هو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ..} وغير ذلك

سؤال : هل يمكن أن نقول بسم الرحمن أو بصفة الله أو بحول الله دلاً من بسم الله ؟ ولماذا ؟
بمعنى آخر : هل يقوم هذا مقام بسم الله ؟
الإجابة : قال بعض أهل العلم : يقوم إذا أضاف الإسم الى ما لا يصح إلا لله فهو كما لو أضافه الى لفظ الجلالة ، ولا فرق لأنه يصدق أنه ذكر إسم الله ، ولو قال بسم الرؤوف الرحيم لا يجزئ لأن هذا الوصف يصدق لغير الله ، قال تعالى فى وصف النبى صلى الله عليه وسلم { بالمؤمنين رؤوف رحيم } وعن الحنابلة والشافعية : يتعين بسم الله لا يقوم غيرها مقامها ، ومذهب الحنفية والمالكية أن المراد بالتسمية ذكر الله من حيث هو لا خصوص بسم الله فلو قال بسم الله الرحمن أو الرحيم أجزأ .

والراجح والله أعلم أن ( بسم الله ) لا يقوم مقامها غيرها ، ذلك لأنها توقيفية ، ولأننا علمناها من القرآن وبدايات السور ، وفى خطابات النبى صلى الله عليه وسلم ،وغير ذلك مما أوضحنا آنفاً ، كما أن لفظ الجلالة ( الله ) هو لفظ جامع لكل الأسماء والصفات ، ولا يأتى أبداً متبوعاً بل كل الأسماء والصفات تأتى تابعة له ، ولأن لفظ الجلالة هو اللفظ الذى لا يشركه فيه أحد .
أما بالنسبة لكلمة ( بسـم ) فهى أيضاً جامعة لكل الصفات لأن كل إسم صفة وليست كل صفة إسم ، فكانت بسم الله لا يقوم مقامها غيرها .. والله أعلى وأعلم ..

أســــئـلة
---------
1. ما معنى المجيد ؟ ولماذا سُـمى الكتاب بفتح المجيـد ؟
2. من هو مؤلف الكتاب ؟
3. كتاب فتح المجيد عبارة عن كتابين : فما هما ؟ وبِـمَ يختصـا ؟
4. ما الفرق بين العقيدة والتوحيد ؟ وما معنى عقيدة ؟
5. ماهى الحركة الوهابية ؟ وهل هذه التسمية صحيحة ؟ ولماذا أُطلق عليها هذا الإسم ؟
6. ما الذى إختاره العلماء بالنسبة للمتعلق ؟
7. ما معنى ( بسم الله ) ؟
8. قال تعالى { إقرأ بسم ربك الذى خلق } أذكرى المتعلق هنا . وهل جاء كما إختاره العلماء ؟
9. هل البـدء بالبسملة مشـروع ؟ وما الدليل ؟
10. ما معنى إســم ؟






لفــظ الجــلالة : الله
هو عَـلـَـم على الذات العالية لا يُسمى بها غيره ، هو الإسم الجامع لكل الأسماء والصفات ، هو الإسم الأعظم كل الأسماء الحُسـنى تُضاف إليه ولا يُضاف هو الى أى منها .

يقول الشيخ بن عثيمين – رحمه الله تعالى – وهو مشتق من إله ولكن حُذفت الهمزة وعوض عنها بـ ( أل ) فصارت ( الله ) ، وقيل : بل إنه مشتق من ( الأله ) وأن ( أل ) موجودة فى بناءه من الأصل وحذفت الهمزة للتخفيف كما حذفت من ( الناس ) وأصلها ( الأُناس) وكما حذفت من ( خير وشر ) وأصلها ( أخير وأشر ) .

وقال الأصفهانى فى المفردات فى غريب القرآن : الله أصله ( إله ) حذفت همزته وأدخل عليه الألف واللام فخصّ بالبارى تعالى ولتخصصه به قال تعالى { هل تعلم له سمياً } مريم 65 ، وجعلوا ( إله ) إسماً لكل معبود لهم ، وسموا الشمس ( آلهة ) لإتخاذهم إياها معبوداً ، و( إله ) حقه ألا يُجمع إذ لا معبود سواه ولكن العرب لإعتقادهم أن هناك آلهة أخرى جمعوا هذا اللفظ فقالوا ( آلهة ) .

قال ابن القيم : والقول الصحيح أن ( الله ) أصله ( الأله ) كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شـذّ منهم ، وأن إسم الله تعالى هو الجامع لجميع معانى الأسماء الحسنى والصفات العُلا .

وقال الكسائى والفراء : اصله ( الإلـه ) حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى فى الثانية ، وعلى هذا فالصحيح أنه مشتق من ( أله الرجل ) إذا تعبّـد كما قرأ بن عباس ({ ويذرك وإلهتك } – الأعراف 127 - أى عبادتك .. وأصله ( الإلـه ) أى : المعبود .

قال العلامة ابن القيم : الصحيح أنه مشتق
هذا خلاف بين اللغويين هل إسم الله مشتق أم غير مشتق ؟
ذهب ابن القيم الى أن له أصل أى أنه مشتق من لفظة جاء منها هذا الإسم ، وأصل المادة التى اشتق منها هو ( الإلـه ) كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذّ منهم ..
والذين قالوا بالإشتقاق إختلفوا فى معنى الإله من جهة اللغة وكلها إجتهادات منهم :
- منهم من قال أصله ( الـوَلَـهْ ) .
- ومنهم من قال ( التألـُّـه ) والحُسن والتملُك الى غير ذلك .
فهم قالوا : الأسماء ترجع الى صفات وكذلك إسم الله لابد أن يكون عائد الى صفة من صفات الله وهو الألوهية كسائر أسمائه الحسنى فقالوا : العليم مشتق من العلم ، والقدير من القدرة ، والسميع من السمع ، والبصير من البصر ... وهكذا .. لأ وأهل التأويل يقولون سميع بلا سمع ، وعليم بلا علم ، فنحن نمررها كما جاءت وهذا مذهب باطل من مذاهب الذين تكلموا فى الصفات ] .
والصحيح : أن كل إسم من أسماء الله عز وجل مشتق من صفة عدا إسم الله فهو جامع لكل الأسماء والصفات . والدليل على هذا :
1) أن الله سبحانه وتعالى يُضيف سائر الأسماء الحسنى الى هذا الإسم العظيم كقوله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى ) .
2) يُقال الرحمن والرحيم والقدوس والسلام من أسماء الله ، ولا يُقال : الله من أسماء الرحمن ، ولا من إسم العزيز ونحو ذلك .
3) إسم الله دال على جميع معانى الأسماء الحسنى بالإجمال وكل الأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التى اشتـُق منها إسم الله .
4) إسم الله دال على كونه مألوهاً معبوداً ، وذلك مستلزم كمال ربوبيته وكمال ألوهيته ومُلكه ، وهذا مستلزم لجميع صفات كماله إذ يستحيل ثبوت ذلك .

أما من قال بعدم الإشتقاق قالوا : لو قلنا أنها مشتقة سنعنى بذلك أنها حادثة لأن المشتق سبقه مصدر والمشتق مولود وبينه وبين المصدر توالد فمنعهم ذلك من إعتبارها مشتقة .

ردّ الذين قالوا بالإشتقاق عليهم فقالوا : الإشتقاق توالد وأسبقية معنوية فى اللغة وليس حقيقياً ، ذلك لأن الإشتقاق يعنى إرجاع اللفظ لمعنى حقيقى وقع عند من وضعوا له الألفاظ وليس من باب التوالد والفارق الزمنى ، والإشتقاق أفضل من حيث المعنى لأن الإشتقاق يعنى أن اللفظ ليس أحرفاً فارغة من معناها بل أن اللفظ عندما يكون له أصل فهذا يعنى أن له معنى فى اللغة . فهم يقولون أن الأسماء ليست مجرد أسماء بل هى دالة على صفات ترجع الى معانى ، فهم بذلك أرادوا ألا يُفـرّغوا الأسماء من معانيها وقالوا أن هذا لا يقتضى التوالد الزمنى بل هذا مجرد إثبات للمعنى الأصلى الذى يرجع إليه الإسم أو الفعل .

والذين قالوا بعدم الإشتقاق فرّغوا الأسماء وجردوها من معانيها وقالوا : هى كما جاءت وبالتالى ضيعوا قضية شرعية هامة وهى أن الله عز وجل ما اختار هذه الألفاظ إلا لتدل على المعانى التى اختيرت هذه الألفاظ من أجلها وإلا لو شاء لقال : له أسماء لا تعرفون لها معنى .. لكنه قال : هو السميع البصير ، فلابد من حملها على معناها الحقيقى وهو السمع والبصر لأنها تحمل هذا المعنى ، وبالتالى من ذهب الى عدم الإشتقاق قد عطـّـل جميع الصفات .

هذا الخلاف من الناحية اللغوية لكن البعض إعتمد على هذه المفاضلة فى الناحية الشرعية فوقعوا فى تعطيل الصفات ، وهناك من أثبت الصفة ولكن أثبت لها معنى غير المعنى المتفق فى لفظها فأعطوا لها معان غير التى تحملها فجعلوا لها ظاهر وباطن ، وزعموا أن النبى صلى الله عليه وسلم عَلِـمَ معانى هذه الألفاظ ولم يُبينها للأمة حتى تجتهد فى الوصول الى الحق بنفسها ( قال بهذا أهل التحريف من نُفـاة الصفات ) .

الرد عليهم :
أولاً : هل عجز الرحمن عن البيان ، أو عجز نبيه صلى الله عليه وسلم الذى أُوتى مجامع الكلم حتى تقولوا لابد من العقل ليبين لهم الألفاظ الشرعية .
ثانياً : أنتم تطعنون فى أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يُبلّـغ كل ما أمره الله به ، وتُكذّبوا قول الله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم } المائدة .


قوله : فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب وهى قديمة ..
والمقصود بقديمة : أى أزلية قِدم الذات وأزلية الذات ، والله سبحانه وتعالى أول بلا إبتداء : أى لم يسبقه سابق ، وآخر : أى لا يتبعه تابع ولا يكون بعده أحد ، فلكونه أول كان قديم ، والبعض يُطلق لفظ ( أزلى ) وهى أفضل لأنها تعنى مُطلق لا إبتداء له ولأنه لا يعلم شأن الله إلا الله ، فنحن نؤمن أن ذات الله أزلية ( وهذا خلاف أهل البدع فى الصفات الذين قالوا إن من الصفات ما لحق بالله بعد إذ لم يكُ ) فأعلم أن صفات الله عز وجل قِدمها قِدم ذاته سبحانه وتعالى .

قوله : ونحن لا نعنى بالإشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها فى اللفظ والمعنى ..
معنى الإشتقاق أنها تتلاقى مع مصدرها فى المعنى واللفظ : أى راجعة الى معنى ..والتركيب اللفظى ( الله ) راجع الى أصل فى اللغة حتى وإن كان هو قديم من باب الرجوع الى معناه .

• الذين قالوا بعدم الإشتقاق قالوا : إن اللفظ المشتق لفظ لم يك موجوداً أصلاً ، وأصله موجود وفرعه يتولد ، والأصل أن الله سبحانه وتعالى هو الله فى السماوات والأرض ، وهو الله من قبل أن يكون هناك لغة وقبل أن يكون هناك لسان ، فكيف يكون مشتق ؟ هذا سر الخلاف ، فكيف نقول أن لفظ ( الله ) مشتق ( ومعنى مشتق أنه لم يك موجود )
• والقائلين بالإشتقاق يقولون : أننا نقول بالإشتقاق من الناحية النظرية وليس من الناحية الحقيقية ، أى يرجع الى أصل فى اللغة وأنها دالة على معانى ، هذه المعانى دالة على صفات . وهم قد ساروا على المنظومة وأنتظموا عليها والتى تقول أن كل إسم من أسماء الله عز وجل راجعة الى صفة من صفاته .

قوله : وتسمية النُحـاة للمصدر والمشتق منه أصلاً وفرعاً ليس معناه أن أحدهما متولد من الآخر وإنما هو بإعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة ..

لم يك معنى كلامهم أن هذا قديم وهذا حديث ، بل أن النُحـاة أنفسهم لمّا اصطلحوا علىهذه التسمية ( المصدر والمشتق ) ليس على أن المصدر أسبق من المشتق تاريخياً أو وجوداً وإنما معناه المعنى أو المعنى الداخل أو الخارج منه فأصطلحوا على تسمية هذه الألفاظ بإعتبار ( المعنى الأصلى والمعنى الداخل والخارج ) ( بالمصدر والمشتق ) فهذا ليس على سبيل التولد وإنما على سبيل المعنى والمعنى الداخل فيه والتضمن ليس له علاقة بأسبقية الوجود . فالأصل والفرع على سبيل الإصطلاح وليس على سبيل الحقيقة التى تقتضى التسابق الزمنى وإنما دلّ على سبيل تمييز هذا وذاك وأن الفرع يرجع الى الأصل فى المعنى وزيادة عليه ولم يقصدوا أن بينهما فارق زمنى .. مقال : السميع مشتق من السمع لأنها تضمنت السمع وزيادة وليس لأن السمع أسبق من السميع أو أن السميع تولد من السمع ، وبالتالى بينهما فارق زمنى وبالتالى يكون لفظ سميع مشتق أو حادث فكل هذا لا وجود له حتى فى أصل اللغة .


قوله : قال أبو جعفر بن جرير : الله أصله ( الإله ) أسقطت الهمزة التى هى فاء الإسم فألتقت اللام التى هى عين الإسم واللام الزائدة وهى ساكنة فأدغمت فى الأخرى فصارتا فى اللفظ لاماً واحدة مشددة .
هذا من حيث أصل الوضع : فـعـل عـ ل الـ عـ ل العَّــ ل
الــه لـ ه الْـ لَـ ه اللَّــ ه

سؤال : ما معنى لفظ ( الله ) بعد أن عرفنا أصل الوضع ؟ بمعنى : ماهى الخصائص اللفظية لإسم ( الله ) ؟ ماهو المعنى اللغوى لإسم ( الله ) ؟

الإجابة : روى عن عبد الله بن عباس قال : هو الذى يألهه كل شئ ويعبده كل خلقه ..
وعن بن عباس أيضاً قال : الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين .
فقيل أن لفظ ( الله ) مشتق من الألوهية والالوهة وغلإلاهة ، وكلها بمعنى العبادة وأن الإله هو المعبود .

سؤال : ما الدليل على أن الالوهية هى العبادة وأن الإله هو المعبود وأن له أصلاً فى فعل ويفعل ؟
الإجابة : الدليل :
(1) قول ابن عباس أن الألوهية بمعنى العبودية ، وبيّن قول ابن عباس أن ألََهَ بمعنى عَبَد وأن الالاهة مصدره .
(2) أن التألـُّـه فى كلام العرب بمعنى التعبد وإن كان له معان أخرى أيضاً .
(3) كلام رؤبة بن العجاج ، وهو التميمى السعدى أبو الجحاف أبو محمد – من الفصحاء المشهورين من مخضرمى الدولتين الأموية والعباسية ، وكان أكثر مقامه فى البصرة وأخذ عنه أعيان اللغة ، وله ديوان فى الرجز ( ومنه الأرْجُـوزَةٌ وأراجيـز ورَجَـز فلان وأرتـَجَـزَ إذا عمل ذلك أو أنشد وهو راجـز ورَجّـازٌ ورِجَّـازَةٌ ) وهو الكلام المرتب الذى لا يتقيد ببحـر من بحـور الشـعر ، وأصـل الجـز : الإضطراب والتقارب ، وسمى نحو الشعر بذلك لتقارب أجزائه وتصور زجر فى اللسان عند إنشـاؤه . وكلام النبى صلى الله عليه وسلم الذى وقع على ما يشبه الشعر هو من جنس الرجز ، ومثل ذلك :
أنا النبى لا كذب .. أنا ابن عبد المطلب
فهذا ليس شعراً لأن الله سبحانه وتعالى نفى عن نبيه صلى الله عليه وسلم الشعر ، قال تعالى { وما علمناه الشعر وما ينبغى له } يس 69 ، وقوله تعالى { وماهو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون } الحاقة 41
أنشد رؤبـة قائـلاً : للـه درّ الغانيات المُـدّة سـبّحنَ واسترجعن من تألُّهى
ومعنى البيت : أنه كان من أهل الغناء أى التسبيح أو قراءة القرآن للحديث : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " . قال أبو عبيد : كان سفيان بن عُيينة يقول : معناه ليس منا من لم يستغن به ، قال أبو عبيد : وهذا كلام جائز
فى كلام العرب . وفى الحديث : " ما أذِن الله لشئ كأذنِه لنبى أن يتغنى بالقرآن " .. أخبر عبد الملك عن الربيع عن الشافعى أنه قال : معناه تحزين القراءة وترقيقها . قال أبو العباس : الذى حصلناه من حفاظ اللغة فى الحديث السابق أنه على معنيين :
(1) على الإستغناء من الغنى ، وهو متصور.
(2) على التطرب من الغناء الصوت ممدود . قال عز وجل { لكل إمرءٍ منهم يومئذٍ شأن يُغنيه } عبس 37 يكفيه شغل نفسه عن شغل غيره .. وقوله عز وجل : { كأن لم يغنوا فيها } الأعراف 72 أى : أى لم يُقيموا فيها .
الغانيات : الغانية قال الليث هى الشابة المتزوجة التى غنيت بالزوج ، قال أبو عبيدة : الغوانى ذوات الأزواج ، قال غيره : الغانية الجارية الحسناء ذات زوج أو غيره ، سُميت كذلك لأنها غنيت بحُسنها عن الزينة .
المُـدّة : قال الليث : المَدْه يضارع المدح إلا أن المَـدْه فى نعت الجمال والهيئة ، والمدح فى كل شئ عام . وقال غيره : المدح والمده واحد أبدلت الحاء هاء .

الحاصل أن المده : أى المستحقات للمدح لحُسـنهن .
سبّـحن واسترجعن : أى تعجـبن تألـهى : أى عبادتى وطلبى الله بعملى
فيكون معنى البيت إجمالاً : أن العباد تعجبوا من عبادتى وطلبى الله بعملى ، وهذا دليل وهو الشاهد من البيت على أن العرب كانت تستخدم لفظ ( التأله ) بمعنى التعبد وذلك ما حدثنا به سفيان بن وكيع وساق السند الى ابن عباس أنه قرأ :{ ويذرك وألاهتك } قال : عبادتك ، وساق بسند آخر عن ابن عباس { ويذرك وإلاهتك } قال إنما كان فرعون يُعبد ولا يَعبد .
توضيح : الآية { ويذرك وإلهتك } فيها قراءتان :
الأولى : { ويذرك وَْآلِـهتك } أى معبودات فرعون ، فقد قيل إن فرعون كان له إله يعبده ، وقال الحسن البصرى : كان لفرعون إله يعبده فى السر ، وقال فى رواية أخرى : كان له حذائة فى عنقه معلقة لا يسجد لها . وقيل أن فرعون كان يعبد الشمس وبعض الكواكب وهذا كان معروف عند الفراعنة ، قرأ بذلك أبى بن كعب حكاه ابن جرير .

الثانية : { ويذرك وإلهتك } أى عبادتك ، وروى ذلك عن ابن عباس ومجاهد وغيره ، وهذا هو الأقوى بإعتبار أن فرعون كان يعتبر نفسه إله ويقول أنا ربكم الأعلى ، وعلى كلا الأمرين فتصريفات لفظ ( الإله ) فى اللغة وقعت على معنى العبادة وبالتالى عندما نقول : الله ذو الألوهية فهذا يعنى ذو العبودية .

قيل : أن لفظ الجلالة مشتق من ( أَلـَـه ) بمعنى ( تحـيّـر ) لأنه سبحانه تتحيّـر فى شأنه العقول والأفهام .
وقيل مشتق من ( أَلِـه ) بمعنى ( سكن إليه ) لإطمئنان القلب بذكره سبحانه وتعالى وسكون الأرواح الى معرفته .
وقيل : مشتق من ( ألـُـه ) بمعنى ألوذ وأتعلق .
وقيل : مشتق من ( لاه ) بمعنى أحتجب وارتفع بمعنى احتجب عن الخلق وحجب أبصارهم عن رؤيته فى الدنيا .
وقيل : مشتق من ( لاه ) بمعنى العُلو والرفعة . يُقال لاهت الشمس إذا علت وتوسطت السماء فى عُلو مركزها وأستوت حالة وقوفها .
وقيل مشتق من ( الوله ) أى يُقصد فى طلب الحوائج ويُفزع إليه فى النوائب ويُرجى فضله .
قال : ومن كل ما سبق يهمنا معنى العبودية لأنها جامعة للمحبة والإستعاذة والتعلُق والعُلو والفزع إليه فى النوائب ... إلخ .
وعِلْم الله علم مخصوص بالذات لا يشركه سبحانه فيه أحد ، وكل الأسماء مفتقرة إليه ولا يُشاركه أحد فيه لا بالمجاز ولا بالحقيقة وذلك لما يجتمع فيه من الأسرار والحِكَم والمعانى ومن الإختصاص والتعظيم ، وهو إسم كامل فى حروفه تام فى معناه خاص بأسراره مفرد بصفته ..

الآن وبعد أن عرفنا المعنى اللغوى للفظ الجلالة ( الله ) نريد أن نعرف : من هو اللـــه ؟
لانستطيع أن نعلم مَن الله إلا مِن الله ، وذلك عن طريقين اثنين :
• الأول : التدبر فى آيات الله الشرعية المتلوة فى كتابه العزيز وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم .
• الثانى : النظر فى مخلوقات الله وآياته الكونية .

سنجد فى هذين الطريقين ما ينطق بعظمة الله الخالق عز وجل ووحدانيته فى ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته فإن كتاب الله إن تأملته يأخذك فى جولاتٍ وجولات ترتاد آفاق السماء وتجول فى جنبات الأرض والأحياء يريك عظمة الله وقدرة الله وتقديره فى المخلوقات ثم يكشف لك أسرار الخلق والتكوين ويهديك الى الحكمة من الخلق والتصوير ثم يقرع الفؤاد بقوله { ءإلهٌ مع الله تعالى الله عمّـا يُشـركون } رحلة طويلة لكنها مع ذلك شائقة وجميلة تتحرك لها المشاعر وتستجيب لها الفطرة السليمة المستقيمة كما أنها تُنبّـه الغافل وتدمغ المُجادل .

وأما آياته الكونية : كل مافيها ينطق بوحدانيته سبحانه ، فالكون كتاب مفتوح يُقرأ بكل لغة ويُدرك بكل وسيلة يُطالعه ساكن الخيمة وساكن القصر ، كلٌ يُطالعه فيجد فيه زاداً من الحق إن أراد التطلع الى الحق .. فهيا معى نتعرف الى الله فى جولة أرجو ألا يستطيلها ملول وألا يستكثرها مشغول .

أولاً ( أ ) من القرآن :
• { هو الذى أحسن كل شئٍ خلقـه } النمل 63
• { الله لا إله إلا هو الحى القيوم } البقرة
• { هو الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم . هو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يُشركون . هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يُسبح له ما فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } آخر الحشر .
وغير ذلك كثير جداً فى القرآن ...

( ب ) من السـُـنة :
• عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب : " لا إله إلاالله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم " .. أخرجه البخارى ومسلم .

• عن ابن الزبير رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول دُبر كل صلاة حين يُسلّم : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا إله إلا الله لانعبد إلا إيّـاه ، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " .
• وعن أبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى وإذا إضطجع : " اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شئٍ ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسى وشر الشيطان وشركه " .

النظر فى آيات الله الكونية ومخلوقاتـه :
يا أيها الماء المهـين من سـواكا ومن الذى فى ظلمة الأحشاء قد والاكا
ومن الذى غـذاك من نـعمـائه ومن الكـروب جميعهـا نجـّـاكـا
ومن الذى شـقّ العيون فأبصرت ومـن الـذى بالعقـل قـد حـلاكـا
ومن الذى تعصى ويغفر دائمـاً ومـن الـذى تنســى ولا ينســاكا

عجائب خلق الله فى النوم :
هل تأملت النـوم يوماً ؟ أنت تعرفه وتمارسه كل يوم ، بل أن نصف عمرك أو أقل يذهب فيه ، وهو ضرورة لا غنى عنها بل إن حياتك مؤلفة من قسمين اثنين :
1) يقظة تبتغى بها فضل الله وفق شرع الله.
2) نوم تبتغى به الراحة لتعاود العمل فى طاعة الله .
قال تعالى : { هو الذى جعل لكم اللـيل لتسـكنوا فيه والنهار مُبصـراً إن فى ذلك لآياتٍ لقومٍ يسمعون } يونس 67 . فى النوم تتعطل وظائف الحس إجمالاً يتوقف البصر بإغماض الجفون وإن لم تغمض كما فى بعض الناس فإن الرؤية تكون مفقودة . والحاسة التى تبقى تعمل خلال النوم هى السمع .. فالنوم آية .. قال تعالى { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن فى ذلك لآيات لقومٍ يسمعون } فجمع بين النوم والسمع فى سياق واحد . . وكما فى سورة الكهف { فضربنا على آذانهم فى الكهف سنين عدداً } أما الدماغ فلا ينام بالمعنى المفهوم ولكنه يتغير ، فبعد أن كان يبث على موجات عالية يصبح على موجات أقل تردداً ، ولذا رُفع القلم عن النائم حتى يستيقظ لأن العقل مناط التكليف .

أيضاً هل تأملت نائمين متجاورين ودار بخلدك أن أحدهما ربما ينعم بالرؤى الصالحة ويود ألا يستيقظ الدهر كله مما يجد من لذة .. والذى يجاوره فى شقاء ويُعذب بالأحلام الشيطانية المزعجة يود لو لم ينم .. هل ساءلت نفسك هل يعلم هذا عن مجاوره ؟ أو يعلم ذاك عن هذا ؟ هل إستعظمت هذا ؟ !!
إن هناك ما هو أعظم وأكبر .. قال تعالى { لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون } غافر 57

عجائب خلق الله فى الجـنين :
هل تعلم أن للجنين نفسية لا ينفصل فيها عن أمه ، فتراه فى حالات إنكماش واكتئاب مرة ، وحالات إنشراح وانبساط أخرى ، فنجده مضطرباً حين تقع أمه فى أزمة إنفعال حادة كغضب أو تأثر جسدى كوقوع على الأرض أو إصطدام بشئ تبعاً لتأثر أمه بذلك ، وتجده هادئاً عندما تنصت أمه لسماع ما تستريح إليه النفس من قرآن وعلم دينى ، بل أنها حين تسمع صوت أبيه وتنصت له رأوه عن طريق أجهزة التصوير الضوئى كالمنصت له تبعاً لأمه .. والأعجب من هذا أنهم شاهدوا الجنين يتأذى ويبدى الإنزعاج لبعض المخالفات الشرعية كالتدخين – عافانا الله وإياكم – فقد وجد الطبيب فى تجربة عملية أن الجنين هادئاً ساكناً وعند تدخين أمه لسيجارة وبمجرد إلتقاطها وإشعالها أشار المقياس الى إضطراب الجنين تبعاً لإضطراب قلب أمه فسبحان الله الذى جعله فى وسط ظلمات ثلاث يتأذى مما تتأذى منه أمه وإن كانت هى لم تشعر بذلك .

عجائب خلق الله فى السـماء :
إن علماء الفلك يكتشفون من خلال تجاربهم ومراصدهم ومناظيرهم كل يوم ما يُدهش العقول فى هذا الكون الفسيح حتى قال مكتشف الجاذبية معبراً عن إكتشافه وضآلة ما إكتشفه بجانب ذلك الخلق العظيم : لست أدرى كيف أبدو فى نظر العالم ولكنى فى نظر نفسى أبدو وأنا أبحث فى هذا الكون كما لو كنت غلاماً صغيراً يلعب على شاطئ البحر فيلهو بين حين وآخر بالعثور على حجر أملس أو محارة بالغة الجمال فى الوقت الذى يمتد فيه محيط الحقيقة أمامى دون أن يسبر ( يكتشف ) أحد غوره .

وصدق الله : { وما أوتيتم من العلم إلا قليـلاً } الإسراء 85 . لقد رأى أحبتى فى الله مجموعة النظام الشمسى وقد تألفت من مائة مليار نجم قد عُرف ، وعُرف منها الشمس ، وتبدو هذه المجموعة كقرص قطره 90 ألف سنة ضوئية وسُـمكه 5 آلاف سنة ضوئية ومع هذا البُعد الشاسع فإن ضوء الشمس يصلنا فى لحظات ، وكذلك ضوء القمر . بل لقد رأى هناك مجموعات تكبرها بعشرات المرات أخص منها مائة مليار مجموعة تجرى كلها فى نظام دقيق بسرعة هائلة كلٌُ فى مساره الخاص دون إصطدام { كلٌ يجرى لأجلٍ مسـمى } الزمر 5 . هذا الذى رآه ، وما لم يره أكثر ، فقد قال الله تعالى { فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون } الحاقة 38 و 39 ..
لذا أدعوك أن تخلو بنفسك دقائق فى ليل صفا أديمه وغاب قمره ثم تأمّـل عالم النجوم وأعلم أن ما تراه ماهو إلا جزء يسير من 100 مليار مجموعة عُرفت وكثير منها لم يُعرف كل منها فى مسار معين لا يختلط بغيره ثم انقل تفكيرك الى ما بثـّـه الله فى السموات من ملائكته لا يُحصيهم إلا هو سبحانه فما من موضع أربع أصابع إلا ومَلَك قائم لله راكع أو ساجد يطوف منهم بالبيت المعمور كل يوم 70 ألف لا يعودون إليه الى قيام الساعة . . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنى أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون . أطّت السماء وحق لها أن تئـط مافيها موضع أربع أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته ساجداً لله تعالى . والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفُرش ولخرجتم الى الصعدات تجأرون الى الله " الصعدات : الصحارى .قال أبو ذر : والذى نفسى بيده لوددت أنى كنت شجرة الأرض – صححه الألبانى فى السلسلة الصحيحة رقم 5347 .

ثم أنقل نفسك وتجاوز تفكيرك الى بصيرة يسير بها قلبك الى عرش الرحمن ، وقد علمت بالنقل سعته وعظمته ورفعته ، عندها ستعلم أن السماوات بملائكتها ونجومها ومجراتها ومجموعاتها ، والأرض ببحارها وجبالها وما بينهما بالنسبة للعرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة .. فلا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير .

تأمل خلـق الأرض :
تأمل هذه الأرض بينما هى هادئة ساكنة وادعة ، مهاد وفراش ، قرار وذلول ، خاشعة فإذا بها تعتز ، تتحرك تثور ، تتفجر ، تدمر ، تبتلع ، تتصـدع ، زلازل ، خسف ، براكين ، تجدها آية من آيات الله ، وكم لله من آية يُخـوِّف الله بها عباده لعلهم يرجعون ، وهى مع ذلك جزاءً لمن حق عليه القول ، وهى أيضاً تذكير بأهوال الفزع الأكبر يوم يُبعثون ويُحشرون .

يذكر صاحب علوم الأرض القرآنية أنه قبل حوالى خمسة قرون ضرب زلزال شمال الصين عشر ثوان فقط : هلك بسببه 430 ألف شخص ، وقبل ثلاثة قرون ضرب زلزال مدينة لشبونة فى البرتغال لعدة ثوان هلك فيه 600 ألف شخص ، وأنفجرت جزيرة كاراكاتو فى المحيط الهندى قبل قرن فسُمع الإنفجار الى مسافة خمسة آلاف كيلو متر مربع وسجلته آلات المراصد فى العالم وتحولت معه فى ثوان جزيرة حجمها 20 كيلومتر الى قطع نثرها الإنفجار على مساحة مليون كيلومتر مربع وأرتفعت أعمدة الدخان والرماد الى 35 كيلومتر فى الفضاء وأظلمت السماء على مساحة مئات الكيلومترات حاجبة ضوء الشمس لمدة سنتين ، وأرتفعت أمواج البحر الى 30 متر فأغرقت 36 ألف نسمة من سكان جزيرتى جاوة وسومطرة . { وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هى إلا ذكرى للبشر } قال تعالى { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم } الأنعام 65 .. فنعوذ بالله أن نُغتال من تحتنـا ..

التأمـل فى خـلق الهـواء :
إذا تأملت ذلك وجدت آية من آيات الله الباهرة ، وقد حبسه الله بين السماء والأرض ، يُدرك ولا يُرى ، جعله الله مِلكاً للجميع ولو أمكن الإنسان التسلُـط عليه لباعه وأشتراه ولتقاتل مع غيره عليه كما فعل بأكثر الأشياء التى سخرها له المولى عز وجل وعلا ..
جعل الله الهواء بحكمته يجرى بين السماء والأرض ، والطير محلقة سابحة ، يحركه الله بأمره فيجعله رياحاً رخاء وبُشرى بين يدى رحمته فيه مبشرات ولواقح وذاريات ومرسلات ، ويحركه فيجعله عذاباً عاصفاً قاصفاً فى البحر وعقيماً صرصراً فى البر ، تتوزع الرياح على سطح الأرض تحت نظام مُحكم فتلقح الأزهار ، فتبارك من جعلها سائقاً للسحاب تذروه الى حيث الله شاء .. فهل تأملت يوماً من الأيام سحاباً مظلماً قد إجتمع فى جو صاف لا كدر فيه وهو لين رخو حامل للماء الثقيل بين السماء والأرض حتى إذا أذن له خالقه أرسل الريح تلقحه وتسوقه فينزل قطرة قطرة لا تختلط قطرة بأخرى ولا تدرك قطرة صاحبتها فتمتزج بها ، بل كل واحدة فى طريق مرسوم لها حتى تصيب الأرض التى عُيـنت لها لا تتعداها الى غيرها .. { وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون }الجاثية 5 ..هل تأملت هذا ؟ أحسب أنك تقول نعم ومعها لا إله إلا الله ..

التفكر فى عجائب البحـر :
إن لله فى البحر لآيات ، وأعلم أن الماء يملأ ثلاثة أرباع سطح الأرض ، فما الأرض بجبالها ومدنها وسهولها وأوديتها بالنسبة الى الماء إلا كجزيرة صغيرة فى بحر عظيم يعلوها الماء من كل جانب ، وطبعه العُلو لولا إمساك الرب سبحانه وبحمده له بقدرته ومشيئته لطغى على الأرض فأغرقها ودمرها وجعل عاليها سافلها ، فتبارك الله لا إله إلا هو رب العالمين ..

ذكر ابن القيم فى مفتاح دار السعادة : فى البحار حيوانات كالجبال لا يقوم لها شئ ، وفيه من الحيوانات ما يُرى ظهورها فيظن من عِظمها أنها جزيرة فينزل عليها الركاب ويُشعلوا نارهم ، فتحس بالنار إذا أوقدت فيُعلم أنه حيوان ..
ثم أنظر الى السفن وسيرها فى البحر تشقه وتمخر عبابه بلا قائد يقودها ولا سائق وإنما قائدها وسائقها الريح التى سخرها الله لإجرائها ، فإذا حُبست عنها الريح ظلت راكدة على وجه الماء فذاك قول الله تعالى { ومن آياته الجوار فى البحر كالأعلام إن يشأ يُسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن فى ذلك لآيات لكل صبّـار شكور } الشورى 32 – 33 .
فى أواخر القرن 19 الميلادى صنع الإنجليز باخرة عظيمة كانت فخر صناعتهم كما يقولون ، ثم انطلقت فى رحلة ترفيهية حاملة على متنها علية القوم ونخبة المجتمع – كما يصفون أنفسهم – وقد بلغ الفخر والغرور ببُـناة السفينة درجة كبيرة فسموها الباخرة التى لا تُقهـر – بل إن أحد أفراد طاقمها قال بما ترجمته ( حتى الله نفسه لا يستطيع أن يُغرق هذا المركب ) جلّ الله وتعالى وتقدس لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء ، وفى اليوم الثالث من سيرها فى المحيط الأطلسى إصطدمت بجبل جليدى عائم ففتح فيها فجوة بطول 90 متر ، وبعد ساعتين وربع تستقر الباخرة التى لا تُقهر فى قعر المحيط ومعها 1504 راكب وحمولة بلغت 46 ألف طن .
وتأمل معى كيف مد الله البحار وخلطها ومع ذلك جعل بينها حاجزاً ومكاناً محفوظاً فلا تبغى محتويات بحر على بحر ولا خصائص بحر على بحر عندما يلتقيان .. فى إيران أنهار عندما تلتقى بمياة البحر ترجع عائدة الى مجاريها التى أتت منها .. وتلتقى مياة المحيط الأطلسى بمياة البحر الأبيض فتبقى مياة البحر الأبيض أسفل لثقلها ولكثرة ملحها وتعلو مياة المحيط لخفتها ، وكلٌ فى مجراه ، { فتبارك الذى مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً } الفرقان 53

عجائب خلق الله فى مخلوقاته :
قال : انظر وتأمل تلك النملة الضعيفة ترى عبراً وآيات باهرات تنطق بقدرة رب الأرض والسماوات : تنقل الحبَّ الى مساكنها وتكسره حتى لا ينبت إذا أصابه بلل وتُخرجه الى الشمس إذا خافت عليه من العفن ثم ترده الى بيوتها .. كما أنها تعتنى بالزراعة وفلاحة الأرض : تشق الأرض وتحرثها وتزيل الأعشاب الضارة وتنظف الأرض ثم تتسلق الشجر وقت الحصاد وتذهب بها الى مخازنها ، بل إن لها مدافن جماعية تدفن فيها موتاها ، وفوق هذا تعرف ربها وتعرف أنه فوق سماواته مستوٍ على عرشه بيده كل شئ ..
روى الإمام أحمد فى الزهد من حديث أبو هريرة رضى الله عنه يرفعه ، قال : خرج نبى من الأنبياء بالناس يستسقون فإذا هم بنملة مُستلقية على ظهرها رافعة قوائمها الى السماء تدعو ربها ، فقال : إرجعوا فقد سُقيتم بغيركم ( رواه الدارقطنى فى سننه والحاكم فى المستدرك وصححه الألبانى فى المشكاة )
ومن عجيب أمر القردة ماذكره البخارى فى صحيحه عن عمرو بن ميمون قال : رأيت فى الجاهلية قرداً وقردة زنيا ، فأجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا .. – رواه البخارى فى مناقب الأنصار – عجباً لها قرود تُقيم الحدود حين عطّلها بعض بنى آدم !! إن هدايتها فوق هداية أكثر الناس !!
وأغرب من ذلك أن الحيوانات فيها مشاعر الإحساس بالذنب وتعاقب نفسها على ذلك ، ومن ذلك ما ذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى فى كتاب الخيل ( له من طريق الأوزاعى ) أن مُهراً أنزى على أُمه ليلقحها فأمتنع ، فأُدخلت فى بيت وجللت ( أى : غطوها ) بكساءٍ فأنزى عليها فنزى ، فلما شم ريح أمه عمد الى ذكره فقطعه بأسنانه من أصله . فتح البارى 7 / 161 ..
ومن عجيب أمر الفأرة ما ذكره صاحب كتاب ( العقيدة فى الله ) أنها إذا شربت من الزيت الذى فى أعلى الجرة ينقص ويعز عليها الوصول إليه فى أسفل الجرة فتذهب وتحمل فى أفواهها الماء ثم تصبه فى الجرة حتى يرتفع الزيت فيقترب منها ثم تشربه .. من علمها ذلك ؟ !! إنها لم تتعلم الكثافة وموازينها ولم تتعلم أن الماء أثقل من الزيت فيعلو الزيت على الماء .. فمن علمها هذا ؟ !! إنه الله ، أحق من عُبد وصُلى له وسُجد .
سبحان من يُجرى الأمور بحكمة فى الخلق بالأرزاق والحرمان ..

وتأمل معى النحل : فهى مأمورة بالأكل من كل الثمرات بخلاف كثير من الحشرات التى تعيش على نوع معين من الغذاء وتعجب أنها لا تأكل من التبغ ، فلا تأكل إلا الطيبات ، فهل يعتبر بذلك أهل العقلات !!
ومما يُذكر أن ألدّ أعداء النحل هو الفأر يُهاجم الخلية فيشرب العسل ويلوث الخلية فماذا تفعل النحلة الصغيرة أمام الفأر الذى هو لها كجبل عظيم ؟ إنها تُطلق عليه مجموعة من العاملات فتلدغه حتى يموت . لكن : كيف تُخرجه ؟ إن بقى أفسد العسل ولوث أجواء الخلية ، ولو إجتمع نحل الدنيا كله على إخراجه ما استطاع . فماذا يفعل ؟؟
جعل الله عز وجل له مادة شمعية يفرزها ويُغلف بها ذلك الفأر فلا ينتن ولا يتغير ولو بقى ألف عام حتى يأتى صاحب الخلية فيُخرجه .. فسبحان من خلق فسوى وقدّر فهدى ..
فيا عجباً من مضغة لحم أقسى من الجبال تسمع آيات الله تُتلى فلا تلين ولا تخشع !!

لله فى الآفـــاق آيـات لعـل أقـلها هو ما إليـه هـداكا
ولعل مافى النفـس من آيـاته عجب عجـاب لو تـرى عيناكا
والكون مشحون بأسـرار إذا حاولت تفســيراً لها أعيـاكـا
قل للمريض نجا وعوفى بعدما عجزت فنون الطب : من عافاكا ؟
قل للصحيح يموت لا من علةٍ : من بالمنايا يا صـحيح دهـاكا ؟
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فأسأله : من ذا بالسـموم حشـاكا ؟
وأسـأله كيف تعيـش يا ثعبـان أو تحيا وهذا السـم يملأ فاكا ؟
وأسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً ، وقل للشهد من حلاكا؟
بل سـائل اللبن المصـفى كان بين دمٍ وفرث مالذى صـفّاكا ؟
قل للهواء تحسه الأيدى ويخفى عن عيون النـاس : من أخفاكا ؟
وإذا رأيت النبت فى الصحراء يربو وحده فأسـأله من أرباكا ؟
قل للمرير من الثـمار من الذى بالمُـر دون الثـمار غـذّاكا ؟
وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فأسأله من يا نخل شـق نواكا ؟
سـتجيب مافى الكون من آياته عجب عُجـاب لو ترى عيناكا
ربى لك الحمـد العظيم لذاتـك حمـداً وليـس لواحـدٍ إلاكا
يا مدرك الأبصـار والأبصـار لا تـدرى له ولكنهه إدراكا
إن لم تكن عينى تراك فإننى فى كل شـئ أسـتبين عُـلاكا
يا أيها الإنسـان مهلاً ما الذى بالله جـل جـلاله أغراكا ؟!!

إنه الله { الذى أحسن كل شئٍ خلقه } لا إله إلا هو ، أنت من آياته ، والكون من آياته ، والآفاق من آياته تشهد بوحدانيته .. سبحان الله ..

وبعد إذ عرفت الله لابد أن تحبه .. فلماذا المحبة ؟ .. وكيف نحب الله ؟
يقول ابن القيم : القلب فى سيره الى الله عز وجل بمنزلة الطائر فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه ، فمتى سَلِمَ الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران ، ومتى قُطع الرأس : مات الطائر ، ومتى فُقد أحد الجناحان فهو عُرضة لكل صائد وكاسر ..

فالمحبة هى الحياة ، من حُرمها فهو من جملة الأموات ، وهى النور الذى من فقده فهو فى بحار الظلمات ، وهى الشفاء الذى من عدمه حلّت بقلبه جميع الأسقام ، وهى اللذة التى من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام ، وهى قوت القلوب وغذاء الأرواح وقوة العيون ، وهى سمة المسافرين الى ربهم وعنوان طريقهم ودليلها ، فكما يدل العنوان على الكتاب تدل المحبة على صدق الطالب وإنه من أهل الطريق ، وهى معقد نسبه العبودية فالعبودية معقودة بها بحيث إذا إنحلت المحبة إنحلت العبودية ، وهى روح الإيمان والأعمال التى متى خلت منها فهى كالجسد الذى لا روح فيه ..
والمحبة تحمل أثقال السائرين الى بلاد لم يكونوا بالغيها إلا بشقِّ الأنفس وتوصلهم الى منازل لم يكونوا بدونها أبداً واصليها ، وتُبوّءهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها ، وقد قضى الله يوم قدّر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب .. فيالها من نعمةٍ على المحبين سابغة ..

ماهى المحبة ؟
لا تُحد المحبة بحدٍ أوضح منها ، فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً ، فحدها : وجودها ، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة ، وكل ما قيل عنها لا يعطى تصور حقيقة المحبة فإن إسمها لا يكشف مسماها بل مسماها فوق اللفظ ، وكل من بسط لسانه بالعبارة وكشف عن سرها فليس له منها ذوق ، ولو ذاق منها شئ لغاب عن الشرح والوصف .

وقال ابن القيم : هى سكون بلا إضطراب ، وإضطراب بلا سكون ، فيضطرب القلب فلا يسكن إلا الى محبوبه فيضطرب شوقاً إليه ويسكن عنده ..
وقيل : المحبة : القيام بين يديه وأنت قاعد ، ومفارقة المضجع وأنت راقد ، والسكوت وأنت ناطق ، ومفارقة المألوف والوطن وأنت مستوطن ، ، فإن المحبة توجب سفر القلب نحو المحبوب دائماً ، والمحبة وطنه وتوجب مثوله وقيامه بين يدى محبوبه وهو قاعد ، وتجافيه عن مضجعه ومفارقته إياه وهو فيه راقد ، وفراغه لمحبوبه كله وهو مشغول فى الظاهر بغيره ..قال تعالى فى حق المحبين { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً } السجدة 16 ..
ومن أجمع ما قيل فيها : قول الجنيـد (( وهو أبو القاسم الجُنيد بن محمد الخزاز البغدادى ، أصله من نهاوند ومولده ونشأته بالعراق ، كان فقيهاً على مذهب أبى ثور ، توفى سنة 297 هـ ، من كلماته : أن الكلمة من القوم لتـقع فى قلبى فلا أقبلها إلا بشاهدى عدلٍ من الكتاب والسنة )) فقد ذكر أبو بكر الكتانى قال : جَرت مسألة فى المحبة بمكة – أعزها الله تعالى – أيام الموسم ، فتكلم الشيوخ فيها ، وكان الجُنيد أصغرهم سناً فقالوا : ماعندك يا عراقى ؟ فأطرق برأسه ودمعت عيناه ثم قال : عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، فإن تكلم فبالله ، وإن نطق فعن الله ، وإن تحرك فبأمر الله ، وإن سكن فمع الله ، فهو بالله ولله ومع الله ... فبكى الشيوخ وقالوا : ما على هذا مزيد ، جزاك الله يا تاج العارفين ..
ملحوظة : ألقيت هذا التعريف الجامع للمحبة ولم يبك أحد ، وكذلك لم أبكِ أنا ، وسألت نفسى لماذا بكى هؤلاء الشيوخ من قول الجُنيد ولم نبكِ نحن ؟ !!
فلما تفكرت علمت أن هؤلاء إمتلأت عقولهم علماً فأزدادوا خشية لله ، وأمتلأت قلوبهم تقوى فأزدادوا خوفاً ورجاءً .. أما نحن فقد إمتلأت عقولنا هواء ، وأمتلأت قلوبنا قسوة .. أسأل الله أن يرزقنا علماً نافعاً ، وأن يمحو قسوة قلوبنا ، وأن يُصلحنى وإياكم وأن يُصلح بنا .. آمين ..

سؤال : ماهو دليل المحبــة ؟
لمّا كثُر المدّعون للمحبة طولبوا بإقامة البيّنة على صحة الدعوى ، فلو يُعطى الناس بدعواهم لأدعّى الحلىّ حُرقة الشجىّ . فتنوع المدعون فى الشهود فقيل لا تُقبل هذه الدعوة إلا ببينة . فما هى هذه البينة ؟
قال تعالى { قل إن كنتم تحبون الله فأتبعونى يُحببكم الله } آل عمران 31 ، فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب فى أفعاله وأقواله وأخلاقه فطولبوا بعدالة البينة بتزكية قال تعالى { يُجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } المائدة 4 ، فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون فقيل لهم : إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فهلموا الى بيعة ، قال تعالى { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } التوبة 111 ، فلما عرفوا عظمة المشترى وفضل الثمن وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع عرفوا قدر السلعة وأن لها شأناً فرأوا من أعظم الغُبن أن يبيعوها لغيره بثمنٍ بخس ، فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضى ، فلما تم البيع وسلموا المبيع قيل لهم : مُذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معاً ، قال تعالى { ولا تحسبن الذين قُتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يُرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله } آل عمران 169-170

ماهى علامة المحبة ؟
ذكر الله سبحانه وتعالى أربع علامات لمن يُحبهم ويحبونه وذلك فى سورة المائدة آية 54 قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقومٍ يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزة على الكافرين يُجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم }

أ - أذلـة على المؤمنـين :
أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه ووليه وأن يكونوا رحماء مُشفقين عليهم عاطفين عليهم ، والذل ثلاثة أنواع :
1) ذل العبودية : وهو ما يكون لله تعالى وحده.
2) ذل الرحمة : وهو ما يكون للمؤمنين عامة وللوالدين خاصة .
3) ذل المهانة : وهو مادلّ عليه الحديث الثابت فى الصحيح :" ما ينبغى للمؤمن أن يذل نفسه .. قالوا : وكيف يذل نفسه يا رسول الله ؟ قال : يتحمل من البلاء ما لا يطيق " .

ب – أعـزة على الكافرين :
قيل كالأسد على فريسته . قال ابن كثير : متعذذاً على خصمه وعدوه كما قال تعالى { محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رُحماء بينهم } ، وفى صفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الضحوك القتّـال، فهو ضحوك لأوليائه قـتّال لأعدائه .. ومن العجب العُجاب أن نرى المسلمين اليوم - إلا من رحم ربى – يفتقدون هذه العلامة أيما إفتقاد ، فهم

سؤال : هل نبدأ اليهود والنصارى بالسلام ؟ وما الدليل ؟
الإجابة : عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام ، وإذا لقيتم أحدهم فى طريق فأضطروه الى أضيقهما " رواه أحمد ومسلم .
روى أبو نصرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنّـا غادون على يهود فلا تبدءوهم بالسلام ، وإن سلموا عليكم فقولوا : وعليكم "
ويحرم بداءتهم بـ : كيف أصبحت ؟ أو كيف أمسيت ؟ أو كيف أنت ؟ أو كيف حالك ؟ أو كما يفعله ضعاف العقول والدين بقولهم لهم : صباح النور أو مساء الخير – مع رفع أيديهم – نسأل الله العافية . أو يقولون لهم والعياذ بالله : أهلاً ومرحباً ..
فالسلام تحية المؤمنين وشعارهم ، عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :" لمّا خلق الله آدم قال : اذهب فسلّم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فأستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك . فقال : السلام عليكم . فقالوا : السلام عليك ورحمة الله . فزادوا ورحمة الله " رواه مسلم والبخارى ، وهى توافق تحية أهل الجنة كما قال الله جل شأنه { تحيتهم فيها سلام }.
ولو كتب الى كافر وأراد أن يكتب سلاماً كتب : سلاماً على من إتبع الهُدى ، لما روى البخارى أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك فى كتابه الى هرقل عظيم الروم ولأن ذلك معنى جامع .
وإن سلّم على من ظنه مسلماً ثم تبين له أنه ذمى إستحب للمسلم أن يقول للذمى : رُد علىّ سلامى ، لما ذكر عن ابن عمر أنه مرّ على رجل فسلم عليه ، فقيل أنه كافر ، فقال : رُدّ علىّ ما سلمت عليك فردّ عليه .. فقال : أكثر الله مالك وولدك . ثم إلتفت الى أصحابه فقال : أكثر للجزية .
وإن سلّم أحد أهل الذمة لزم ردّه فيُقال : وعليكم ، أو : عليكم – بلا واو –
وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السأم عليك ، فقل له وعليك – وفى لفظ : عليك "
وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا : وعليكم " رواه أحمد ، وفى لفظ للإمام أحمد فقولوا : عليكم .
وعن عائشة رضى الله عنها قالت : دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : السأم عليك . ففهمتها فقلتُ : عليكم السأم واللعنة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مهلاً يا عائشة فإن الله يحب الرفق فى الأمر كله . فقلت : يا رسول الله أوَلم تسمع ما قالوا ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد قلتُ وعليكم . ( متفق عليه ) وفى لفظ : قد قلت عليكم – بدون واو –
ومما يحرم ويجب النهى عنه ما يفعله كثير من الناس من السلام عليهم باليد بالإشارة وجعلها حذاء الرأس أو وضعها على صدره إحتراماً لأعداء الله وإشعاراً بأنه يحبهم – نسأل الله العافية - قال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل سُئل إبتداء الذمى بالسلام إذا كانت له إليه حاجة . قال : لا يعجبنى .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس منا من تشـبّه بغيرنا . لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع ، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف " رواه الترمذى عن عبد الله بن عمرو بن العاص .

ج – يُجاهدون فى سبيل الله :
وذلك بالنفس واللسان والمال ، لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله وإقامة الحدود وقتال أعدائه والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر راد ولا يصدهم عنهم صاد عنه .

د – ولا يخافون لومة لائـم :
لا يخافون لومة لائم ولا تأخذهم فى الله لومة لائم ، وهذا علامة صحة المحبة ، فكل محب يأخذه اللوم عن محبوبه فلـيس بمحب على الحقيقة . وعن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا يُقرِّب من أجلٍ ولا يُباعد من رزق أن يقول بحق أو أن يذكر بعِظَـم " تفرد به أحمد .
وذكر الله تعالى علامة أخرى من علامات المحبة وذلك فى قوله تعالى { والذين آمنوا أشد حباً لله } فأعلم أنك إذا غرست شجرة المحبة فى القلب وسُقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب أثمرت أنواع الثمار وآتت أُكلها كل حينٍ بإذن ربها أصلها ثابت فى قرار القلب وفرعها متصل بسدرة المنتهى ..

فما هـى ثمـرة المحبـة ؟
(1) حب الله سبحانه وتعالى ومغفرته : قال تعالى { قل إن كنتم تحبون الله فأتبعـونى يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم }
(2) حلاوة الإيمان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ثلاث من كُنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يُحب المرء لا يُحبه إلا لله وأن يكره أن يعود فى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف فى النار ".
(3) حصول الإيمان : قال تعالى : { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان } ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ".
(4) دخول الجنة ورضا الله عنهم وفلاحهم : قال تعالى { أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويُدخلهم جناتٍ تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } المجادلة 22
(5) ومن أعظم ثمرات المحبة وأعلاها : لذة النظر إليه سبحانه فى الآخرة قال تعالى : { إن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً } الأحزاب 29 ، فجعل الله سبحانه وتعالى إرادته غير إرادة الآخرة وهذه الإرادة لوجهه موجبة للذة النظر إليه فى الآخرة .

سؤال : كيف نحب الله ؟
إن هناك أسباب جالبة للمحبة وموجبة لها ، وهى :
1) قراءة القرآن بالتدبر والتفهُّم لمعانيه وما أريد له .
2) التقرب الى الله بالنوافل بعد الفرائض ، وذلك لحديث أبى هريرة فى البخارى :" ما تقرب الىّ عبدى بشئٍ أحب الىّ من أداء ما إفترضته عليه ، ولا يزال عبدى يتقرب الىّ بالنوافل حتى أحبه .... الحديث "
3) دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال
4) إيثار محآبه على محابك عند غلبان الهوى
5) مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها وتقلبه فى رياض هذه المعرفة ، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة .
6) مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الظاهرة والباطنة
7) إنكسار القلب بكليته بين يدى الله تعالى : قال بعض المريدين لشيخهم : هل يسجد القلب بين يدى الله ؟ قال : نعم سجدة لا يرفع رأسه منها الى يوم القيامة .
8) الخلوة به وقت النزول الإلهى لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدُب بأدب العبودية بين يديه وختم ذلك بالإستغفار والتوبة ، قال بعض السلف : إنى لأفرح بالليل حين يقبل لما يلتذ به عيشى وتقر به عينى من مناجاة من أحب وخلوتى بخدمته والتلذذ بين يديه وأغتم للفجر إذا طلع لما إشتغل به بالنهار عن ذلك .
9) مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم
10) مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل . قال أبو اليزيد : سُقت نفسى الى الله وهى تبكى فما زلت أسوقها حتى إنساقت إليه وهى تضحك .

عودة الى الكتاب :
وساق حديثاً عن أبى سعيد مرفوعاً : ( أن عيسى أسلمته أمه الى الكتاب ليعلمه ، فقال له المعلم : أكتب بسم الله فقال عيسى : أتدرى ما الله ؟ الله إله الآلهة ) هذا الحديث فى سنده إسماعيل بن يحيى المعروف بابن عبيد الله بن طلحة أبو يحيى التميمى ، قال الذهبى فى الميزان : كان يضع الحديث ، وقال الأسدى : ركن من أركان الكذب لا تحل الرواية عنه ، وقال ابن عدى : عامة مايرويه أباطيل ، وقال الذهبى : مجمع على تركه . وقد أورده الشارح على الرغم من أنه من الموضوع وذلك لثلاثة أسباب :
1) أنه نقله عن غيره ، وهذه آفة النقل عن الغير ، فالواجب التحقيق وإلحاق كل عبارة بمصدرها وإحالتها إليه ، وهذا من الإتقان فضلاً عن الأمانة ، ثم صرف الموضوع والضعيف ، ثم كتابة المبحث بالصحيح فقط خاصةً أن فى الصحيح ما يُغنى بفضل الله .
2) أنه نقله مظنة الصحة أو القبول .
3) هذا من الآثار عن بنى إسرائيل ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم :" حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج " فقد يكون الشارح عالماً بأنه موضوع لكن أورده على سبيل عدم تصديق أو تكذيب المروى عن بنى إسرائيل .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله : لهذا الإسم الشريف عشر خصائص لفظية ، وساقها ثم قال : وأما الخصائص المعنوية فقد قال أعلم الخلق صلى الله عليه وسلم ......
خصائصـه المعنوية : مامعنى هذه العبارة ؟
الخصائص : هى ما يدل عليه اللفظ من معانى أرادها المتكلم من هذا اللفظ .
المعـنوية : أى معنى الإسم ( إسم الله الذى يجب أن نتعبد به )

أعلم الخلق : هل هذا اللفظ صحيح أم لا ؟
الجواب : نعم ، بل أن صفة أعلم الخلق للرسول صلى الله عليه وسلم من أصول المعتقد الصحيح لقول النبى صلى الله عليه وسلم : " أنا أتقاكم لله وأعلمكم به " وهو فى البخارى من حديث عائشة رضى الله عنها .
وقد أورد الشارح صفة أعلم الخلق فى هذا الموضع ليوضح لنا أنه لا أحد يستطيع إحصاء الثناء على الله عز وجل كما تخيل الصوفية ذلك وأعتقدوه بالباطل ، فهم يقولون أن مقام الولاية أعلى من مقام النبوة ، وأن الولى يمكن أن يتجلى له أمور عن ربه لا يعرفها غيره مثل مشاهدة الرب ومكالمته و... الى آخر هذه الأباطيل .. ولقد ناقش ابن تيمية هذه القضية وغيرها من القضايا المشابهة ونصّـب نفسه للرد على هذه المزاعم الباطلة فى كتاب ( النبوات ) .


سؤال : لماذا نتعلم ونتعرف على تأويل إسم الله ؟
الإجابة : لأن معرفة تأويل الإسم هو أحد مقتضيات التعبد لله بأسمائه وصفاته

سؤال : كيف نتعبد الى الله عز وجل بأسمائه وصفاته ؟
الإجابة : إن هذا يستلزم عدة أمور :
1) معرفة إسم الله وكل إسم ثبت له ، وهذا يكون من الكتاب والسنة لأن الأسماء توقيفية ، فلا يجوز إشتقاق أو إنشاء أسماء مثل قول بعض الجُهـال أن الله هو الفنان الأعظم .
2) معرفة معنى هذه الأسماء من خلال مدلول اللغة والشرع .
3) الدوران بالقلب فى فلك هذه المعانى أى العيش مع الإسم .
4) الإنفعال الجارحى الشرعى المناسب الذى يقتضيه معنى الإسم ، فإذا علمت مثلاً أن الله هو الرزاق وعلمت المعنى المتعلق بهذا الإسم فالفعل الواجب هو عدم إلتماس الرزق من غير الله عز وجل وعدم اللجوء لغير الله عز وجل .. وهكذا إذا علمت أنه غفور إستغفرته لذنبك ، وإذا علمت أنه سميع أحجمت عن أن يسمع منك ما يُغضبه ... وهكذا ..

سؤال : هل الدهر من أسماء الله تعالى ؟ ولماذا ؟
الإجابة : لا..
(1) لأن إسم الدهر إسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى .
(2) لأنه إسم للوقت والزمان ، قال تعالى فى كتابه { وما يُهلكنا إلا الدهــر } .
(3) يقول الله عز وجل : [ يؤذينى ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدى الأمر أقلّـب الليل والنهار ] البخارى – كتاب التوحيد (7491 ) فلا يمكن أن يكون المُقلِِّـب هو المُقلَّـَب

سؤال : هل يجوز القول يا دهر إرحمنى ؟
الإجابة : إن قصد الدهر ذاته فهو كافر مشرك ، إن أراد الله فقد دعا بغير إسم من أسمائه سبحانه وتعالى .

قال أعلم الخلق صلى الله عليه وسلم : لا أُحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ...
هذا جزء من حديث عائشة رضى الله عنها وهو فى صحيح الجامع رقم ( 1291 ) وفى صحيح أبو داود (823 ) .. والحديث :" اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك " .. وللحديث عدة فوائد منها :
أولاً : دليل على أن بعض الصفات أفضل من بعض .
ثانياً : مشروعية الإستعاذة بالأسماء والصفات وأنها من أعظم أبواب التوسل .
ثالثاً : أننا لا نستطيع أن نعلم تمام مراد الله إلا من الله ، ولا نستطيع أن نحصى ألفاظ الثناء على الله عز وجل مادام أعلم الخلق صلى الله عليه وسلم لا يستطيع ذلك فما بالك بنا نحن ، ويعنى أيضاً أن هناك من الأسماء والصفات ما لا يعلمها إلا الله .
رابعاً : النفى هنا نفى كمال وليس نفى جنس حيث نفى الجنس هنا غير جائز .

أولاً : أن من الصفات ماهو أفضل من بعض

أن صـفات الله عز وجل كلها صـفات كمال ، والكمال بعضه فوق بعض ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم " اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك " فالرضا والسخط صفتان ثابتتان لرب العالمين ولكنه إستعاذ بالرضا على السخط ، ولو كانا بمرتبة واحدة ما قدم أحدهما على الآخر . وكما فىالحديث : [ إن رحمتى سبقت غضبى ] هذا السبق نوع من الأفضلية ، وكذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم لما سمع الرجل يدعو فقال : إنه سأل الله بإسمه الأعظم الذى إذا دُعى به أجاب . أى أن بعض الأسماء أفضل من بعض ، فلا يصح أن ينظر الى شأن الله كما ينظر الى شأن المخلوقين مهما علا شأنهم ، فالله عز وجل فى عُلاه ليس كمثله شئ ، وشأنه جل وعلا لا ينظر إليه إلا بالعُلو { سبح إسم ربك الأعلى } فبعد أن ذكر أنه رب ذكر أنه أعلى ، والعُلو فى كل شئ فى الذات والصفات والمكانة... والأفضلية بين الصفات لا تعنى نقص صفة عن أخرى بل هى كلها صفات عُلو وكمال ، ولكن الكمال منه ما هو كمال فوق كمال ، والمعلوم أن الصفات فرع عن الذات ، فالإنسان ذاته ناقصة فلذلك صفاته ناقصة ، أما الله عز وجل فذاته عالية ولذلك صفاته عالية حيث أن الصفات متناسبة مع الذات فالرضا والسخط كلاهما صفة كمال ، وكلام الله عز وجل صفة وليس مخلوق بل هو كلام على الحقيقة تكلم به الرحمن بحق وصوت يليق به وبشأنه جل وعلا ، وعلى هذا فكلامه أيضاً بعضه أفضل من بعض .

سؤال : من الذى يبين أفضلية صفة على صفة أو كلام على كلام ؟
الإجابة : أنه هو سبحانه وتعالى الذى يفضل صفة عن صفة ويبين لنا ذلك من الكتاب والسنة ، وعلى هذا فالسخط ليس صفة نقص بل هى فى حق الله سبحانه وتعالى صفة كمال ، وكما أن صفة الضحك والغضب والأسف الذى هو شدة الغضب فى حق الله سبحانه وتعالى صفة كمال وإن كانت فى المخلوق صفة نقص فذلك كما أوضحنا أن الصفات فرع عن الذات فلا يلتبس عليك الأمر لما نقول أن الصفات بعضها أفضل من بعض فظن أن الأفضل أعلى والمفضول أدنى ، فهذا خطأ كبير ، فالتناسب فى الأفضلية فى مطلق الكمال لا يدخل فى دائرة النقص ولكن يأتى الخطأ بسبب التشبيه بين الخالق والمخلوق وأعتقاد أن الأفضلية فى صفات الناقص كالأفضلية فى حق صفات الله الكاملة . فأنتبه للفرق وأحمل كل مسألة عقائدية فى ظل تسبيح رب العالمين . قال تعالى : { سبحان ربك رب العزة عمّـا يصفون وسلام على المرسلين } .

سؤال : لماذا جمع هنا بين تسبيحه فى هذه الآية وبين السلام على المرسلين ؟
الإجابة : لأن أعظم قوم أنزلوا الله المنزلة التى تليق به هُم المرسلون ، لذلك ذكر مكانته وذكر مكانتهم .. ولماذا سلام عليهم ؟ لأنهم هم الذين أقاموا القضية على ما ينبغى فلم يُشبهوا ولم يُمثلوا ولم ينقصوا ولم يقدموا عقولاً .. إلخ بل أخلصوا له سبحانه ، ولذلك يصفهم فى قوله تعالى { إنه من عبادنا المخلصين }
ملحوظة : هناك صفات إن نُسبت لله بإطلاق كان ذلك نقص لا يجوز ولكن هى تذكر فى مقابلة وليست مطلقة مثل { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } الأنفال 30 ، { إن المنافقين يُخادعون الله وهو خادعهم } النساء 142 ، { إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً } الطارق 15 و 16 والخديعة هى ستر أمور عن إنسان وهو لا يدركها ، وظن المنافقون أنهم خدعوا الله لفرط جهلهم بالله وهو خادعهم ، وكذلك قوله تعالى { نسوا الله فنسيهم } فهنا مقابلة لفعلهم ، وكذلك الإنتقام صفة كمال ولأنه الإنتقام من الظالمين عدل مقابلة أفعالهم ، لأن الجزاء من جنس العمل ، فكانت صفات الخداع والمكر صفة كمال لأنها فى مقابلة أفعالهم ..
لكن عندما ذكر الخيانة كما فى الآية { إن يُريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم } الأنفال 71 لم يقل ( فخانهم ) لأن الخيانة خدعة فى مقام الإئتمان وهى صفة ذم مُطلقاً سواء فى مقابلة أو مُطلقة هى صفة ذم فى كل الأحوال لذلك لم تكن من أفعال الله سبحانه وتعالى ..

ثانياً : الإستعاذة بالأسماء والصفات والتوسل بها

الوسيلة : هى ما يُتقرب به الى الله عز وجل من الواجبات والمستحبات ( أصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم )
التوسـل نوعـان : (1) توسل ممنوع (2) توسل مشروع
(1) التوسل الممنـوع :
هو التوسل بما لم يجعله الله وسيلة ، وذلك كالتوسل بالمقبورين أو بالأحياء من غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فى غير الموطن الذى شرعه الله عز وجل .
(2) التوسـل المشـروع : وهو قسمان : ( أ ) عام ( ب ) خاص
* العـام : هو إتخاذ الشريعة كلها وسيلة كما قال تعالى { وأتبعوا ما أُنزل إليكم من ربكم ولا تتخذوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون } ، وقوله تعالى { والذين يمسكون بالكتاب } فالله جعل الشريعة كلها عقيدة وأقوال وأفعال وسيلة لرضاه سبحانه .
* التوسل الخاص : هو التوسل بما شرعه الله عز وجل ، وهو أقسام :
(1) التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته وبشفاعته يوم القيامة ، وذلك لما جعله الله سبحانه وتعالى مقبول الدعاء ، والأدلة على ذلك كثيرة ( قصة المرأة التى تُصرع – الرجل الأعمى – الرجل الذى جاءه وهو على المنبر يسأله الدعاء بالمطر ... إلخ ) .

(2) التوسل بالعمل الصالح ، قال تعالى { قدموا بين يدى نجواكم صدقة } فهذا التوسل بالإنفاق ، وكذلك هناك التوسل بالذبح أو الحج أو العمرة والصلاة والصيام ، قال العلماء : ينبغى للمسلم أن تكون له خبيئة من عمل صالح لا يعلمها إلا الله ، لماذا لا يعلمها إلا الله ؟ .. قال الشاعر : إن كل ما ظهر من عملى لا أعده لأن قلوبنا أضعف من أن تُخلص والناس تنظر .
ومن الأدلة على جواز التوسل بالعمل الصالح حديث الثلاثة الذين سدت عليهم الصخرة فتحة الغار فتوسل كل واحد منهم الى الله بعمله الصالح أن يفرج عنهم ماهم فيه حتى انفرجت الصخرة وخرجوا يمشون .
وهنا أدعو نفسى وإياكم أن تتفكروا لو كان أحدنا رابعهم فبماذا كنا نتوسـل ؟ وهل لدينا عمل صالح يقبله الله منا ؟ وهل كانوا عندئذٍ سيخرجون أم سنكون سبباً لعدم نجاتهم ؟
(3) التوسل بالأسماء والصفات : كما هو ثابت فى السنة الصحيحة فى كثير من المواطن [ اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العُلى ] وهذا توسل بالأسماء [ اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك ] وهذا توسل بالصفات مع مراعاة إختيار الإسم المناسب للطلب حين الدعاء ، فإن هذا من الأدب مع الله ومن الفقه ، فلا يُقال إرحمنى يا جبار يا قوى .. لكن يُختار الإسم المناسب فيقول يا رحيم يا رحمن إرحمنى ..

ولفظ التوسل يُراد به ثلاث معان : معنيان صحيحان بإتفاق المسلمين ، والثالث لم ترد به سنة :
(1) التوسل بطاعته ، وهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به .
(2) التوسل بدعائه وشفاعته وهذا كان فى حياته ، ويوم القيامة يتوسلون بشفاعته .
(3) التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته ، فهذا هو الذى لم تك الصحابة تفعله لا فى الإستسقاء ونحوه ، لا فى حياته ولا بعد مماته ، لا عند قبره ولا غير قبره .
سؤال : هل يجوز طلب الدعاء من مخلوق فى حياته ؟
الأفضل عدم طلب الدعاء من أحد من المخلوقين فى حياته ، لكن طلب الدعاء من النبى صلى الله عليه وسلم فى حياته أفضل من الترك لما ثبت له صلى الله عليه وسلم من الفضل لكونه مقبول الدعوة .
أما دعاء الأنبياء والصالحين بعد موتهم فهو غير جائز فإن هذا من الشرك أو ذريعة الى الشرك ، وإن دعاء الغائب للغائب أعظم من دعاء الحاضر لأنه أكمل إخلاصاً أو أبعد عن الشرك ، وفى الحديث :" أعظم الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب " أخرجه أبو داود (2/1535) والترمذى (4/198) وفى لفظ " إن أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب " قال الألبانى ضعيف جداً ضعيف الجامع رقم 841 ، وفى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكّل الله به مَلكاً كلما دعا لأخيه بدعوة قال المَلَك الموكل به : آمين ولك بمثل " أخرجه مسلم (4/2732) .
ومن الأدلة أنه لا يُطلب الدعاء من المخلوقين فى حياته وإن ترك ذلك أفضل :
(1) إن الملائكة تدعو للمؤمنين وتستغفر لهم دون أن يسألهم أحد ، ولم يشرع دعاء الملائكة كما لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين . قال تعالى { الذين يحملون العرش ومن حوله يُسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعتَ كل شئ رحمة وعلماً فأغفر للذين تابوا وأتبعوا سبيلك وقِهم عذاب الجحيم ... الآية } غافر 7 – 9
(2) حديث " لا تنسنا فى دعائك " ضعّـفه الألبانى ، وإن صحّ فإن طلب النبى صلى الله عليه وسلم وهو الفاضل من عمر بن الخطاب وهو المفضول الدعاء : ذلك من باب الإحسان إليه ، ومثله مثل أمره صلى الله عليه وسلم بالصلاة على الجنائز وزيارة القبور والسلام على المؤمنين والدعاء لهم ، فهو صلى الله عليه وسلم يطب منه الدعاء لينتفع المفضول بهذا الأمر ، وعلى ذلك من قال من الناس لغيره : ادع لى أو لنا وقصده أن ينتفع بذلك المأمور وينتفع هو أيضاً كما يأمر بسائر الخير فهو مقتد بالنبى صلى الله عليه وسلم ، أما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته فهذا من السؤال المرجوح الذى تركه الى الرغبة الى الله أفضل من الرغبة الى المخلوق وسؤاله .
(3) ما ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يدخل من أمتى الجنة سبعون ألفاً بغير حساب وقال : هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ... الحديث " والرقية من جنس الدعاء – فلا يطلبون من أحد ذلك ، فوجه المدح هنا : عدم طلبهم هذا ، ولا ينفى أنهم كانوا يرقون أنفسهم وغيرهم كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضوان الله عليهم لكن دون طلبه منهم .
وأعلم أن التوسل يكون بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم وليس بذاته ، والأدلة على ذلك :
1) قول عمر بن الخطاب " اللهم إنّـا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنّـا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا " ، فدلّ على أنهم لم يتوسلوا بالنبى صلى الله عليه وسلم بعد موته وإلا ما كانوا عدلوا الى العباس والى اليزيد بن الأسود ، وقد كانوا يستطيعون الذهاب لقبره والتوسل هناك والدعاء بالجاه وما شابه ، لكن لما كان هذا غير مشروع عدلوا عنه الى المشروع .
2) حديث الأعمى الذى يحتج به الناس على أنه يجوز التوسل بذات النبى هو حُجة عليهم لا لهم فإنه صريح فى أنه إنما التوسل بدعاء النبى وشفاعته لما طلب الرجل من النبى الدعاء : أمره النبى صلى الله عليه وسلم بأن يقول : " اللهم شفّـعه في " وذلك بعد تقديم الصلاة . قال الألبانى : أى اللهم تقبل منه دعائه ( إقبل دعائه في ) وهذه الزيادة كنز من الكنوز من عرفها استطاع بها أن يطيح بشبهات المخالفين .

ثالثاً : عـدم الإحصــــاء
الإحصاء : هو الإحاطة ، والإحاطة هى العلم بالشئ على تمامه وهو غير العلم .

سؤال : ما الفرق بين الإحصاء والعلم ؟
الإجابة : الإحصاء وقد عرفته ، أما العلم : فهو إدراك الشئ على ماهو عليه فى الواقع إدراكاً جازماً ، وهو بخلاف الجهل ، والعلم هو معرفة أى قدر أو أى معلومة . فإذا علم مسألة واحدة أو أكثر يقول : عندى علم بمسألة كذا ولا يقول : أحطتُ بها ، لأن كما ذكرنا الإحاطة تمام العلم ، وهذا فيه نظر .
وقوله صلى الله عليه وسلم " لا أُحصـى " أى لا يستطيع أن يعلم الشئ على تمامه ، أى لا يعلم تمام ما إتصف الله به ولا يستطيع أن يعرف أوجه المحامد التى تليق برب العالمين إلا بما علّـمه الله ، فالنبى صلى الله عليه وسلم علم كثير من الأسماء والصفات ولم تُذكر فى القرآن ولكنه يعلم فقط ولا يُحصى .. فتنبّـه .. وهذا يعنى أن لله أسماء وصفات لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى حتى الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلمها على التمام وهو أعلم الخلق فيكون باقى الخلق أيضاً لا يستطيعون ذلك .
وعدم إحصـاء أوجه المحامد من جهتين :
الجهة الأولـى الجهة الثانية
مدلول ما عرفنا الله به من ألفاظ الثناء ألفاظ الثناء وجملة الأسماء والصفات
والإحصـاء نوعـان :
(1) إحصاء مثبت : وهذا مثل ما ذكره البخارى " إن لله تسعة وتسعين إسماً من أحصاها دخل الجنة " وهو القدر التكليفى
(2) إحصاء منفى : وهو مثل حديث عائشة رضى الله عنها " اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك " وهذا النوع هو التمام والكمال ، وهو الذى نفاه النبى صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن غيره .

سؤال : كيف يكون لله تسعة وتسعين إسماً من أحصاها دخل الجنة والحديث الثانى يقول لا أحصى ثناءً عليك . فهل هناك تعارض بين الحديثين أم ماذا ؟
الإجابة : لا يوجد أى تعارض البتة ولكن صيغة " إن لله .." لا تدل على الحصر وإثبات الملكية فى البعض لا ينفى الملكية فى غير المذكور ، بمعنى إذا قلت إن لى مائة درهم أعددتها للصدقة فهذا لا يعنى إننى ليس عندى غير هذه الدراهم أو أنى لن أتصدق بغير هذه المائة . ولله المثل الأعلى . فإن لفظ " إن لله تسعة وتسعين إسماً " لا ينفى أن لله أسماء أخرى فلا يفيد هذا اللفظ الحصر ولكن إذا قلت " ليس له إلا.." كان هذا للحصر. كما أن هذا يؤيد أن بعض الأسماء أفضل من بعض ، فهذه التسعة والتسعين لها فضل عن سائر الأسماء . فما هو هذا الفضل ؟ ما جاء فى بقية الحديث : " من أحصاها دخل الجنة " فهذه التسعة والتسعين لها فضل عن سائر الأسماء وليس معناه أن هذه هى كل الأسماء .

سؤال : ما الذى يدل على أن لله أسماء أخرى غير التسعة والتسعين ؟
الإجابة :
(1) يدل على ذلك الحديث المتقدم : " لا أحصى ثناءً عليك "
(2) حديث " اللهم إنى أسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحد من خلقك أو إستأثرت به فى علم الغيب عندك .." هو حديث صحيح وهو جزء من حديث ابن مسعود رواه أحمد وبيّن ابن القيم أهميته فى الفوائد ص 24-29 .
(3) يدل على ذلك أيضاً حديث الشفاعة وهو حديث طويل فى آخره أن النبى صلى الله عليه وسلم يستأذن ربه بعد أن يأتيه الناس فيقول : أنا لها فيسجد تحت العرش يقول : فيفتح الله علىّ بأنواع من المحامد لم أكن أعلمها من قبل ... وهذا يوضح أن هناك من الأسماء والصفات ما لم يتعلمها بعد وأن الله عز وجل سيفتح بها عليه مما سيكون سبباً لقبول شفاعته صلى الله عليه وسلم .
ملحوظة وتتمة فى مسألة الأسماء والصفات :
[1] إعلم أن كثرة الخوض والتعمق فى البحث فى آيات الصفات وكثرة الأسئلة فى هذا الموضوع من البدع التى يكرهها السلف .
[2] أن مبحث آيات الصفات دلّ القرآن العظيم أنه يتركز على ثلاثة أسس من جاء بها كلها فقد وافق الصواب وكان على الإعتقاد الذى كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح ، ومن أخلّ بواحد من تلك الأسس الثلاثة فقد ضلّ ، وهى :
1 - تنزيه الله جل وعلا من أن يشبه شئ من صفاته صفات المخلوقين ، يدل عليه قوله تعالى { ليس كمثله شئ } الشورى 1 ، وقوله تعالى { ولم يكن له كُفواً أحد } الإخلاص 4 .
2 - الإيمان بما وصف الله به نفسه لأنه لا يصف الله أحد أعلم بالله من الله ، يدل على ذلك قوله تعالى { ءأنتم أعلم أم الله } البقرة 140 ، وكذلك الإيمان بما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم الذى قال سبحانه فى حقه { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يُوحى } النجم 3-4 ، ولأن هناك أسماء لم ترد فى القرآن سمى الرسول بها ربه مثل ( الشافى ) قال النبى صلى الله عليه وسلم " إشفِ أنت الشافى " و ( الرب ) قال " أما الركوع فعظموا فيه الرب " ، والله سبحانه وتعالى قال { وهو السميع البصير } بعد قوله { ليس كمثله شئ } فيجب إثبات السمع والبصر لله سبحانه وتعالى لكن على أساس ليس كمثله شئ .
3 - قطع الطمع من إدراك حقيقة الكيفية لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل .
فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجئ ولا صفة يد ولا أصابع ولا عجب ولا ضحك لأن هذه الضفات كلها من باب واحد فما وصف به نفسه منها فهو حق وهو لائق بكماله وجلاله لايشبه شيئاً من صفات المخلوقين . فأعلم أن نزول الله حقيقى وكذلك كل شئ كان الضمير يعود فيه الى الله فهو ينسب إليه حقيقةً فالمراد بالنزول فى الحديث هو نزول الله نفسه وليس أمره أو رحمته ، ولكن يجب قطع الطمع عن إدراك حقيقة كيفية نزول الرب لأنه مستحيل لقوله تعالى { ولا يُحيطون به علماً } طه 110 .



[3] صفات الله تعالى تنقسم الى قسمين : ( أ ) ثبوتيــة
( ب ) سـلبيـة
أ – الثبــوتية : ما أثبته الله تعالى لنفسه فى كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه فيجب إثباتها لله تعالى حقيقةً على الوجه اللائق به .
ب – السـلبيـة : هى ما نفاه الله سبحانه وتعالى عن نفسه فى كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وكلها صفات نقص فى حقه كالموت والنوم والجهل والنسيان والعجز والتعب ، فيجب نفيها عن الله تعالى مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل ، وذلك لأن ما نفاه الله تعالى عن نفسه المراد به بيان إنتفائه لثبوت كمال ضده لا لمجرد نفيه ، لأن النفى ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال ، وذلك لأن النفى عدم والعدم ليس بشئ فضلاً عن أن يكون كمالاً ، ولأن النفى : * قد يكون لعدم قابلية المحل له فلا يكون كمالاً كما لو قلت الجدار لا يظلم فهذا ليس كمالاً ..* وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصاً ، فإذا كانت الصفة نقصاً لا كمال فيها فهى ممتنعة فى حق الله تعالى ، أما إذا كانت الصفة كمالاً فى حال ونقص فى حال : لم تكن جائزة فى حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق فلا تثبت له إثباتاً مطلقاً ولا تنفى عنه نفياً مطلقاً ، بل لابد من التفصيل ، وذلك كالمكر والكيد والخداع والإنتقام ونحوها .. فهذه الصفات تكون كمالاً إذا كانت فى مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها لأنها حينئذٍ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله بل وأشد ، وتكون نقصاً فى غير هذه الحال ولهذا لم يذكرها الله تعالى على سبيل الإطلاق وإنما ذكرها فى مقابلة من يعاملونه بها . قال تعالى : { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } الأنفال 30 ، وقوله { إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً } الطارق 15-16 ، وقوله { إن المنافقون يخادعون الله وهو خادعهم } النساء 142 ، ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه فقال تعالى { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم } الأنفال 71 ، ولم يقل فخانهم لأن الخيانة خدعة فى مقام الإئتمان وهى صفة ذم مطلقاً ، ولذا من يقول من العوام ( خان الله من يخون ) فهذا قول منكر فأحسن يجب النهى عنه .

[4] إعلم أن صفة الخالق لائقة بذاته ، وصفة المخلوق مناسبة لعجزه وافتقاره ، وكما أن هناك فارق بين الذات والذات كان هناك فرق بين الصفة والصفة ، ونضرب مثلاً واحداً من آيات الصفات وبالتالى ينسحب هذا على الجميع إذ لا فرق بين الصفات لأن الموصوف بها واحد وهو جل وعلا لا يشبهه شئ من خلقه فى شئ من صفاته البتة ، وهذا المثال على صفة الإستواء التى كثر الخوض فيها ونفاها كثير من الناس بفلسفة منطقية وأدلة جبلية فقالوا : لو كان مستوياً على عرشه لكان مشابهاً للخلق ولكنه غير مشابه للخلق ، ينتج عن هذا أنه غير مستو على عرشه ..!!.. وهذه النتيجة باطلة لمخالفتها صريح القرآن ، وقبل بيان الدليل على بُطلانها أود أن أُنبّـه على أمر مهم وأنصح نصيحة مشفق وهى أن كل هذا الشر إنما جاء من مسألة هى تنجُّس القلب وتلطـُّخه وتدنُـسه بأقذار التشبيه فإذا سمع ذو القلب المتنجس بأقذار التشبيه صفة من صفات الكمال التى أثنى الله بهاعلى نفسه كالنزول والإستواء وغير ذلك : أول ما يخطر فى ذهن المسكين أن هذه الصفة تشبه صفة الخلق ، فهو لا يُـقدّر الله حق قدره ولا يُعظم الله حق عظمته حيث يسبق الى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق فيكون أولاً نجس القلب متقذر بأقذار التشبيه فيدعوه هذا الى أن ينفى صفة الخالق جل وعلا عنه بإدعائه أنها تشبه صفات المخلوق ، فيكون أولاً مشبهاً وثانياً مُعطلاً ضآلاً .. فأعلموا أن صفات الله كلها صفات مدح وكمال تمدّح بها رب السموات والأرض ، وفى مثالنا هذا ما يدل على أنها صفة كمال وجلال أن الله ما ذكرها فى موضعٍ من كتابه إلا مصحوبة بما يُبهر العقول من صفات جلاله وكماله ، ومثال ذلك من الآيات ما يلى :
أ ) قوله { إنَّ ربكمُ الله الذى خلقَ السمواتِ والأرضَ فى ستة أيامٍ ثم استوى على العرشِ يُغشى الليلَ النهارَ يَطلُبُهُ حثيثاً والشمسَ والقمرَ والنجومَ مُسخراتٍ بأمرِه ألا لهُ الخلق والأمرُ تباركَ اللهُ ربُ العالمينَ } الأعراف54
ب) وقوله تعالى { إنّ ربكمُ اللهُ الذى خلقَ السمواتِ والأرضَ فى ستةِ أيامٍ ثم استوى على العرشِ يُدبّرُ الأمر مامِن شفيعٍ إلا من بعدِ إذنهِ ذلكمُ الله ربكُم فأعبدوه أفلا تذكّـرون } يونس 3
ج) وقوله تعالى { اللهُ الذى رفعَ السمواتِ بغيرِ عمدٍ ترونها ثم استوى على العرشِ وسخّر الشمسَ والقمرَ كلٌ يجرى لأجلٍ مسمىً يُدبّرُ الأمرَ يُفصّل الآياتِ لعلكم بلقاءِ ربكم تُوقنون } الرعد 2
د) وقوله تعالى { الرحمنُ على العرشِ استوى له ما فى السمواتِ وما فى الأرضِ وما بينهما وما تحتَ الثرى وإن تجهَـر بالقولِ فإنه يعلمُ السرَّ وأخفى اللهُ لا إلهَ إلا هوَ لهُ الأسماءُ الحُسـنى } طه 5-8
وغير ذلك من المواضع كثير ، والشاهد أن هذه الصفة التى يظن الجاهلون أنها صفة نقص وصف الله نفسه بها مع أن الله تمدّح بها وجعلها من صفات الجلال والكمال ،ويدل على ذلك ما أوردناه من آيات مقرونة بهذه الصفة تُبهر العقول وتسجد لله كل مخلوقاته لعظمته وجلاله ، فاللهم أرنا الحق حقاً وأرزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وأرزقنا إجتنابه ..
وأخيراً نقول قول ابن القيم رحمه الله : لفظة ( رأس ) هذه الكلمة أضفها الى المال وأضفها الى الوادى وأضفها الى الجبل قل : رأس المال ، رأس الوادى ، رأس الجبل فأنظر ما صار من الإختلاف بين هذه المعانى بحسب هذه الإضافات ، هذا فى مخلوق ضعيف مسكين فما بالك بالبون الشاسع الذى بين صفة الخالق جل وعلا وصفة المخلوق .
وختاماً : ينبغى للمؤولين أن ينظروا فى قوله تعالى لليهود { وقولوا حطة } البقرة 58 – فإنهم زادوا فى هذه اللفظة المنزلة ( نوناً ) فقالوا : حنـطة فسمى الله هذه الزيادة تبديلاً فقال : { فبدّل الذين ظلموا قولاً غير الذى قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون } البقرة 59 ، وكذلك المؤولون للصفات قيل لهم استوى فزادوا ( لاماً ) فقالوا : استولى .. فأنظر ما أشبه لامهم هذه التى زادوها بنون اليهود التى زادوها !!

رابعـاً : نوع النـفى فى كلمـة لا أُحصـى
النفى هنا ( نفى كمال ) وأوضحنا ذلك بأن أعلم الخلق لا يُحصى ألفاظ الثناء على الله ولا يُحصى تمام مراد الله من ألفاظ الثناء ، فالنفى هنا ( نفى كمال ) وليس ( نفى جنس ) فهو لا ينفى الثناء ، فإن نفى الثناء ونفى الجنس هنا فى هذا الموطن كفر والعياذ بالله .
قوله : وكيف نحصى خصائص إسم لمسماه كل كمال على الإطلاق ...
وعلمنا ما فى الإحصاء ، وهنا نقول ( وكيف نحصى ) فالمعنى هنا الإحصاء وليس العلم فإننا مثلاً نعلم أن الله حكيم لكن هل نستطيع أن نحصى معنى حكيم كاملة ، ونعلم أن الله رحيم ولكن مهما عرفنا فلن نبلغ إلا البعض، فإن كل ما أدركناه بالتعقل والتفهم والتفكر ورؤية آثار رحمته عز وجل فهو بعض مقتضى الإسم بدليل أن هناك أمور لا نعرف لها كيفية مثل إستواءه على العرش ، ونزوله الى السماء الدنيا ، وغير ذلك ،وهذا وجه من وجوه عدم الإحصاء ..
خصائص : المقصود هنا خصائصه المعنوية وليست اللفظية أو اللغوية .
إســم : ما يُقال فى الإسم يُقال فى غيره من الأسماء والصفات
لمسماه : المقصود الله سبحانه وتعالى .

وهنا سؤال : لماذا هنا تكلم عن المسمى فى حين أننا نذكر خصائص الإسم وليس المسمى ؟
الإجابة : لأن الإسم هو المسمى فى حق الله سبحانه وتعالى ، وأن أسماءه هى هو وليست غيره كما أوضحنا آنفاً .
كمال على الإطلاق : أى لا ينتهى حده ولا حدود له ، والكمال هو ما لا يُتصور معه نقص .. واعلم أن كل كمال لمن سوى الله هو كمال مقيد بمعنى : إذا قلت فلان ( كريم ) فهو مهما بلغ من الكرم ولو بلغ الكمال فهو كمال مقيد له حد لأنه كمال يليق بالمخلوق ، وسمة المخلوق النقص ، فهو له حد ينتهى عنده ..
أما الكمال فى شأن الله عز وجل فهو كمال مطلق لاحد له ، يليق به سبحانه وتعالى .
قوله : وكل مدح وحمد....
المدح هو ذكر المحاسن ، وهو الثناء بذكر الجميل ، والمدح لا يستلزم المحبة ، فقد نقول أمريكا بلد قوية بما لديها من أسلحة ، أو نقول النصارى لديهم إنضباط فى المواعيد ، ولا يستلزم هذا القول محبة هذا أو ذاك .
فالمدح هو إخبار مجرد ، وقيل المدح هو ذكر المحاسن بمقابل وبدون مقابل ، والمدح يكون بذكر الجميل الإختيارى وغير الإختيارى ..أما الحمد فهو الذكر بالجميل الإختيارى أى ذكر المحاسن دون إحسان ، وهو ذكر الله بصفات الكمال ، وقيل هو ذكر المحمود بصفات الكمال بمعنى ذكر صفات الكمال لله سبحانه وتعالى وإن لم يبدو سبباً لذلك لأن الله عز وجل مستحق لذلك أعطى أو منع فإنك تحمد الله إذا أعطاك ووهبك من نعمه ، وتحمد الله إذا أصابتك مصيبة ، والحمد يكون على الصفات الذاتية وعلى العطاء ، والله هو مستوجب الحمد ومستحقه ، المحمود على كل حال ، وهو الذى لا يحمد على مكروه سواه ، وقيل الحمد هو ذكر أوصاف الجلال والكمال ، والله سبحانه وتعالى قد حمد نفسه بنفسه من قبل أن يحمده أحد من خلقه ، فهو الحميد لنفسه أزلاً وبحمد عباده له أبداً ، إنه الحميد المطلق الذى لا حميد سواه ، المحمود على كل حال .. وفى الآيات التالية الحمد على نعمائه : قال تعالى : { الحمد لله الذى وهب لى على الكِبَـر إسماعيل واسحاق } إبراهيم 39 ، وقوله { فقال الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين } المؤمنون 28 ، وقوله { وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الأرض } الزمر 74 ..
أما فى الآيات التالية : قال تعالى { الحمد لله فاطر السموات والأرض } فاطر 2 ، وقوله تعالى { وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولياً ولم يكن له شريك فى المُلك } الإسراء 111 ، { الحمد لله رب العالمين } الصافات 182 ، فهنا الحمد على صفاته الذاتية سبحانه وتعالى .

ملحوظة : إن المدح والحمد لغةً يشتركان فى نفس الحروف ولكن بترتيب مختلف وتبايُن فى المعنى ، وهذا يسمى فى اللغة ( إشتقاق أوسط ) والمدح أعم من الحمد لأن المدح يكون بذكر الجميل الإختيارى وغير الإختيارى كأن تقول : مدحت اللؤلؤ لصفاته ، فهنا الممدوح ليس مختاراً لصفاته ، والحمد أخص لأنه يكون بذكر الجميل الإختيارى فقط .

سؤال : يخلط كثير من الناس بين الحمد والشكر : فهل الحمد هو الشكر ؟

الإجابة : لكى نعرف الإجابة لابد أن نعرف ماهو الشكر أولاً حتى نستطيع أن نعرف هل هما شئ واحد أم بينهما إختلاف ؟ فهيا نتعرف على الشكر ...
الشكر لغةً : فيه معنى الزيادة ، تقول : شكرت الأرض إذا كثر فيها النبات ، وتقول : هذه دابة شكور إذا أظهرت من السِمن فوق ما تُعطى من العلف ، فهو ظهور أثر الغذاء فى أبدان الحيوان ، وفى حديث يأجوج ومأجوج : " وإن دواب الأرض تسمن وتشكر شكراً من لحومهم " أى تسمن وتمتلئ شحماً حيث أن الله يرسل عليهم ديدان تقتلهم فتأكل الدواب لحومهم حتى تسمن سِـمناً عظيماً ، والشكور من الدواب ما يكفيه العلف القليل ، ويُقال اشتكرت السماء إذا إشتد مطرها – اشتكر الضرع إذا إمتلأ لبناً ، ويقال أشكرت الشاه إذا سمنت وأمتلأ ضرعها لبناً ، ودابة شكور أى مظهرة بسمنها إسداء صاحبها إليها ، وقيل عين شكرى أى ممتلئة .. فهذه معانى الشكر وهى تدل على الزيادة والنماء .

والشكر شرعاً : هو الثناء على المحسن بما أعطاك وأولاك فتكون شكرته وشكرت له ، والثانى أفصح .

وهو الوصف الجميل على جهة التعظيم والتبجيل على النعمة من اللسان والجنان والأركان ( جامع العلوم فى اصطلاحات الفنون – تأليف محمد على الفاروقى – تحقيق د. لطفى عبد البديع ج 2 ص 222 ) ، وهو تصور النعمة وإظهارها ، وهو مقلوب من الكشر أى الكشف ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة أو سترها ( المفردات للراغب ص 265 )
وهو فعل يُشعر بتعظيم المُنعم بسبب كونه مُنعماً وذلك الفعل إما فعل القلب أى الإعتقاد بإتصاف المحمود بصفات الكمال والجلال ، وإما فعل اللسان أى ذكر ما يدل عليه ، وإما فعل الجوارح وهو الإتيان بأفعال دالة على ذلك ، وهذا هو شكر العبد لله ( اصطلاحات الفنون ص 112 ج 3 ) .
وهو الإعتراف للمُنعم بالنعمة على وجه الخضوع . وقيل هو استفراغ الطاقة فى الطاعة ، وقال ابن منظور فى ( لسان العرب ) : الشكر هو معرفة الإحسان ونشره .
والشكور صيغة مبالغة من شكر ، وإسم الفاعل منه شاكر ، قال تعالى { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور } فاطر 30 ، قال تعالى { وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحَزَن إن ربنا لغفور شكور } فاطر 34 وقال تعالى { إن يشأ يُسكنِ الريح فيظللن رواكد على ظهره إن فى ذلك لآيات لكل صبّـار شكور } الشورى 33 ، قال تعالى { إن تُقرضوا الله قرضاً حسناً يُضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم } التغابن 17 .
قيل الشكور : معناه أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد فيُضاعف لهم الجزاء ويُجازى على يسير الطاعات كثير الدرجات .
وقيل : هو الذى يدوم شكره ويعم فضله فيُجازى على كل صغير أو كبير من الطاعة كثير من النِعَم ، هذا فى حق الله سبحانه وتعالى . فما الفرق بين الشاكر والشكور فى حق العبد لربه ؟

سؤال : ما الفرق بين الشاكر والشكور فى حق المخلوق ؟
الشاكر الشكور
هو الذى يشكر على الموجود هو الذى يشكر على المفقود
هو الذى يشكر على العطـاء هو الذى يشكر على البـلاء
هو الذى يشـكر على النفـع هو الذى يشكر على المنـع
والشكر نصف الإيمان ، قال صلى الله عليه وسلم :" الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شُكر " أخرجه البيهقى فى شُعب الإيمان عن أنس رضى الله عنه ، قال تعالى { إن فى ذلك لآيات لكل صبّـارٍ شكور } والله سبحانه وتعالى سمى نفسه شاكراً وشكوراً ، وسمى الشاكر من عباده بهذين الإسمين فأعطاهم من وصفه وسماهم بإسمه وحسبك بهذا محبة للشاكر وفضلاً ( تهذيب مدارج السالكين ) .

أركــان الشـكر : الشكر من العبد لربه يدور حول ثلاثة أشياء :
(1) إعتراف العبد بنعمة الله عليه على وجه الخضوع .
(2) الثناء عليه سبحانه وتعالى بهذه النعم ، أى الثناء على المحسن بذكر إحسانه .
(3) الإستعانة بهذه النعم على مرضاة الله وأن لا يستعملها فيما يكره .
فالشكر هو الإعتراف بإنعام الله عليك على وجه الخضوع ، فمن لم يعرف النعمة لا يشكرها ، ومن عرف النعمة ولم يعرف المُنعم كيف يشكره ؟ ومن عرف النعمة والمُنعم لكن جحدها فقد كفرها ، ومن عرف النعمة والمُنعم وخضع للمُنعم وأحبه وأستعمل النعمة فى طاعته فهذا هو الشاكر حقاً .. وهذا هو التعريف الشامل لشكر الله .
والشكر هو الغاية التى خلق الله الخلق لها ، قال تعالى { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } فلأى شئ أخرجهم من بطون أمهاتهم ؟ لعلهم يشكرون .
والله قسّـم الناس الى قسمين : إما شاكر وإما كافر ، قال تعالى { فأذكرونى أذكركم وأشكروا لى ولا تكفرون } وهو أول وصية وصّى الله بها الإنسان قال تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أُمه وهناً على وهن وفصالُه فى عامين أن اشكر لى ولوالديك إلىّ المصير } ، وقال تعالى { ولقد ءاتينا لقمان الحِكمة أن اشكر لله } وكان النبى صلى الله عليه وسلم سيد الشاكرين وإمامهم ، كان يعبد الله ليكون شكوراً كما جاء فى الحديث الصحيح عن المغيرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قام حتى تورمت قدماه ، فقيل : غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر . قال : " أفلا أكون عبداً شكوراً " . وجاء مثله أيضاً فى صحيح البخارى عن عائشة رضى الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتفطّـر قدماه . فقالت عائشة : لِمَ تصنع هذا يارسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : " أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً "..

سؤال : كيف تكون عبداً شكوراً ؟
الإجابة :
(1) بهذه العبادة التى دلنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى قيام الليل . مَن مِنا يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ؟ بل مَن مِنا يقوم الليل أصلاً ؟!! إنّا لله وإنّا إليه راجعون .
(2) الدعاء : وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقول :" اللهم أعنّى ولا تُعن علىّ وأنصرنى ولا تنصر علىّ وأمكر لى ولا تمكر بي وأهدنى ويسر الهُدى لي وأنصرنى على من بغى علىّ وأجعلنى شاكراً – وفى رواية شكّاراً – لك ذكّاراً لك رهّاباً لك مطاوعاً لك مُخبتاً إليك أواهاً مُنيباً ، رب تقبل توبتى وأغسل حوبتى وأجب دعوتى وثبّت حُجتى وأهدِ قلبى وسدد لسانى وأسلل سخيمة صدرى ( فى المسند والترمذى ) ، وعلّم صلى الله عليه وسلم معاذاً دعاءً عظيماً فقال : يا مُعاذ إنى أحبك فلا تنسى أن تقول فى دبر كل صلاة :" اللهم أعنّى على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك " .. قال سليمان عليه السلام " رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت علىّ وعلى والدىّ "
(3) العلم بأن الشكر يحفظ النعم ويزيدها ، قال تعالى { ولئن شكرتم لأزيدنكم } ولذلك يسمون الشاكر ( الحافظ ) أى الحافظ للنعمة ، فهو ( الحافظ للنعم الموجودة والجالب للنِعَم المفقودة ) قيل) الشكر قيد الموجود وصيد المفقود ) قال عمر بن عبد العزيز ( طيِّب نِعَم الله بشكر الله ) وقال ( الشكر قيد النِعَم ) وقال مطرف بن عبد الله ( لئن أعافى فأشكر أحب إلىّ من أن أُبتلى فأصبر ) .
(4) التحدث بنعم الله ، قال تعالى { وأما بنعمة ربك فحدّث } وذلك بأن يرى أثر نعمة الله عليك بغير مخيلة ولا سرف . قال صلى الله عليه وسلم " إن الله إذا أنعم على عبدٍ بنعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده " جاء رجل الى النبى صلى الله عليه وسلم وهو قشف الهيئة فقال له : هل لك من مال ؟ قال : نعم . قال : من أى المال ؟ قال : من كل المال قد ءاتانى الله من الإبل والخيل والرقيق والغنم . قال : فإذا أتاك الله مالاً فليُـرَ عليك .
قال السلف : [ لا تضركم دنيا شكرتموها ] فإذا أظهرت نعم الله عليك وأنت شاكر فلن يضرك بإذن الله . وقد ذمّ الله الإنسان الكنود قال تعالى { إن الإنسان لربه لكنود } قال المفسرون : هو الذى لا يشكر نعم الله . قال الحسن : إنه الذى يعد المصائب وينسى النعم ، وقيل : من كتم النعمة فقد كفرها ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها .
(5) أن تراعى هذا المشهد ، فهذه نعمة تستوجب شكراً آخر . دخل رجل على عمر رضى الله عنه فسلم عليه [ فقال : كيف أنت ؟ فقال : أحمد إليك الله . قال : هذا أردت منك ] وقال رجل لشهل بن عبد الله [ دخل لص بيتى وأخذ متاعى . فقال له : اشكر الله تعالى ، لو دخل الشيطان قلبك فأفسد إيمانك ماذا كنت تصنع ؟ ] وعن ابن عمر قال : [ لعلنا نلتقى فى اليوم مراراً يسأل بعضنا عن بعض ولم يُرد بذلك إلا أن يحمد الله ] أى أن غرض السؤال الدفع لحمد الله . قال أحد السلف [ يارب كيف أطيق شكرك وأنت الذى تُنعم علىّ ثم ترزقنى على النعمة شكر ثم تزيدنى نعمة بعد نعمة ] وقال ابن القيم فى تهذيب مدارج السالكين [ ومن تمام نعمته سبحانه وعظيم بره وكرمه وجوده محبته له على هذا الشكر ورضاه منه به وثناؤه عليه به ومنفعته وفائدته مختصة بالعبد لا تعود منفعته على الله وهذا غاية الكرم الذى لا كرم فوقه يُنعم عليك ثم يُوزعك شكر النعمة ويرضى عنك ثم يُعيد إليك منفعة شكرك ويجعله سبباً لتوالى نعمه وإتصالها إليك والزيادة على ذلك مها .. ]
(6) نسبة النعمة للمُنعم : فلا يقول حصلت عليها بذكائى أو بعملى أو بجهدى ، فلا بد من رد الأمر الى الله ومن هذا وقوع المطر فنجد البعض يقول : هذا لنوة كذا ، فى الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألم تروا ما قال ربكم ؟ قال : ما أنعمت على عبادى من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون الكواكب وبالكواكب"رواه أحمد ومسلم وغيرهما.قال تعالى{ وما بكم من نعمةٍ فمن الله }
(7) أن يسجد لله شكراً عند تجدد النِعَم ، وهذه عبادة عظيمة يشترك فيها الأعضاء السبعة ، وفى الحديث الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم إذا جاءه أمر يسُره خرَّ لله ساجداً شاكراً له عز وجل ، ولما جاء الى أبى بكر خبر قتل مُسيلمة : سجد لله شكراً ، فإن سجود الشكر فيه تعبير عن حمد العبد لربه .

سؤال : نحن نعيش فى نعم كثيرة : لنا أعين نُبصر بها وآذان نسمع بها وأصوات نتكلم بها وغير ذلك كثير . فهل يُشرع لنا أن نسجد دائماً ؟
الإجابة : لا بالطبع ، وذلك لأننا نتبع السُنة فى أعمالنا ، والسُنة السجود عند حدوث نعمة متجددة ، فالمشروع السجود بتجدد النعم مثل إذا أتاك خبر يسُرك أو نجّاك الله من عدو أو مصيبة .. إلخ ، فالسجود للنعمة المتجددة يُذكّر بالنعمة المستدامة ، والنعمة المتجددة تستوجب عبادة متجددة ، ولأن طروء النعمة يُسبب بطر وأشر ، فلذلك شرع السجود وهو أن تجعل رأسك ( أعلى ما فى جسدك ) تحت وأسفل إظهاراً للخضوع والذل لرب العالمين وكسر النفس فلا تبطر بالنعم ، ولذلك فإنك تجد أهل الجهل عند حدوث فرحة أو نعمة يصيحون ويفعلون المعاصى ويشعرون بالخيلاء والعُجب ، ومثال ذلك ما يحدث عند الزواج فهذه نعمة عظيمة لكن عند حدوثها تجد الكثير لا يشكرون بل يفعلون المعاصى بإسم الفرح وأنها ليلة العُمر فكل شئ مُباح ، ونسوا قول رصول الله صلى الله عليه وسلم :" صوتان ملعونان فى الدنيا والآخرة : مزمار عند نعمة ، ورنة عند مصيبة " حديث حسن ، وهو من أدلة تحريم المعازف .
(8) تذكر أن هذه المصيبة أخف من أعظم منها ، قال عبد العزيز بن أبى رواد : رأيت فى يد محمد بن واسع قرحة ، وكأنه رأى ما شق علىّ منها ، فقال لى : أتدرى ماذا لله علىّ فى هذه القرحة من نعمة ؟ لم يجعلها فى حدقتى ولم يجعلها فى طرف لسانى أهون أنها صارت فى يدى فهذه نعمة تستدعى الشكر عليها وينبغى السجود شكراً لله .
(9) الإعتناء بالنعمة والمحافظة عليها : وخاصةً مافيه رفعة للدين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من أحسن الرمى ثم تركه فقد ترك نعمة من النعم " ، وفى رواية " من ترك الرمى بعد أن علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها " حديث صحيح ، فهذه نعمة لأنه يُعين على الجهاد ويرفع به الدين . .ومن ذلك الإعتناء بفضلات الطعام وإطعامها للدواب أو الطيور ، فإن من كفران النعمة أن تُلقيها فلا يستفيد منها أحد وإن كان ولابد فأجعلها فى لفافة بعيداً عن القمامة لعلّ أحد يستفيد منها .
(10 ) أن تشكر الناس على إحسانهم إليك . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من لم يشكر الناس لم يشكر الله " صحيح ، وحديث " أشكر الناس لله أشكرهم للناس " .
(11 ) النظر الى النعمة والتفكر فى وجود ضدها الذى كان موجوداً من قبل ، مثال النظر إذا كان ذاكراً لله على الدوام أيام كان غافلاً لاهياً ، وإذا كان قارئاً أيام كان لا يقرأ ، وإذا كان له أبناء صالحين أيام أن لم يكن له أولاد ... إلخ

سؤال : ماهى أسباب تقصير العباد عن شكر نعمة الله ؟
الإجابة : لم يُقصّـر الخلق شكر نعمة الله إلا بسبب الجهل والغفلة ، فلا يُتصور شكر نعمة بدون معرفتها ، وإن عرفوا ظنوا أن الشكر عليها هو أن يقول بلسانه ( الشكر لله ) ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن تستعمل النعمة فى إتمام الحِكَـم التى أُريدت بها وهى : طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولغفلة الناس وجهلهم لا يعدون ما يَعُـم الخلق فى جميع أحوالهم نعمة ، لذلك لا يشكرون على جملة ما يجدون من نعم الله التى تفضل بها على خلقه لأنها عامة للخلق مبذولة لهم فى جميع الأحوال ، فما يجدونه غير مختص بهم لا يعدونه نعمة ، ومن ذلك تجدهم لا يشكرون نعمة الهواء ، ولو أخذ بمخنقهم لحظة حتى انقطع عنهم الهواء لماتوا ، ولو سلّط على الهواء بعض الناس لمنعوه غيرهم وتحكموا فيه ، وهذا مثال للغفلة والجهل إذ صار أيضاً شكرهم موقوفاً على أن تُسلب عنهم النعمة ثم تُرد إليهم فى بعض الأحوال وقد لا تُرد فتجد البصير لا يشكر نعمة البصر إلا أن يفقده فيشعر بالنعمة التى كان فيها ، فإذا أُعيد إليه بصره أحسّ بالنعمة وشكرها ، ومثل هذا مثل عبد السوء يُضرب دائماً فإذا تُرك ضربه ساعة : شكر ، وإن تُرك ضربه أصلاً غلبه البَـطر وترك الشكر ، فأنظرى ما تجديه من نفسك وأختارى ما ترضيه لها ..
كما أنه من الغفلة التى جعلت الناس لا يشكرون هو إعتقادهم أن المال هو النعمة التى تستوجب الشكر وما عداه ينسونه ، كما رُوى أن بعضهم شكا فقره الى بعض أرباب البصيرة وأظهر شدة إغتمامه بذلك فقال له : [ أيسـرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم ؟ قال : لا .. قال : أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم ؟ قال : لا .. قال : أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفاً ؟ قال : لا .. قال : أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم ؟ قال : لا .. قال : أما تستحى أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفاً ؟ !! ]
ودخل ابن السماك على الرشيد فى عِظَـة فبكى ودعا بماء فى قدح ، فقال : [ يا أمير المؤمنين لو مُنِعْتَ هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفديها ؟ قال : نعم . قال : فأشرب ريّـاً بارك الله فيك ، فلما شرب قال له : يا أمير المؤمنين أرأيت لو مُنِعْتَ إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفتدى ذلك ؟ قال : نعم .. قال : فما تصنع بشئٍ شربة ماءٍ خير منه ؟ ] وهذا يُبين أن شربة ماءٍ عند العطش أعظم من مُلك الأرض ، ثم تسهيل خروجها من أعظم النعم ، وفى هذا إشارة الى النعم التى يغفل عنها الكثير .
ومن النِعَم التى تستدعى شكر الله ليل نهار لكن أيضاً للغفلة والجهل كثير إلا من رحم ربى لا يفعلون وهى أن جعله الله مؤمناً لا كافراً ، وحياً لا ميتاً ، وإنساناً لا بهيمةً ، وصحيحاً لا مريضاً ، وعاقلاً لا مجنوناً ، وسليماً لا معيباً وأن الله ستر مساويه حيث أظهر الجميل وستر القبيح فما من أحدٍ إلا وهو يعرف بواطن نفسه ولو كشف الغطاء عنه لأفتضح على رؤوس الأشهاد ، وكان البعض يقول : [ لو كانت للذنوب رائحة لأبى الناس أن يَلقونى فى الطرقات ] .. فما أعظمها من نعمة وهى ستر الذنوب والمعاصى عن سائر العباد .

سؤال : بعد أن عرفنا شكر العبد فكيف يكون شكر الرب ؟
الإجابة : إن شكر الله ليس على نعمة بذلها العبد لربه فيشكره عليها ، فإن الله هو المانح دائماً والعبد هو الممنوح دائماً ، وليس لأحدٍ على الله منة ، بل المنة كلها من قبل ومن بعد لله ، ولذلك جاء فى تفسير شكر الله أنه القدرة على إثابة المحسن وأنه لا يضيع أجر العاملين ، فهو سبحانه يوفق عباده للخير ثم يعطيهم ويُثيبهم على العمل بهذا الخير الذى ساقه إليهم . والله يشكر القليل من العمل ويُعطى عليه الثواب الجزيل فالحسنة بعشر أمثالها ويُضاعف لمن يشاء . ويشكر عبده بأن يُثنى عليه فى الملأ الأعلى ويذكره عند الملائكة ويجعل ذكره فى الأرض بين العباد. كما أن العبد إذا ترك شيئاً لله أبدله الله أفضل منه شكراً له ، ألم ترى لمّا عَقَرَ سُليمان الخيل غضباً لله لمّا أشغلته عن ذكر الله فعوضه الله عنها بالريح وعلى متنها يكون سفره وتحمل جنوده من الإنس والجن ، ولمّا ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها فى سبيل الله عوضهم الله عنها بالدنيا وفتح عليهم مُلك فارس والروم ، ولمّا تحمّـل يوسف الصديق عليه السلام ضيق السجن شكر الله ذلك له ومكّن له فى الأرض يتبوء منها حيث يشاء ، ولمّا بذل الشهداء دماءهم فى سبيل الله شكر الله لهم وجعل أرواحهم فى حواصل طير خضر تسرح فى الجنة وترد أنهار الجنة وتؤوى الى قناديل معلقة تحت العرش .
حتى أعداء الله يشكرهم الله على ما يفعلونه من الخير بالمعروف فى الدنيا فيُعطيه الصحة والغنى والأولاد ونحو ذلك من متاع الدنيا ، أما فى الآخرة فليس له فيها نصيب .

ومن أمثلة شكر الله لعباده ماجاء فى الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نزع رجلاً لم يصنع خيراً قط غصن شوك عن الطريق إما كان فى شجرة فقطعه فألقاه وإما كان موضوعاً فأماطه فشكر الله له بها فأدخله الجنة " حديث حسن
وفى صحيح البخارى من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " بينما رجل يمشى فأشتد به العطش ، فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج ، فإذا بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش ، فقال : لقد بلغ هذا ما بلغ بى ، فملأ خفه ثم أمسكه بفيـهِ ثم رقى فسـقى الكلب فشكر الله له فغفر له . قالوا : يارسول الله وإن لنا فى البهائم أجراً ؟ قال : لكل كبدٍ رطبة أجراً " .
ومن شكر الله لعباده أنه يُخرج من النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ، ولا يضيع هذا القدر مادام من أهل التوحيد فإنه يلبث فى النار ما يلبث ثم يُخرجه الله من النار .

وشكر الله لمؤمن آل فرعون مقامه الذى قام لله فجاهد وقال كلمة حق عند سلطان جائر فأثنى الله عليه فى القرآن ونوّه بذكره بين عباده . .
فهو سبحانه الشكور على الحقيقة ، المتصف بصفات الكمال سبحانه وتعالى ..

سؤال : هل الشكر درجة واحدة ؟
الإجابة : إن الشكر درجات كثيرة ، فإن حياء العبد من تتابُع نعم الله عليه درجة ، ومعرفته بأن النعم إبتداءً من الله بغير إستحقاق درجة من درجات الشكر ، والعلم بالتقصير عن الشكر شُكر ، والمعرفة بعظيم حلم الله وستره شكر ، والعلم أن شكر الله نعمة من نعم الله شكر ، ومن الدرجات العليا للشكر : الشكر على البلاء وعلى المفقود وعلى المنع ..
وقسّـم البعض درجات الشـكر بحسب الشـاكرين :
أ - شكر العوام ( على النعم فقط )
ب - شكر الخـواص ( على النعم والنـِـقَم )
ج - شكر خواص الخـواص ( الإشتغال بالمنعم عن النعمة )
فالشكر من أرفع مقامات العبودية ويندرج فيه جميع مقامات الإيمان كالمحبة والرضا والتوكل وغيرها . فإن الشكر لا يصح إلا بعد حصولها . .

سؤال : ما هى ثمار الشكر ؟
الإجابة : أ – الثمـار الدنيوية : (1) يحفظ النِعَم من الزوال
(2) يجلب النِعم المفقودة
(3) يزيد النِـعَم
(4) يُسعد الإنسان

ب – الثمار الأخرويـة : (1) غرس شجر الجنة
(2) غُفران الذنب
(3) يُجازى الله بها حين يلقاه عبده وقد عضلت الملكين
(4) يُنصب للشاكرين لواء فيدخلون الجنة
(5) يكتسب حُب الرحمــن


سؤال : فما الفرق بين الحمد والشكر ؟
الإجابة : بعد أن عرفنا ماهو الشكر وكيف يكون نذكر الفرق بين الحمد والشكر :
الشكر أعم متعلقاً من الحمد : حيث أنه يتعلق باللسان والقلب والجارحة ، القلب يعرف الله ويحبه ويعرف أن النِعم منه وحده فإن الرزق فى السماء ولكن يأخذه العبد فى الأرض وليس معنى ذلك أن من يرزقه أحد من أهل الأرض ولكن هو الله الرزاق ، واللسان يُثنى عليه ويلهج بذكره ، والجوارح تستعمل هذه النِعم فيما يرضى الرب ولا تستعملها فيما يُسخطه .

أما الحمد فإنه أخص متعلقاً حيث كونه بالقلب واللسان فقط .
الشكر أخـص سـبباً والحمد أعم : حيث أن الشكر يكون فى مقابل الإحسان وفى مقابل النِعم ولا يشكر على الصفات الذاتية فلا يُقال شكرت فلان على خصاله الجميلة – ولله المثل الأعلى – وضد الشكر : الكفران .

أما الحمد فيكون فى مقابل وبلا مقابل ويكون على صفات الله الذاتية وعلى نعمائه فيُقال : الحمد لله فاطر السموات والأرض .. ونقيض الحمد : الذم .
ويجتمع الحمد والشكر : فى أنهما يكونا على السراء والضراء حيث أن الضراء نعمة أيضاً حيث أنها أخف وطأةً من الأعظم منها ، فكون الله إبتلاه بالأخف فهذه نعمة تستوجب الشكر والحمد .
والحمد هو رأس الشكر كما قال النبى صلى الله عليه وسلم : " الحمد رأس الشكر ، ما شَكَرَ الله عبد لم يحمده " حديث حسن رواه البيهقى فى شُعب الإيمان .

عود الى الكتاب :
يقول الشارح : وكل ثنـاء وكل مجـد ...
الثناء : هو ذكر المحاسن ( وقد سبق تعريفه )
المجد : هو السعة والعُلو والعظمة وإمتداد الذكر بحيث لا ينقطع وجه المدح ، وهو المروءة والسخاء والكرم والشرف – هذا بالنسبة للمخلوق .. أما بالنسبة لله سبحانه وتعالى : فالمجيد هو الكريم المفضال الذى تمجَّد بأفعاله ومَجََّـدهُ خلقه لعظمته وهو الذى إنفرد بالشرف ، جميل الفِعال ، حسن الخصال ، واسع الكرم المستحق لكل صفات المجد .
وقيل المجد يفيد السعة ويفيد كثرة إحسان الله سبحانه وتعالى وأفضاله ، ومن جهة أخرى يفيد الكمال والتمام فله سبحانه العُلو والعظمة والشرف .

يقول الشارح : وكل جـلالٍ وكل كمـال ...
الجلال : هو التعظيم الذى ينبعث من التقديس ، وقيل : هو تقديس القلب بحيث يجعله ذو مكانة من التعظيم ينفرد بها سبحانه ، وقيل : هو السلطان المطلق الباعث علىالهيبة والتعظيم ، وقيل : هو عظمة الله وكبرياؤه وإستحقاقه صفات المدح ، وقيل : الجلال من الصفات الذاتية التى يختص بها المولى ولا يُنازعه فيها أحد من خلقه ، وجلال الله لا يكون بجند وأعوان لكنه جلال ذاتى بالوصف الذى تلحق به الرفعة والعزة والعُلو ، وقيل : يتضمن هذا عظيم الهيبة وجزيل المنة وسعة المُلك وإحاطة القدرة وعِظَم العلم وكثرة الفضل .
الكمال : هو الحال الذى لا يتصور معه نقيصة ، وهو كمال مطلق أى لا حدود له ولا نهاية له ، وهو كمال فى كل شئ ، وكل كمال لغير الله فهو كمال مقيد له حد ينتهى عنده .

يقول الشارح : وكل عـز وكل جمـال ...
العز : تمام السلطان وتمام العُلو الذى ينبعث من مقتضيات المجد والعظمة ، فقد يكون هناك فى المخلوقات سلطان قوى لكنه ليس بعزيز فتجده يبطش وقد يظلم ، والعزيز فى المخلوق قد يعدل لكن ليس لديه القوة ليفرض عدله ، لكن العزيز فى حق الله سبحانه وتعالى أنه ذو سلطان ومحبة لأن سلطانه مبعوث من عزته ، وعزته مبعثها السلطان ، فالعز هو القوة والشدة والغلبة والرفعة والإمتناع ، والتعزيز هو التقوية ، فالله العزيز أى الغالب الذى لا يُغلب ، المتفرد بالعزة ، فمن عرف هذا إعتز به وتذلل إليه ، والعزيز هو الذى ليس له مثال ولا يذل ولا يُضام ولا ترقى إليه الخواطر والأفهام ، وهو الذى تشتد إليه الحاجة ، والعز هو عُلو الشأن الدائم المطلق بحيث يُفتقر إليه ولا يفتقر الى غيره ، فمن أراد العزة فليصل حبله بحبل الله وليترك الإعتزاز بالخلق ، فعزة المخلوق تزول وعزة الله أزلية أبدية لا تزول ولا تحول .
الجمال : هو التنـزُه عن كل قبيح من جهة والإتصاف بكل حسن من جهة أخرى ، وهو كل وصف يبعث على الإستحسان ، وهو حسن المظهر والجوهر الذى يبعث على الإستحسان المطلق .

يقول المصنف : وكل خـير وإحســان ..
الخير : ما يُنافى الشر ويضاده ، والخير نوعان : (1) مطلق (2) نسبى
فما كان لله فهو خير مطلق ، أما الخير النسبى فهو ما يتوهم العبد أنه خير ، وربما يكون هو فى الحقيقة شر ، قال تعالى {
الإحسان : ما لا إساءة فيه ، وهو بذل الجميل وبذل الخير لمن يستحق ومن لا يستحق ، وهذا هو الفرق بين الإحسان والعدل ، فالعدل : أن تعطى من يستحق ، والإحسان : أن تعطى من يستحق ومن لا يستحق ، والله سبحانه وتعالى أمرنا بالإحسان ، بل أمرنا أن نحسن لمن أساء إلينا .. وفى حديث الإفك القصة المعروفة حين رمى أهل الإفك والبُهتان السيدة عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها بالكذب البحت والفرية التى غار الله عز وجل لها ولنبيه صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى براءتها قرآن يُتلى ، وكان ممن خاض فى ذلك : مسطح بن أثاثة ، وكان ابن خالة الصديق ، وكان مسكيناً لا مال له وكان من المهاجرين فى سبيل الله ، وقد زلق زلقةً تاب الله عليه منها وضُرب الحد عليها ، وقد كان أبو بكر يُنفق عليه وهو المعروف بأن له الفضل والأيادى على الأقارب والأجانب ، فلمّا بلغ أبو بكر حديث مسطح فى ابنته قال : والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذى لعائشة – وفى رواية : حلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً – فأنزل الله تعالى { ولا يأتل أُولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القُربى والمساكين } يعنى مسطحاً حتى قوله { ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } النور 22 ، فقال أبو بكر : بلى والله يا ربنا إنّا لنحب أن تغفر لنا ، وعاد له بما كان يصنع . ومعنى أولو الفضل : أى الطول والصدقة والإحسان ، فها هو أبو بكر الصديق يرجع النفقة الى من تكلم وخاض فى الحديث عن ابنته رضى الله عنها ، ويبذل الخير ، ولذا كان الصديق صديقاً .
قال : .. وجـود وفضـل وبِـر فَلَـهُ ومِنـهُ ..
جود : وهو دوام العطاء مع كثرته وعظيم الكرم وعظيم الإحسان وعظيم العطاء ، وهو العطاء على غير مقابلة وهذا ليس لأحدٍ إلا الله ، ومن فرط جود الله أن جعل ما يتفضل به على العبد حق له ، وهو حق تفضُل وليس حق إستحقاق ، فالحقوق نوعان :
حق إستحقاق ومقابلة حق تفضُـل وإنعـام
وهذا هو المعنى بإسم الحق ويكون من الأعلى للأدنى أو وهذا إلتزام أدبى معنوى من الأعلى على
للنـد ، فكون الله عز وجل له حق عليك : هذا الحق هو نفسه ، يعطيه بلأدنى تفضلاً وإنعاماً ، فهو
حق إستحقاق إستحقه لأنه رب ، وحق عليك لأنك عبد ، الذى ألزم نفسه به ولم يلزمه أحد بذلك ،
فالعبد مُلزم ومدين الى الله عز وجل . فصار الأدنى صاحب حق من جهة تفضل
الأعلى عليه . قال تعالى { وكان حقاً عليناً
نصر المؤمنين }
وفضل : وهو بذل ما لا يلزمه بذله ، ولذلك يُقال : إن الصدقة ما كان من فضل مالك أى لا يلزمك أن تنفقه ، فالزكاة يلزمك أن تنفقها إذا بلغ مالك النصاب وأتى عليها الحول ، فهى إذن ليست فضل ، ويوضح ذلك أيضاً : من كان عنده فضل ظهرٍ – أى زيادة غير مطالب بإخراجها – فالفضل هو بذل ما لا يلزم بذله ، والله عز وجل ذو فضل لأنه يُعطى ما لا يلزمه إعطاءه .
وبِـر : وهو فعل ما يحمد ويجر الى علو المنزلة ، وهو مقتضى الثناء ، وهو التفضل وزيادة العطاء والإحسان المطلق ، وهو إحسان الصنيع ، وهو أن تصنع من الصنيع ما يسر بأثره ومن ذلك : بر الوالدين .
فله ومنه : أى كل هذا هو متصف به ولا يكون كل هذا إلا منه ، ولذلك يقولوا : كل فضل هو من فضل الله ، فالإنسان الكريم كرمه هذا من كرم الله عز وجل أن سخره بأن بسط له من كرمه إليه ، ولذا كان كرم الإنسان (مجازى) وكرم الله ( حقيقى ) لأن الكريم هو الذى يُعطى مما يملك من غير مقابل أما من يُعطى مما لا يملك فهذا ليس بكريم على الحقيقة .
ملحوظة : يقول بعض الناس مقولة خاطئة هى ( إن الله أكرمنى آخر كرم ) وهذا إعتقاد خاطئ لأن كرم الله لا نهاية له ، وكرم الله مطلق لا يحده حد ، ومن ظن أن كرم الله له نهاية فهو لم يقدر الله حق قدره – نعوذ بالله من هذا ..

قوله : فما ذُكر هذا الإسم فى قليلٍ إلا كـثـّـره ..
فذكر إسم الله على القليل يزيده بركة ونماء ، والبركة هى ثبوت الخير الإلهى ، ومن أمثلة ذلك : تدفق الماء من بين كفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب منه الجمع الغفير وتوضؤا وحملوا معهم فى رحالهم ، وكالطعام الذى كثر وطعم منه الكثير من الصحابة . فهذا من ذكر الله سبحانه وتعالى ولكن اعلم أنه يجب ذكر الله بالطريقة التى علمها لنا الشرع ، واعلم أن للطعام خاصتان : خاصية المادة ( من حيث الكم والكيف ) وهى للهناء ، وخاصية الإنتفاع بتأثيره وهى المراء ، وهذا تفسير قوله تعالى { فكلوه هنيئاً مريئاً } والهناء هو ما ساغ ولذّ له وكان مبعث سرور له .

.. ولا عند خوفٍ إلا أزاله ، ولا عند كربٍ إلا كشـفه ...
إن ذكر الله يُزيل كل خوف ، ويُذهب كل كرب ، وذلك لما يبعث عليه من اليقين والثقة ، فالقلب الواجف إذا ذُكر الله إطمئن وهَدَأ وسَكَن . قال تعالى { ألا بذكر الله تطمئن القلوب }
ولا عند كرب إلا كشفه لأنه يورث فى القلب الأمل وعدم القنوط ، وهنا علاقة بين الكرب والكشف وكأن الكرب غطاء يُغطى عن صاحبه النفع فيكشفه الله ويرفع عنه هذا الغطاء فيذهب الضر ويجلب النفع .
.. ولا عند همٍ وغمٍ إلا فرَّجـه ...
والهم والغم هو ما يُصيب الإنسان من ألم ، لكن الهم نتيجة ترقب وقوع مصيبة ، والغم عند التلبُس بها أو عند وقوعها . فالهم هو الخوف والألم مما سيأتى ، والغم هو الشدة من شدائد الدهر وهو الضيق وعدم الإهتداء الى المخرج ، والغم هو الحزن أى الألم على ما فات وما هو كائن ، ومنه قوله تعالى { إنما أشكو بثى وحزنى الى الله } يوسف 86 ، وقوله { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } آل عمران 153 ، وقوله { الحمد لله الذى أذهب عنا الحَزَن } فاطر 34 ، وقوله { ولا تحزنوا } آل عمران 139 ،وقوله { ولا تحزن } العنكبوت 33 ، وليس ذلك بنهىٍ عن تحصيل الحزن : فالحزن ليس يحصل بالإختيار ولكن النهى فى الحقيقة إنما هو عن تعاطى ما يُورث الحُزن وإكتسابه ، وأيضاً يجب للإنسان أن يتصور ما عليه جُبلت الدنيا حتى إذا ما بغتته نائبة لم يكترث بها لمعرفته إياها ، ويجب عليه أن يروض نفسه على تحمل صغار النوب حتى يتوصل بها الى تحمل كبارها . ( المفردات للأصفهانى ) .

.. ولا عند ضيـق إلا وسّـعه ...
والضيق هو مايستشعر المرء معه عدم كفاية حاجته سواء فى طعام أو شراب أو مال أو أى شئ آخر ، فهو ليس شئ ثابت بل هو أمر نسبى يتفاوت فيه كل شخص . والضيق ليس له علاقة بالطمع لأن الإنسان لا يرضى بما يكفيه ولا يكون عنده ضيق ولكن ذلك من طمع نفسه فهو الذى يضيق على نفسه ، فهو لا يعترف بنعمة الله وفضله .

.. ولا تعلق به ضعيف إلا أفـاده القـوة ..
وهنا سؤال : هل التعلق بالإسم أم بالمسمى ؟
وهذه قضية بين الأشاعرة وأهل السنة ، والحقيقة أن التعلُق بالإسم والمسمى واحد مادام فى حق الله تعالى وإن كان فى حق غيره ينفصلان ، لأن أسماء الله وصفاته لا تنفك عن الله ويُقصد بها ذات الله وصفاته وأسمائه من حيث الحقيقة .
تجد أن الإنسان الضعيف الذى تقطعت به الأسباب ولكنه إعتمد على الله وتعلق به بقلبه فتجده أقوى فى ظاهره وباطنه ممن يملك الأسباب ولا يتعلق بالله ، فهذه القوة العظيمة مصدرها الإعتصام بالله سبحانه وتعالى ، ومن أبلغ الأمثلة على ذلك قصة يوسف عليه السلام لمّا رماه إخوته فى الجُب كان لا يملك شيئاً حتى قميصه لم يكن معه ، ورغم تقطع أسباب الحياة والنجاة إلا أن قلبه معلق بالله عز وجل فنجّـاه ربه ومكّـنه فى خزائن الأرض فمن بعد المحنة جاءت المنحة ..
.. ولا ذليـل إلا أنـاله العـزة ..
فمن ابتغى العزة من غير الله أذله الله ، فالعزة لا تكون إلا لله وحده من تعلق به أناله العزة ..

.. ولا فقيـراً إلا أصـاره غنيـاً ..
سؤال : ما الفرق بين الغنى وذا المال ؟
الإجابة : صاحب المال : من يملك الأسباب المادية ( مُلك – سلطان – مال - ...إلخ )
والغنى: هو من إستشعر كفايته بالله وإن كان لا يملك شيئاً ، والغنى الأعظم هو العلم لأنه يصحبك فى الآخرة .

.. ولا مستوحـش إلا آنســه ..
والإنسان يستشعر الوحشة إما لأنه وحيد وإما لأنه قليل ، وقد تكون الوحدة فتنة ، لذلك إذا رأيت أنك فى الطريق وحيد وأنه لا سائر معك يؤنس وحشتك وإنك بمفردك أينما حللت : فتذكّر الله وفضل الله فتشعر أن معك أنيس ، فإن فقدت الأُنس بالناس فلا تفقد أُنسك بالله ولا تطلب الأُنس إلا بالله .

.. ولا مغلوب إلا أيّـده ونصـره ..
والمغلوب هو من علا عليه أمره فمُنِعَ من فِعْل ما يُريد ن وأعلم أن الله ينصر من ينصره ، ونُصرة الله لا تكون بالأعمال فقط بقدر ما تكون بالقلوب ، وأعظم نُصرة لله هى إنزال الله المنزلة التى تليق به أى حُسن المعتقد ، فقد يكون إنسان آمراً بالمعروف ناهٍ عن المنكر لكنه ينفِ أسماء الله وصفاته ، فهذا لم ينصر الله ، قال تعالى { وكان حقاً علينا نصر المؤمنين }

.. ولا مضطـر إلا كشـف ضـره ..
المضطـر : هو الذى ضُيِّق عليه ، وقيل هو الذى يُحمل على أمر يكرهه كأن يفعل منقاداً أو يؤخذ قهراً ، والضر هو ما أضره ، وقيل هو سوء الحال إما فى نفسه لقلة العلم والفضل والعفة ، وإما فى بدنه لعدم جارحة ونقص ، وإما فى حاله ظاهره من قلة مال وجاه ، وقيل ضره ضراً : جلب إليه ضراً ، كشف ضره : أى رفع ما يمنع وصول النفع والنعماء إليه ويمنع جلب الضراء له ..

.. ولا شريد إلا آواه ...
الشريد : هو من لا مأوى له ، واصل التشريد التطريد ، وهذا يجعل العبد متعلق بربه يعلم أن لا مأوى له إلا الله وأن هذا هو كل الخير له .

..فهو الإسم الذى تُكشـف به الكُربات ..
وقد عرفنا أن الكرب كأنه غطاء يمنع عن صاحبه النفع فيُزيله الله ويرفعه فيصل النفع الى العبد .
ومعنى الكشف : رفعك شيئاً عمّأ يواريه ويُغطيه ( قول الليث ) كأن يقال : كشف الثوب عن وجهه أو كشفت الغمة ، قال تعالى { وإن يمسسك الله بضُرٍ فلا كاشف له إلا هو } الأنعام 17 ، وقوله تعالى { فيكشف ما تدعون إليه } الأنعام 41 ، ومثل قوله تعالى { لقد كنت فى غفلةٍ من هذا فكشفنا عنك غطاءك } ق 22 ، وقيل : أصله من قامت الحرب على ساق أى ظهرت الشدة لقوله { يوم يُكشف عن ساقٍ } القلم 42 .

الكربات : جمع كُربة ، وهى ما يلم بالعبد مما يكرهه ، وهى الغم الذى يأخذ بالنفس ، وقوله : هو الإسم الذى تُكشف به الكُربات : ذكر الإسم هنا ليس معناه ذكر الإسم مجرد ولكن ذكر الذكر الذى يتعلق بالإسم وما جاء به الشرع فى ذلك ، ولقد جعل الله لكل أمر دعاء ، وما جعله أيضاً من ألفاظ شرعية فيها الخير والبركة والعطاء : فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب [ لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ] رواه البخارى ومسلم .

.. وتُسـتنزل به البركـات ..
النزول فى الأصل هو إنحطاط من عُلُو ، والسين إذا دخلت على الفعل المضارع تفيد القُرب ، وإذا دخلت على الفعل الماضى تفيد الطلب ، فإسم الله يجعل البركة تثبت وتحل فيما ذُكر عليه .
والبركات : جمع بركة ، والبركة : ثبوت الخير الإلهى فى الشئ ، قال تعالى { لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض } الأعراف 96 ، وسُمى بهذا لثبوت الخير فيه ثبوت الماء فى البِركة .
والمبارك ما فيه ذلك الخير قال تعالى { وهذا ذكرٌ مبارك أنزلناه } الأنبياء 50 تنبيهاً على ما يفيض عليه من الخيرات الإلهية ،ولما كان الخير الإلهى يصدر من حيث لا يُحس وعلى وجه لا يُحصى ولا يُحصر قيل لكل ما يُشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة .

.. وتُجاب به الدعـوات ..
من أفضل أبواب التوسل الى الله : التوسل إليه بأسمائه وصفاته مثل أن تقول : اللهم لا إله إلا أنت أسألك يا سميع يا سامعاً لكل شكوى أن تُفرّج كربى وتغفر لى ذنبى .. إلى غير ذلك ..
ألم تر قول النبى لمّا سمع رجلاً يدعو فقال : " لقد دعا باسمه الأعظم الذى إذا دُعى به أجاب "

.. وتُقـال بـه العـثرات ..
الإقـالة : هى الإزالة ، تقول : أقلت عثرته أى أزلت عثرته ، والإقالة هى الرفع وهى الحجب وكلها معانى قريبة ، والعثرات : هى ما يتعثر بها السائر وتعوقه عن المضى فى سيره أو إستكمال مسيرته ، والعثرات جمع عثرة وهى كل ما يعوق أو يحول بين السائر وطريقه ، فالإعاقة تسمى عثرة ، وقيل تعثّـر إذا سقط أو عاقه شيئاً ، والعثرة قد تكون معنوية أو مادية ، فقد لا يستطيع العبد أن يتحدث بفصاحة أو إقناع ، دليل ذلك { وأحلل عقدةً من لسانى يفقهوا قولى } طه 27-28 فهذه عثرة أعاقت موسى عليه السلام من التحدث ، وقد تكون حجر فى الطريق يمنع دون وصولك أو إستكمال طريقك ، وقد تكون العثرة فتنة فى الدين أو مصيبة فى الدنيا – عافانى الله وإياكم من هذا وذاك .

.. وتُسـتدفع بـه السـيئات ..
فإن السيئة كالقطار يريد أن يُهلكك ويدهسك إن وقفت فى طريقه ، وكالحجر الجاثم على صدرك فتحاول أن تدفعه عنك حتى لا يقضى عليك ، والسيئة لا تُدفع إلا بالحسنة ، وقد يُهدى إليك حسنة تكون سبباً فى نجاتك ، فمن الذى دفع عنك السيئة ووفقك الى الحسنة ؟ الله سبحانه وتعالى هو الذى وفقك للحسنة وقَبِلَها منك ودفع بها السيئة عنك ، قال تعالى { أقم الصلاة طرفى النهار وزُلفاً من الليل إن الحسنات يُذهبن السيئات } هود 114
سؤال : ما الفرق بين دفع السيئة ومحو السيئة والمغفرة ؟
[ قال بعض العلماء : إن محو الذنوب والسيئات يُسمى عفو ، والعفو أبلغ من الغفران لأن المغفرة ستر الذنوب والعفو محو وإحسان وذلك من فضل الله ورحمته . وقال الغزالى : العفو قريب من الغفور ولكنه أبلغ منه فإن الغفران يُنبئ عن الستر والعفو يُنبئ عن المحو ، والمحو أبلغ من الستر ]
الإجابة : الدفع أى المزاحمة أو الإنهاء أو الصرف أو الرد ، ودفعه أى نحاه وأزاله بقوة ، هذا لغةً .
والدفع شرعاً : الإتيان بحسنة بحيث تربو فى الميزان أمام السيئة كما فى قولخه تعالى { إدفع بالتى هى أحسن السيئة } المؤمنون 96 ، وأحسن الحسن ذكر الله ، فإن كنت صادق وذكرت الله ليس بلسانك فحسب ولكن بقلبك وجارحتك لدفع الله عنك هذه السيئة .
والدفع هو جبر النقص أو معادلة الميزان وزيادة حتى تربو كفة الحسنات ، فالسيئة موجودة لكن الحسنة زادت عليها وثقل بها الميزان .
المحو: هو الإزالة بحيث لا يبقى أثر وكانك أتيت بورقة بيضاء وخططت بها خطوطاً ثم أتيت بممحاة وأزلت بها الخطوط فلم يبقى لها أثر وعادت الورقة بيضاء ، ويوضح هذا الحديث : " إن الله ليبتلى العبد حتى يمشى على الأرض وما عليه خطيئة " فهذا معناه أن سيئاته قد مُحيت ، وهذا قد يكون بالإبتلاء ، فالبلاء محو للخطايا وذلك مع الصبر.
المغفرة : لغةً : أصلها من غفر والغَفْرُ إلباس ما يصونه عن الدنس ومنه اغْفِر ثوبك فى الوعاء وأصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ ، وقيل : اغفروا هذا الأمر بغفرته أى : استروه بما يجب أن يستر به ( ملحوظة : يُقال للزارع كافر لأنه يستر الحبة ويُغطيها بالتراب فالغَفْر هو الستر والكَفْر ) والغِفارة : خِرقة تستر الخمار أن يمسه دُهن الرأس ، والغفران والمغفرة شرعاً : هو أن يصون الله العبد من أن يمسه العذاب ، قال تعالى { غفرانك ربنا } البقرة 285 ، وقوله تعالى { ومن يغفر الذنوب إلا الله } آل عمران 135 ، والإستغفار : طلب ذلك بالمقال والفِعال قال تعالى { إستغفروا ربكم إنه كان غفّاراً } نوح 10 ،
إذن فالمعصية موجودة وليس لها دافع يستدفعها ، ولم تُمح وزال أثرها ببلاء مثلاً أصاب العبد فى دنياه وصبر لكن هناك أمر ما له عند الله قد يكون توحيد أو إيمان أو موقف ما فيكون هذا سبباً لنيل مغفرة الله سبحانه وتعالى .
فالمغفرة هى وجود ذنب فعله العبد لكن لم يؤثر عليه هذا الذنب لأن الله حجب أثره فأصبحت رحمة الله حامية من أثر هذا الذنب ، فأصل المغفرة من المغفر الذى هو غطاء الرأس الذى يلبسه المقاتل ليحمى رأسه من أذى الحرب ، فكانت المغفرة هى حماية الله للعبد من أثر الذنوب ولكن المعصية أو الذنب نفسه موجود وذلك للحديث فى البخارى : إن الله يكتنف أحد عباده فيقول : أتذكر ذنب كذا يوم كذا ؟ فيقول : نعم يارب ، ويعد عليه ذنوبه فلا يُنكر منها شئ ، ثم يقول الله له : إنى قد غفرتها لك بصيام يوم قائظ شديد الحر ، فيكون ذلك سبباً لمغفرة الله له ، وهذا بالطبع لا يكون إلا للموحدين لأن الله عز وجل لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فالمشرك لا يدخل الجنة ولا يُغفر له وإن صام وصلى ، فلابد من وجود الأصول والثوابت لنيل مغفرة الله عز وجل .
ومن جهة أيهم أفضل : فالمحو هو الأفضل لأن الله لا يُعطيه إلا لأهل محبته ، فالله يبتلى المرء على قدر دينه ، فإن وجد فى دينه صلابة زيد له فى البلاء حتى يمشى على الأرض وليس عليه خطيئة وهؤلاء هم الصابرون الذين يُوفون أُجورهم بغير حساب ، فإذا جاءك البلاء فاعلم أن باباً للجنة قد فُتح لك فلا تُغلقه أنت بعدم الصبر والسخط ولأن الذى قدّر البلاء هو رب العالمين فأصبر لتكون من أهل الجنة .
لكن إعلم .. أن الذى غفر له ذنبه فى الجنة والذى مُحيت يسئاته فى الجنة والمدفوع سيئاته فى الجنة لكن الجنة درجات كما أن النار دركات ..
وأعلم أنك مطالب بأن تدفع وأن تصبر ومطالب بأن تطلب أسباب المغفرة لأنك قد تفعل ما يدفع ولا يدفع ، ويمكن أن تُبتلى فلا تصبر ، فالرجاء أن يمن الله عليك بالمغفرة ،وهذا سر كثرة ذكر المغفرة فى القرآن لأن الجميع يقع تحتها ، أما الدفع والمحو لا يبلغه إلا البعض .
قال العلماء : إن حظ العبد من إسم ربه الغفار أن الله يغفر لذاكره ويستر قبيح أعماله ويغطيها بجميل ظاهره .

.. وتُسـتجلب به الحسـنات ..
فهى المقابل لدفع السيئات ، ولابد أن تعلم أن :
1) لا يهدى الى البر إلا الله
2) لا يُعين على أدائه إلا الله
3) لايقبله منك إلا الله
4) لا يُثبتك عليه الى الممات إلا الله

وهو الإسم الذى قامت به الأرض والسموات ..
نعم ذلك لأنه قيوم السموات والأرض سبحانه وتعالى ، وهنا لما قال الإسم الذى قامت به : ذلك لأن الإسم والمسمى فى حق الله واحد وإن تصور عدم إتحادهم فى شأن غيره ، فالإسم علامة على ذات الله لا يتصور إنفصالهما ولا يُتصور أن يُراد إلا هو ، بينما فى حق المخلوق : من المتصور إنفصالهما فإنك إذا قلت أحمد : هذا إسم عَلَم لكن ليس بالضرورة أن يدل على مُعين بذاته بل من المتصور أن يدل على أكثر من مُعين ، وقد يُتصور إنفصال الإسم كلفظ لغوى ، وقد يكون لا مدلول له كأن تقول على شخص إسمه كريم ولا يكون هذا الإسم له مدلول حقيقى أو يدل على مسماه فقد يكون غير كريم ، وقد يُقال لشخص عبد الله وهو أكفر عباد الله ، لكن فى حق الله سبحانه وتعالى الإسم هو عين المسمى وهو ذات الله ، ولذلك لما نقول ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فلا يُفهم من ذلك أنه ثلاثة – نعوذ بالله من ذلك – لكن كل هذه الأسماء والصفات واحد ، وتعدد الصفات لا يقتضى تعدد الموصوف ولو كانت مئات وألوف الأسماء ، ولما نقول ربوبية وألوهية : ليس معنى ذلك أن هناك رب وهناك إله غيره ، لكن الرب والإله والأسماء والصفات كلها فى حق الله هى الله وحده .
وكذلك لما نقول هو الإسم الذى قامت به الأرض والسموات فلا يعنى هذا أنه الحروف والكلمات لكن قامت بالله جل فى عُـلاه ..

.. وبه أُنـزلت الكـتب ...
الإنزال من أعلى لأسفل ، والإنزال من الله إما إنزال الشئ نفسه كالقرآن ، وإما إنزال أسبابه والهداية إليه كإنزال الحديد واللباس والمطر ، قال تعالى { الله الذى أنزل الكتاب } الشورى 17 ، وقوله { وأنزلنا الحديد } الحديد 25 ، وقوله { وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً } الفرقان 48 .
والكتب جمع كتاب ، والكتاب فى الأصل مصدر ، ثم سمى المكتوب فيه كتاباً
والكتاب إسم للصحيفة مع المكتوب فيه ، قال تعالى { يسألك أهل الكتاب أن تُنزلّل عليهم كتاباً من السماء } النساء 153 ، فإنه يعنى صحيفة فيها كتابة ، والكَتْبُ : ضم أديم الى أديم بالخياطة ، يُقال : كَتَبْتُ السّـقَاء ، وكتبت البَغْلَة : جمعت بين شفريها بحلقة ، وفى التعارف : ضم الحروف بعضها الى بعض بالخط . وقد يُقال ذلك للمضموم بعضها الى بعض باللفظ ، فالأصل فى الكتابة النظم بالخط لكن يُستعار كل واحد للآخر ولهذا سُمى كلام الله ( كتاب ) وإن لم يكتب كتاباً كقوله تعالى { ألـ~ـم~ ذلك الكتاب } البقرة 1-2 ، وقوله تعالى {قال إنى عبد الله أتانىَ الكتاب } مريم 30 ، وسُمى جماعة من الرجال العسكر ( كتيبة ) لأنهم إجتمعوا بعضهم الى بعض ، ولذلك سُمى المكتوب كتاباً لضم الكلمات بعضها الى بعض .

.. وبه أُرسـلت الرسـل ..
الرسل جمع رسول ، ورسل الله تارةً يُراد بها الملائكة وتارةً يُراد بها الأنبياء لقوله تعالى { إنه لقول رسولٍ كريم } الحاقة 40 ، وقوله { إنّا رُسُل ربك لن يصلوا إليك } هود 81 ، وقوله { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبُشرى } هود 69 .. أما عن الأنبياء قوله تعالى { وما محمد إلا رسول } آل عمران 144 ، وقوله تعالى { يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك } المائدة 67 ..
والرسول هو الذى يُبلّغ من الأعلى الى الأدنى أو يُبلّغ من الند الى الند ..
أما من يُبلّغ من الأدنى الى الأعلى يُسمى شفيعاً أو وسيطاً ..
والرسل أصلها الرِّسْـل : الإنبعاث على التؤدة ، ويُقال ناقة رِسْـلَة سهلة السير ومنه الرسول المنبعث ، وتُصُـوِّر منه الرفق فقيل : على رسلك ، وتارة الإنبعاث وهو الذى اشتق منه الرسول ، والرسول يُقال تارةً للقول المتحمل وتارةً لمتحمل القول والرسالة . والرسول شرعاً هو الذى جاء مُبلّـغاً عن ربه .
سؤال : ما الفرق بين الرسول والنبى ؟
الإجابة : الرسول معه رسالة ، والنبى ليس معه رسالة وإنما يأمر بما كان فىالناس من رسالة ويؤكد ويُبين رسالة من سبقه من الرسل ، وقال البعض : أن النبى والرسول قد يكون مع كلاهما رسالة لكن الرسول أُمر بالبلاغ والنشر والنبى لم يؤمر بالبلاغ والنشر إنما يُبلِّغ من أتاه ولا يخرج ولا ينشر ..

.. وبه شُـرعت الشـرائع ...
به : أى بسم الله
الشرائع : جمع شريعة وشرع ، وشُرعت بمعنى أُقيمت علامات ، والشَّرْع : نَـهْـجْ الطريق الواضح ، يُقال : شَرعتُ له طريقاً ، والشرع مصدر ثم جُعل إسماً للطريق النَّـهج فقيل له : شِرْعٌ وشَـرْع وشَـريعة ، وأستُعير ذلك للطريقة الإلهية ، قال تعالى { شِرعةً ومنهاجاً } المائدة 48 وذلك إشارة الى أمرين :
(1) ما سخر الله تعالى عليه كل إنسان من طريق يتحراه مما يعود الى مصالح العباد وعمارة البلاد { ورفعنا بعضهم فوق بعضٍ درجاتٍ ليتخذَ بعضهُم بَعضاً سُخرياً } الزخرف 32 .
(2) ما قيل له من الدين وأمره به ليتحراه إختياراً مما تختلف فيه الشرائع وعترضه النسخ { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فأتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون } الجاثية 18 .. قال ابن عباس : الشَّـرعة ما ورد به القرآن والمنهاج ما ورد به السنة . أ.هـ.
والشرائع هى منارات على الطريق ، ومنها شراع القارب .

وبه قامت الحـدود ..
وليس المقصود بالحدود هنا القِصاص إنما المقصود هو كما فى قوله تعالى { تلك حدود الله فلا تعتدوها } أى الموانع التى تمنع من الوقوع فيما يُغضب الله ، فالحد فى اللغة له معانى كثيرة منها الحد بمعنى القطع أو التعريف أو الحقيقة أو النهاية ... إلخ .

.. وبه شُـرع الجهـاد ..
قال تعالى { إن تنصـروا الله ينصركم } وفى الحديث :" قاتل بإسم الله " وفى رواية " على إسم الله " فمعنى ذلك أن تجعل الجهاد والقتال من أجل رفع إسم الله ونُصرة دينه وليس حمية أو تعصُـب ، إنما الجهاد فى سبيل الله سبحانه وتعالى ..

.. وبه انقسمت الخليقة الى سـعداء وأشـقياء ..
وهى لها عدة معان :
(1) أنه يقصد أنه قدر المقادير وقضى أن من الناس من هو سعيد ومن هو شقى .
(2) أن الناس أمام الإيمان بالله وإعلاء كلمة الله إنقسموا : فمنهم من قدس وعظم وهؤلاء هم السعداء ، ومنهم من إستخفّ وأستهزأ وهؤلاء هم الأشقياء .. فالسعداء هم المؤمنين الذين آمنوا ، والأشقياء هم الذين كفروا . أى إنقسمت الخليقة الى مؤمن موافق للغاية التى خلق الله الخلق لأجلها ، وكافر مخالف للغاية التى خلق الله الخلق لأجلها .أى إنقسمت الى فريقين :
1 - فريق فى الجنة
2 – وفريق فى النار ( قسم خالد فيها - وقسم لا يُخلـد فيها )

.. وبه حـقت الحـاقة ووقعت الواقعـة ...
حقت : أى ثبتت ووجبت وصدقت وصحت وتيقنت . والحاقة : النازلة أو الداهية ، وتُطلق على يوم القيامة ، والمعنى أيضاً : الشئ الثابت حقيقةً ويقيناً ..
ووقعت : أى أمر واقع أو حصلت ، وقيل ثبتت .
الواقعة : هى النازلة من صروف الدهر ، وهى إسم من أسماء يوم القيامة ، وهى الصدمة بعد الصدمة .. فهى من أسماء الساعة والساعة بإذن الله وحده لا يعلمها إلا هو .

.. وبها وضعت الموازين القسـط ونُصب الصـراط ...
فلله وحده نصـب الموازين ومحاسبة الخلائق ، والموازين القسط هى أضبط الموازين وأقومها ، ويُطلق عليها أيضاً : القسطاس . والقسط هو العدل .
والصراط : هو المعبر الذى يكون بين ضفتين ، فالصراط هو جسر جهنم الذى يمر عليه كل الناس يوم القيامة حتى الأنبياء ، وكلٌ منهم على حسب إمتثاله للأمر وإجتنابه للنهى ، وكلٌ حسب تحقيقه للغاية الت خلقهم الله لأجلها : من إستقام على صراط الله الذى هو دين الحق فى الدنيا إستقام على هذا الصراط فى الآخرة ، فمنهم من يمر كالرياح المرسلة ، ومنهم من يمر كأنقضاض الكواكب ، ومنهم من يمر كالطرف ، ومنهم من يمر كالبرق أو أسرع ما يكون ، ومنهم من يمر متباطئاً بحسب تباطئه فى الدنيا ، ومنهم من يرمل رملاً ، ويمر المُقِـل فى العمل الصالح تخـر يـدٌ وتعلق يـد وتُصيب جوانبه النار فيخلصـون ( فيخلصون : إذا خلصوا قالوا : الحمد لله الذى نجّانا منكِ بعد أن أراناكِ ، لقد أعطانا الله ما لم يُعطِ أحد )
والصراط فى الدنيا هو الطريق ، وهو شرائع الله وحدوده وأوامره ونواهيه التى قضى بها سبحانه { وأن هذا صراطى مستقيماً } والصراط يكون بعد الحساب ، وهو عام لجميع الناس ، والمرور على الصراط هو الورود المذكور فى قوله تعالى { وإن منكم إلا واردها } مريم 71 . [ لا ينجو منه أحد ، وأشار النبى صلى الله عليه وسلم الى أن ورود النار لا يستلزم دخولها ، فالجميع يمرون فوق جهنم فوق الصراط ، ويُنجّـى الله المؤمنين ويذر الظالمين فيها جثياً ، وذلك فى الحديث الذى أخرجه مسلم (صحيح مسلم بشرح النووى ج 16 ص57)]

.. وقام سـوق الجـنة والنـار ..
فكل ما قدمته تستلمه ، من قدم ثمن الجنة يستلم بضاعته منها ، ومن قدم ثمن النار يستلم نصيبه منها { ذلك بما قدمت يداك }

.. وبه عُـبِـدَ رب العالمين وحُـمِـد ..
فنحن لا نعبد الله إلا بما علّمنا الله وبما شرّعه الله وبالله .
وحُمِد : فالله هو الحميد لنفسه أزلاً وبحمد عباده له أبداً ، فهو الذى علّمنا أن نحمده ، وهو المستحق لأن نحمده. وهنا ذكر الحمد بعد العبادة من باب عطف الخاص على العام لإبرازه لأهميته ، فالعبادة داخل فيها الحمد بلا شك ولكنه ذكره بعد العبادة رغم أنه داخلاً فيها لبيان أهميته وعظمته ..

.. وبحقه بُعثت الرسـل ..
بحق الله سبحانه وتعالى بُعثت الرسل ، فالرسل جاءت لتُقيم حق الله ، ولأن هذا هو حق الله الذى يستحقه ، وعن مُعاذ بن جبل قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم : يا مُعاذ أتدرى ما حق الله على العباد ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً .. الحديث ، وهو فى البخارى .

.. وعنه السـؤال فى القـبر ..
جاء فى حديث البراء فى المسند وغيره وفيه :" إن العبد أول ما يُسئل فى قبره : من ربك .. الحديث ( أخرجه أبو داود 3212 وابن ماجه 1548 ) فهن هذا الإسم ( الله ) سيُسأل كل عبد كما جاء فى حديث فتنة القبر عند البخارى .

.. وبه الخصـام .. فما كان بالله فهو الحق ، وما دون ذلك فهو الباطل .
.. وإليه المحاكمة .. أى طلب الفصل فى الخصومات وإعطاء كل ذى حقٍ حقه .
.. وفيه الموالاة والمُعاداة .. فنوالى المؤمنين فى الله ، ونُعادى الكافرين فى الله .
.. وبه سعد من عرفه وقام بحقه ، وبه شقى من جهله وترك حقه ...

فمن عرف الله وعرف أنه المُنعم المُستحق للعبادة وأنه لا إله غيره الذى يُفزع إليه فى النوائب ويُستعان به ويُستغاث به ، وأنه ذو الفضل العظيم الرحمن الرحيم الملك القدوس العزيز الجبار .. إذا عرف هذا كله لابد أن يحبه ، وإذا أحبه لابد أن يقوم بحقه ، وإذا قام بحقه سعد بلاشك بالله وبعطاءه ، ومن جهله وجحد نعمائه ولم يقم بحقه فهذا شقى لم يذوق أحلى مافى الدنيا وهو الإيمان { فمن تبع هُداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى } طه 123 ، فهـو سر الخلق والأمـر .. الله سبحانه وتعالى له وحده الخلق وله وحده الأمر ، له وحده الإيجاد وله وحده التشريع الأمر والنهى { أيحسبُ الإنسان أن يُترك سُـدى } ، { وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مُخلصين له الدين } .

.. وبه قاما وثبـتا وإليـه إنتهيـا ..
فالخلق به وإليه ولأجله ، فما وجد خلق ولا أمر ولا ثواب ولا عقاب إلا مبتدئاً منه منتهياً إليه .. فالله سبحانه وتعالى هو الأول والآخر وهو الذى يحتاج إليه غيره ولا يحتاج هو الى شئ ، وهو المستغنى بنفسه ولا يستغنى غيره عنه . والأول أولية لا يُحيط بها العقل ولا يُدركها الذهن ، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم أنت الأول فليس قبلك شئ وأنت الآخر فليس بعدك شئ " رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة – فهو الأول بلا إبتداء والآخر بلا إنتهاء ، وإذا ما حاولت بعقلك إدراك حقيقة أوليته عجزتَ ، وإذا حاولت أن تحيط بكنهه تحيرت فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك . وما من موجود إلا وله موجد يوجده ، وكل ما فى الكون موجود وموجده الله جل وعلا ، وسوف تفنى الخلائق جميعاً ويبقى الله وحده يُخاطب من لا يملك الرد على تساؤله : لمن المُلك اليوم ؟ فيرد سبحانه على نفسه بنفسه قائلاً : لله الواحد القهّـار " ..
.. وذلك موجبه ومقتضاه { ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار }.. آل عمران 191
إن الله سبحانه لم يخلق هذا باطلاً لأنه حكيم ومُنزّه عن كل عيبٍ ونقص ، فهو خلقه بحق وابتداءه حق ، وحتى ينتهى الى الله عز وجل فيُحاسب الخلائق فهناك جنة ونار وثواب وعقاب ، فإن المرجع إليه ، ولذلك فى الآية إعجاز عظيم فالمقتضى العقلى يقول : ربنا ما خلقت هذا باطلاً فأهدنا الى الحق ، ولكنه سبحانه قال :{ ربنا ما خلقت هذا باطلاً فقنا عذاب النار } . فلماذا ؟ لأنه طالما أنه لم يخلق هذا بالباطل وإنما بالحق فلابد من رجوع الخلائق إليه ليُحاسبهم ، فطلبهم الوقاية من النار هو طلب القيام على الحق وطلب الطاعة وترك المعاصى وطلب الخاتمة الحسنة وطلب الحشر على الخير ... إلخ ، فهذا الطلب له سوابق وهى أن هذا هو الحق ولذلك طلبوا ذلك ..
قولـه ( الرحمـــن الرحــيم )...
الرحمن على وزن فعلان ، والرحيم على وزن فعيل ، ومن المعلوم فى اللغة أن كثرة المبنى تدل على سعة المعنى فى اللفظ الواحد ، وبناء عليه فالرحمن أوسع معنى من الرحيم . وقال ابن كثير فى تفسيره : زعم بعضهم أن الرحيم أشد مُبالغة من الرحمن لأنه أكَّـد به والتوكيد يكون أقوى من المؤكد .
ولكنه رد عليهم بقوله : هذا ليس من باب التوكيد وإنما هو من باب النعت ولا يلزم فيه ما ذكروه ، ويؤكد أن الرحمن أشد مبالغة فى الرحمة لعمومها فى الدارين لجميع خلقه ، ولذلك قرن هذا بالعرش فقال جل من قائل : { الرحمن على العرش إستوى } طه 5 . أما الرحيم فهو خاص بالمؤمنين لقوله تعالى { هو الذى يُصلى عليكم وملائكته ليُخرجكم من الظلمات الى النور وكان بالمؤمنين رحيماً } الأحزاب 43 .
سؤال : إذا كان الرحمن أشد مُبالغة من الرحيم فلماذا لم يكتف به ؟
الإجابة : قد أجاب بعضهم عن ذلك بأنه حين تجرأ البعض من الكذابين فسمى نفسه ( الرحمن ) – وهو مسيلمة الكذاب – جئ بلفظ الرحيم ليقطع التوهم فى ذلك فإنه لا يُوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى .
لكن هذه الإجابة يرد عليها بأن القرآن قديم وتسمية الله تعالى بأسمائه قديمة وليست معللة بعلة إلا ما توحى به معانيها العظيمة وما يبطن فى علم الله منها . وإشتراك الأسماء فى اللفظ أو المعنى إنما هو لتأكيد عظمة الله وقيوميته وقد ورد من أسمائه المُعطى والرزاق والوهاب كما ورد الرءوف والرحيم والعفو وكلها تشير إلى معان متقاربة .
وقيل أن لفظ الرحمن يدل على من تصدُر عنه آثار الرحمة بالفعل وهى إفاضة النعم والإحسان أما لفظ الرحيم فيدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان وبهذا لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر ولا يكون الثانى مؤكداً للأول ويكون ذكرها بعد صفة الرحمن كذكره الدليل بعد المدلول ليقوم به البرهان .
سؤال : هل ( الرحمن الرحيم ) مشتقان أم لا اشـتقاق لهما ؟
الإجابة :
قال القرطبى : إختلف العلماء فى إشتقاق اسم الرحمن ، فقال بعضهم : لا إشتقاق له ، لأنه من الأسماء المختصة به سبحانه ، ولو كان مشتقاً من الرحمة لأتصل بذكر المرحوم فجاز أن يُقال : الله رحمن بعباده كما يُقال : رحيم بعباده . ولو كان مشتقاً من الرحمة لم تُنكره العرب حين سمعوه فقد كانوا لا يُنكرون رحمة ربهم ولكنهم إستنكروا هذا الإسم حين سمعوه وأخبر القرآن الكريم بذلك حيث قال :{ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً } الفرقان 60 ، ولما كتب علىٌ رضى الله عنه فى صلح الحديبية بأمر النبى صلى الله عليه وسلم { بسم الله الرحمن الرحيم } قال سُهيل بن عمرو : أما بسم الله الرحمن الرحيم فما ندرى ما بسم الله الرحمن الرحيم ولكن أكتب ما نعرف ( بإسمك اللهم ) .
وقال تعالى { كذلك أرسلناك فى أمة قد خلت من قبلها أُمم لتتلوا عليهم الذى أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب } الرعد 30 .
وعلى هذا فهذا الإسم غير مشتق مرتجل ولم ينقل من الرحمة ..
ولكن .. بعض العلماء يقولون أنه منقول ومشتق من الرحمة ، وقد بُنى على هذه الصيغة لمقتضى المبالغة ومعناه : ذو الرحمة التى لا نظير لها أو لا نظير لله فيها ، وهو من أجل ذلك لا يُثنّـى ولا يُجمع كما يُثنى الرحيم يُقال ( رحيمان ) .. ومما يدل – فيما يحكيه القرطبى على إشتقاقه ما أخرجه الترمذى وصححه عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله عز وجل [ أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها إسماً من إسمى فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ] .. لكن هذا النص يقضى بإشتقاق الرحم لا بإشتقاق الرحمن ..
والقرطبى يُرجح أن الإسم مشتق ويقول : لا معنى للمخالفة والشقاق أما إنكار الكفار لهذا الإسم فمرجعه إلى جهلهم بالله وما يجب له .
ويؤكد ابن منظور أن الرحمن إسم عربى مبنى على وزن فعلان الذى يفيد الكثرة ، وذلك أن رحمة الله وسعت كل شئ ، ومعنى ذلك أنه مشتق من الرحمة . وقد ذكر الرحيم بعده لأن الرحمن مقصور على الله عز وجل والرحيم يكون لله ولغيره .
وعلل الفارسى هذا الترتيب أى ذكر الرحيم بعد الرحمن بقوله : جئ بالرحيم بعد إستغراق الرحمن معنى الرحمة لتخصيص المؤمنين به فى قوله تعالى { هو الذى يُصلى عليكم وملائكته ليُخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيماً } الأحزاب 43 فخـصّ بعد أن عمَّ .
وقال الزجاج : وقد يكون إسم الرحمن موجوداً فى الكتب السابقة ولكنهم لم يكونوا يعرفون أنه من أسماء الله حتى جاء القرآن الكريم فعرّفهم ذلك .
أما الرحيم فلا خلاف فى إشتقاقه فهو فعيل بمعنى فاعل . قال الحسن : الرحمن إسم ممتنع لا يُسمى غير الله به أما الرحيم فليس كذلك فقد يُقال : رجل رحيم .
وقال غيره : الرحمن اسم يختص به الله عز وجل ولذلك قال تعالى :
{ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحُسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تُخافت بها وابتغِ بين ذلكَ سبيلاً } الإسراء 110
وقيل هما مشتقان معاً وهما بمعنى واحد ويجوز تكرار الإسمين إذا اختلف إشتقاقهما على وجه التوكيد كما يُقال : فلان جادٌ مُـجدٌ .
سؤال : ما معنى اسم الرحمن وما معنى اسم الرحيم ؟
الإجابة : قال ابن عباس : الرحمن والرحيم إسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر ، وقد ورد إن الله رفيق يُحب الرفق ويُعطى على الرفق ما لا يُعطى على العُنف .
وقال ابن المبارك : الرحمن إذا سُئل أعطى والرحيم إذا لم يُسأل غضب ، وقد ورد ذلك فى حديث شريف رواه ابن ماجه والترمذى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لم يسأل الله غَضِبَ عليه " . أجل الله يغضب حين لا يُسأل ، وهو الذى يقول لعباده : { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين } غافر 60 .
وقال الحكيم الترمذى : الرحمن بالإنقاذ من النيران ، والرحيم بإدخال الجنان .
وقال علىّ بن أبى طالب : الرحمن فهو عون لكل من آمن ، وهو اسم لم يُسمَّ به غيره . وأما الرحيم فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحاً .
ويذكر ابن القيم أن من أعطى اسم الرحمن حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإخراج الحب ، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح ، ولكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الإسم حظ البهائم والدواب وأدرك منه أولوا الألباب أمراً وراء ذلك .
واسم الرحمن يتضمن إثبات النبوات فإن رحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم .
وقال ابن القيم : الرحمن الذى الرحمة وصفه ، والرحيم الراحم لعباده ، ولم يجئ رحمان بعباده ولا رحمان بالمؤمنين قال تعالى : { وكان بالمؤمنين رحيماً }33 – 43 وقال تعالى : { إنه بهم رؤوف رحيم } 9 – 117 مع ما فى اسم الرحمن الذى هو على وزن فعلان من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه الموصوف به ، ألا ترى أنهم يقولون ( غضبان ) للمتلئ غضباً و ( ندمان ) و ( حيران ) و ( سكران ) و ( لهفان ) لمن مُلئ بذلك فبناء فعلان للسعة والشمول ولهذا يقرن إستواءه على العرش بهذا الإسم كثيراً كقوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } 20 – 5 و { ثم استوى على العرش الرحمن } 26 – 59 فأستوى على عرشه بإسم الرحمن لأن العرش مُحيط بالمخلوقات قد وسعها ، والرحمة مُحيطة بالخلق واسعة لهم . كما قال تعالى { ورحمتى وسعت كل شئ } 7 – 126 فأستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات فلذلك وسعت رحمته كل شئ .
وفى الصحيح من حديث أبى هريرة قال : قال رسول الله صلىالله عليه وسلم : " لما قضى الله الخلق كتب فى كتاب فهو عنده موضوع على العرش إن رحمتى تغلب غضبى " وفى لفظ " فهو عنده على العرش " ، فتأمل إختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة ووضعه عنده على العرش .
وطابق بين ذلك وبين قوله : { الرحمن على العرش استوى } ينفتح لك باب عظيم من معرفة الرب ، وأما الرحمة فهى التعلق والسبب الذى بين الله وبين عباده ، فالتأليه منهم له ، والربوبية منه لهم ، والرحمة سبب وأصل بينهم وبينه ، بها أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ، وبها هداهم ، وبها أسكنهم دار ثوابه ، وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم ، فبينهم وبينه سبب العبودية ، وبينه وبينهم سببب الرحمة .
سؤال : ما هى خصـائص أسم الرحمن ؟
الإجابة : لقد أوجب الله سبحانه خصائص كثيرة لاسمه الرحمن ، فمن تلك الخصائص :
1) أنه جعل اسم الرحمن ذكراً للذاكرين ونبّـه إلىالإستعاذة به .
قال تعالى : على لسان مريم : { قالت إنى أعوذ بالرحمن منكَ إن كنتَ تقياً } مريم 18
2) وفىالتوكل على الله :
قال تعالى : { قل ربِ احكُم بالحقِ وربُنا الرحمنُ المستعانُ على ما تصفون } الأنبياء 112
وقال تعالى { قل هو الرحمنُ ءامنا بهِ وعليه توكلنا فستعلمون من هو فى ضلالٍ مُبين } المُلك
3) وفى الصوم :
قال تعالى : { فكلى واشربى وقرّى عيناً فإمّا تَرَيِنَّ من البشرِ أحداً فقولى إنى نذرتُ للرحمنِ صوماً فلن أكلم اليومِ إنسياً } مريم 26
4) وفى الذكر به : قال تعالى : { قلِ ادعو الله أو ادعو الرحمنَ أيّاً ما تدعو فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تُخافت بها وابتغِ بين ذلك سبيلاً } الإسراء 110
5) وفى حشر الناس :
قال تعالى : { يوم نحشرُ المتقينَ إلى الرحمنِ وفداً } مريم 85
6) كما أسند تعليم القرآن إلى هذا الإسم :
قال تعالى : { الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علّمهُ البيان } الرحمن 1-4 .
7) ونبّه إلى أن الغفلة عن ذكر هذا الإسم تستوجب المقت من الله وإستيلاء الشيطان على الغافل . قال تعالى { ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نُقيِّـض له شيطاناً فهو لهُ قرين } الزخرف 36 .
8) وفى وصف الصالحين من عباده :
قال تعالى : { وعبادُ الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلونَ قالوا سلاماً } الفرقان 63 .
9) والصفة الوحيدة التى لها إسمان هى الرحمة ، فالكرم له إسم واحد ( الكريم ) والعطاء والسمع والبصر ... إلخ وهذا إمعان فى الطلب فيها وإمعان فى إستحقاقه لها سبحانه وتعالى .
قال تعالى : { فما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } .
سؤال : قال الله سبحانه وتعالى : { وعباد الرحمن .. } فلماذا قرن عباده بإسم الرحمن ولم يقل مثلاً ( وعباد الجبار ) ؟
الجوال : لأن ذلك من رحمة الله بنا أن عبدناه ولم نعبد غيره ، ولأن عبادتنا لله سبحانه وتعالى ناتجة من رحمته بنا وليست بناء على قهره لنا وهو القادر على ذلك ، فمن رحمة الله بنا أن هدانا إلى الحق والصواب فالنفس مفطورة على العبادة فإن لم تعبد الله عَبَدت غيره ، فتجد من يعبد الشجر أو الحجر أو البقر فهؤلاء فى ضلال.. أما من عرف الله الواحد الأحد المستحق للعبادة فهذا قد رحمه الله بأن هداه ، وهذا هو الفرق بين عبادتنا لله وبين عبادة غير الله ، ولذلك كان من التشريف أن أضاف العباد إلى إسمه سبحانه وتعالى وأختار إسم الرحمن لأنه فى موطن فضل وعطاء منه .
قوله ( الرحمن الرحيم ) قال ابن جرير : حدثنى السَّرِىُّ بن يحيى حدثنا عثمان بن زُفَر قال : سمعت العَزْرَمى يقول : الرحمن بجميع الخلق والرحيم بالمؤمنين ، وساق بسنده عن أبى سعيد – يعنى الخدرى – قال : قال رسول الله صلىالله عليه وسلم : إن عيسى ابن مريم قال : الرحمن رحمن الآخرة والدنيا والرحيم : رحيم الآخرة ..
هذا الأثر يوضح أن الله سبحانه وتعالى اتصف بهاتين الصفتين وتسمى بهذين الإسمين ..
الرحمن على وزن فعلان والرحيم على وزن فعيل ، والمعلوم فى اللغة أن كثرة المبنى تدل على سعة المعنى فى اللفظ الواحد وهما من الرحمة فكان اسم الرحمن أوسع معنى من اسم الرحيم ، ولابد هنا من أن أذكر أن السعة غير الكمال فلا يُقال الرحمن أكمل من الرحيم ، فكلاهما صفة كمال وأسماء الله كلها كمال فأنتبه لذلك وراجع ما ذكرناه آنفاً بهذا الصدد .
وقالوا أن الرحمة فى إسم الرحمن أوسع حيث أنها للخلق جميعاً مؤمنهم وكافرهم ، أما الرحمة فى إسم الرحيم فهى خاصة بالمؤمنين فقط .
وقوله : وساق بسنده عن أبى سعيد ... إلخ .. فهذا الأثر ضعيف فى سنده إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله بن طلحة ، وهو كذاب ، ولكن ما يهمنا أن المعنى صحيح .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى : فأسمه ( الله ) دلَّ على كونه مألوهاً معبوداً يألهه الخلائق محبةً وتعظيماً وخضوعاً ومُفزعاً إليه فىالحوائج والنوائب ، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته المتضمنين لكمال المُلك والحمد .. وإلهيته وربوبيته ورحمانيته ومُلكه مستلزم لجميع صفات كماله إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحى ولا سميع ولا بصير ولا قادر ولا متكلم ولا فعّال لما يُريد ولا حكيم فى أقواله وأفعاله . فصفات الجلال والجمال أخص بإسم الله ، وصفات الفعل والقُدرة والتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ونفوذ المشيئة وكمال القوة وتدبير أمر الخليقة أخص بإسم الرب ، وصفات الإحسان والجود والبر والحنان والمنة والرأفة واللطف أخص بإسم الرحمن ..
الشرح : يقول ابن القيم أن إسم الله دالٌ على كونه مألوهاً معبوداً ، فقد ذكرنا آنفاً أن هناك عدة خصائص لفظية لإسم الجلالة ( الله ) منها : المحبة والإنابة واللوذ ... إلخ وأهمها هى المعبود ، فهى تشتمل على كل المعانى السابقة ، ويألهه أى يُحبه ويعبده ويخافه ولذلك قال يألهه الخلائق محبةً وتعظيماً وخضوعاً ومُفزعاً إليه . فمن المعلوم أن الإنسان عند الحوائج يرجو جهةٍ ما ويسلك مسلك ما يقضى به حاجته ، فالحاجة تدفع الإنسان ، والله هو المُفزع إليه لأنه مصدر قضاء هذه الحاجات وليس هناك غيره ، ولذلك كان ذلك مستلزم لكمال ربوبيته ، فما دام قادر على قضاء الحوائج للمحتاجين كان لزاماً أن يكون أهلاً لذلك ، وهنا قضية هامة وهى * قضيةالتلازم بين الإلهية والربوبية * : فكون العبد يعتقد أن الله قادر وحده على قضاء حوائجه فيفزع إليه هذا تأليه ، وكونه يعتقد هذا فيقوم بناءً على هذا الإعتقاد بإتباع مسلك معين ، والمسلك كما قلنا من قبل هو فرع عن التصور فإن سلم التصور سلم المسلك ، فكونه يعتقد أن الله يقضى حوائجه فيفزع إليه فيطلب منه ويدعوه فهذه ربوبية حيث أن الطلب عبادة تتضمن أنه تعالى مالك متصرف ، فهذه العبادة منزلة فى حق الله تعالى على أنه رب .. وهذا أيضاً مستلزم لكمال رحمته فكونه يقضى الحوائج فهذا لأنه أيضاً حنّان منّان . وهذا يتضمن كمال الملك والحمد فهو دائم العطاء فهو مجيد سبحانه يستلزم الحمد ،وهذا كله يستلزم جميع صفات الكمال فلابد أن يكون قادر لابد أن يكون سميع بصير .. إلخ فكيف يكون قاضى لحوائج المحتاجين ولا يتصف بهذه الصفات ..

* التلازم هو علاقة بين أمرين أو شيئين لا ينفك أحدهما عن الآخر بحيث يكون أحدهما ملزوم والآخر لازم ولكن بشروط : (1) وجود القدرة عند الملزوم أن يأتى بلازمه (2) أن لا يمنع من ترتب اللازم على ملزومه مانعاً مثال : الإضاءة فى المصباح الكهربائى لا تنفك عن المصباح إذا مرّ فيه تيار كهربائى لكن لابد من أمرين (1) قدرة التيار على إضاءة المصباح (2) عدم وجود عقبة فى المصباح ( ويكون الإضاءة لازم والتيار ملزوم )
ثم حاول ابن القيم إيجاد رابطة بين ثلاثة أسماء كثر إستخدامها فى الكتاب والسنة دلالة وتعريف برب العالمين .. وهى : اللــــه الرحمـــــن الــــــرب
وتجدها فى سورة الفاتحة : الحمد لله رب العالمين الرحمن .. ولهذا حكمة تتعلق بالتكليف ، وأراد ابن القيم توضيح شئ منها فقال : أن إسم الله دالٌ على التأليه ، وإسم الرب دال على الربوبية وخصائصها ثلاث : (1) المُلك (2) السيطرة (3) التصرف .. فأبواب الشرك تكون فى أحد هؤلاء الثلاث فيظن أن هناك شريك فى المُلك أو مُعين أو ظَهير أو يظنوا أن هناك شفيع ، ونفى الله سبحانه وتعالى هذا فى الآية { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرةٍ فى السموات ولا فى الأرض .. }
فكانت هذه الآية بمثابة المناظرة من الله تعالى إلى المشركين ليعودوا إلى صوابهم فأبلغهم بحقيقة كل ما يمكن أن يجول فى خاطرهم .
أما إسم الرحمن فهو دالٌ على الرحمة والعفو والكرم والعطـف ...
وعلى هذا فصفات الله عز وجل تنقسم إلى ثلاث أقسام :
( أ ) صفات الجلال والكمال :وهذا يختص بإسم : اللــــــه
( ب ) صفات القوة ونُفوذ المشيئة والتفرد والعطاء : وهذا يختص بإسم : الـــــرب
( ج ) صفات الإحسان والجود والبر والرأفة والحنان : وهذا يختص بإسم : الرحمـــن
تنبيــه :
أن الإسم من أسماء الله تبارك وتعالى كما يدل على الذات والصفة التى إشتُق منها بالمطابقة فإنه يدل عليه دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم ، مثال : إسم السميع يدل على ذات الله وسمعه بالمطابقة وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن ويدل على إسم الحى وصفة الحياة باللزوم ، وكذلك سائر أسمائه وصفاته فلابد من فهم لوازم الصفات لأن من علم ذلك أثبت من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ما يُنكره ما لم يعرف لزوم ذلك مثال : إسمه العلى من لوازمه العُلو المُطلق من كل الوجوه ، عُلو القُدرة وعُلو الذات ، فمن جحد عُلو الذات فقد جحد لوازم إسمه العلى . وهكذا ..
وقال رحمه الله أيضاً : الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه ، والرحيم دال على تعلُقها بالمرحوم ، وإذا أردت فهم هذا فتأمّل قوله تعالى { وكان بالمؤمنين رحيماً } ،وقوله تعالى { إنه بهم رؤوف رحيم } ولم يجئ قط رحمان بهم ، وقال : إن أسماء الرب تعالى هى أسماء ونعوت فإنها دالة على صفات كماله فلا تنافى فيها بين العلمية والوصفية فالرحمن إسمه تعالى ووصفه ، فمن حيث هو صفة جرى تابعاً لإسم الله ، ومن حيث هو إسم ورد فى القرآن غير تابع بل ورد الإسم العلم كقوله تعالى { الرحمن على العرش إستوى } .. إنتهى ملخصاً ..

الشرح : يقول أن الرحمن إسم ذات مما يدل على تعلق صفة الرحمة بالله سبحانه وتعالى ، وأن الرحيم إسم صفة ، وبالتالى فهى دالة على رحمة الله لخلقه ودلالة ذلك أنه عندما وصف سبحانه رحمته بخلقه قال رحيماً ولم يقل قط رحمن ، وعندما يصف الله نفسه يقول : رحمـن ..

ولذلك فإن الرحمن صفة ذاتية ( خاصة بالله سبحانه ) والرحيم صفة فعلية ( خاصة بخلقه ) أو بمعنى آخر هى صفة لفعله سبحانه وتعالى . وأسماء الرب تعالى كما هى عقيدة أهل السُنة والجماعة مشتقة من مصادرها التى تدل على الصفة وليست مجرد أسماء وأعلام ، وليست كأسماء المخلوقين ليست لها معنى بل هى دالة على صفات كمال ولا تنافى فيها بين العلمية من حيث كونها دالة على الله سبحانه وتعالى والوصفية التى هى دالة على صفات الله سبحانه وتعالى ، فإن أسماء الرب تبارك وتعالى دالة على صفات كماله فهى مشتقة من الصفات فهى أسماء وهى أوصاف ، وبذلك كانت حُسنى إذ لو كانت ألفاظاً لا معانى فيها لم تكن حُسنى ولا كانت دالة على مدح ولا كمال ولساغ وقوع أسماء الإنتقام والغضب مقام الرحمة والإحسان .. وأعلم أن نفى معانى أسمائه الحُسنى من أعظم الإلحاد فيها ولأنها لو لم تدل على معان وأوصاف لم يجُز أن يُخبر عنها بمصادرها ويوصف بها ، لكن الله أخبر عن نفسه بمصادرها كقوله تعالى { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } 51-58 فعُلمَ أن القوى من أسمائه ومعناه الموصوف بالقوة .. وهكذا أمثلة كثيرة من القرآن والسُنة ، ولو لم تكن أسماؤه ذوات معانى لكانت جامدة كالأعلام المحضة ولم يكن فرق فى مدلولاتها وهذا مكابرة صريحة وبهت بيِّن .. [ قال ابن القيم : فإن من جعل معنى إسم القدير هو معنى إسم السميع البصير ومعنى إسم التواب هو معنى إسم المنتقم ، ومعنى إسم المُعطى هو معنى إسم المانع ، فقد كابر العقل واللغة والفطرة . فنفى معانى أسمائه من أعظم الإلحاد فيها .. أ..هـ ]
فالرحمن والرحيم إسمان وصفتان لله سبحانه وتعالى أحدهما أوسع من الآخر فى المعنى ، والرحمن إسم ذات ، والرحيم إسم صفة ، فالرحمن دال على الله عز وجل مقترن بذاته وتلحق به الأفعال { الرحمن على العرش إستوى } والرحيم من حيث كونه صفة يلحق هو بإسم الله . الرحمن يدل على تعلق صفة الرحمة بالله وذات الله ، والرحيم يدل على وقوع الرحمة بالمرحوم .
قوله : الحمد لله معناه الثناء بالكلام على الجميل الإختيارى على وجه التعظيم ، فمورده اللسان والقلب ، والشكر يكون باللسان والجنان والأركان فهو أعم من الحمد متعلقاً وأخص منه سبباً لأنه يكون فى مقابلة النعمة ، والحمد أعم سبباً وأخص متعلقاً لأنه يكون فى مقابلة النعمة وغيرها فبينهما عموم وخصوص وجهى يجتمعان فى مادة وينفرد كل واحد عن الآخر فى مادة ..
الشرح : عرفنا الحمد آنفاً وعرفنا أن الحمد مورده أى مصدره القلب واللسان ، أما الشكر فمورده القلب واللسان والجارحة . فهما من جنس واحد إلا أن :
الحمد يكون بغير مقابل والشكر يكون فى مقابل النعم .
الحمد مورده القلب واللسان والشكر مورده القلب واللسان والجارحة
فيكون الحمد أعم سبباً لأنه يكون بمقابل أو بدون مقابل ، وأخص متعلقاً لأنه بالقلب واللسان ولا دخل للعمل فيه .
أما الشكر فهو أعم متعلقاً لأنه يتعلق بالقلب واللسان والجارحة وأخص سبباً لأنه يكون مرتبط بوجود مقابل.
وكلاهما يجتمع فى مادة القلب واللسان ، ولكن الشكر إنفرد بالجوارح ، والحمد إنفرد بأنه بلا مُقابل ، ولذلك قال تعالى { إعملوا آل داول شكراً } لأن مقام الشكر يدخل فيه العمل .. ومقام الحمد أعلى لأنه بلا مقابل ، ولذلك فإن كل من حَمَد شَكَر وليس من شَكَر حمَد ، ولذلك قالوا : الحامدون هم العارفون لربهم أى أهل المعرفة ، والشاكرون هم العارفون لِنِعَمِهِ . ولذلك تجد الآيات التى جاءت بالحمد فيها تعريف بالله عز وجل { الجمد لله رب العالمين } { الحمد لله فاطر السموات والأرض } .
سؤال : هل الحمد لله هى تعريف فقط أم تعريف وإلزام ؟
هى تعريف وراءه إلزام ، مثلاً الفاتحة { الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * } فهذا تعريفٌ بالله سبحانه وتعالى ثم جاء بعد التعريف { إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعين } فهى وصف لله بأنه هو المستحق للإستعانة به فأصبحت إجابة الحمد لله الإنفعال بعد المعرفة ، ولذلك قال { إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين } متضمنة لكل صفات الله عز وجل وأسمائه .
وهنا ملحوظة : أن الله عندما يصف نفسه يصفها بالأعلى ، وعندما يطلب من العباد يطلب الحد الأدنى وذلك حين وصف نفسه قال { الحمد لله } وحين طلب من العباد طلب الشكر فهذا هو الحد الأدنى الذى إذا تركه العبد هَلَك ، ودائماً تجد الطلب فى القرآن بالأدنى مثل الفرائض ، الأركان ولا تجد النوافل التى هى محلها السُنة ، فالقرآن يتعلق بالحد الفاصل .

سؤال : فى سورة الفاتحة ( أول ما يُطالعنا فى المصحف ) { الحمد لله رب العالمين } فهل هى على سبيل الخبر المجرد أم ماذا ؟
الإجابة : الحمد هنا جاءت خبر يقتضى أمراً .. أى خبر يُفيد إنشاء ، وكأن الله يأمرك أن تحمده وتُقدره لأنه هو رب العالمين ولأنه هو الرحمن الرحيم ، فهو يُخبر مِن جهة ويُفيد إنشاء من جهة أخرى فهو خبرى لفظاً إنشائى معنى .

قوله : وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم . أصح ما قيل فى معنى صلاة الله على عبده : ما ذكره البخارى رحمه الله تعالى عن أبى العالية قال : صلاة الله على عبده ثناؤه عليه عند الملائكة ، وقرره ابن القيم رحمه الله ونصره فى كتابيه ( جلاء الأفهام ) و ( بدائع الفوائد ) . قلت : وقد يُراد بها الدعاء كما فى المسند عن علىٌ مرفوعاً : الملائكة تصلى على أحدكم ما دام فى مصلاه : اللهم اغفر له اللهم ارحمه
الشرح : قوله صلى الله على محمد وعلى آله وسلم ...

وسوف نتحدث بإذن الله عن الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم فى عدة نقاط ، وهى :
أولاً : مشـروعيـتها :
بوب البخارى باب الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم وأسند عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال :
لقينى كعب بن عجرة فقال : ألا أهدى لك هدية ؟ إن النبى صلى الله عليه وسلم خرج علينا فقلنا : يارسول الله قد علمنا كيف نُسلم عليك * ، فكيف نُصلى عليك ؟ قال :" قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد " ..صحيح أخرجه البخارى 6357 .
وروى مسلم فى صحيحه : عن أبى مسعود رضى الله عنه قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن فى مجلس سعد بن عُبادة فقال له بشير بن سعد : قد أمرنا الله أن نُصلى عليك ، فكيف نُصلى عليك ؟ قال : قولوا " اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم ، والسلام كما قد علمتم ".. ورواه أحمد والنسائى والترمذى وصححه .
ثانياً : معنـاهـا : أصل لفظة الصـلاة يرجـع إلى معـنيين :
________________________________
الأول : الدعـاء والتبـريك الثانى : العبادة
وهو نوعان
_________________________________
دعاء عبادة دعـاء مسـألة
قال تعالى : { والذين يدعون من دون قال تعالى { وقال ربكم إدعونى أستجب لكم }
الله لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون } 40-60
16 – 20
وأعلم أن لفظ الصلاة يختلف معناه بحسب ما أُضيف إليه ، ومثال ذلك لفظة ( يد ) إذا أُضيفت إلى الإنسان السيف ، تجد إختلاف معناها فيد الإنسان غير يد السيف بلا شك ، وكذلك لفظة ( رأس ) يُقال رأس المال رأس الإنسان ، رأس الوادى ، فكل منهم له معنى مختلف عن الآخر تماماً بلا شك رغم أن اللفظة واحدة . وكذلك لفظة الصلاة : فصلاة العبد غير صلاة الله غير صلاة الملائكة ، فصلاة العبد هى الدعاء والطلب وقد تأتى بمعنى العبادة أيضاً ، وقيل العابد داع والسائل داع ، والصواب أن الدعاء يعم النوعين ( المسألة والعبادة ) كما بيّـنا آنفاً .. أما صلاة الله عز وجل فهى نوعان ( عامة وخاصة ) أما العامة فهى صلاته على عباده المؤمنين قال تعالى { هو الذى يُصلى عليكم وملائكته } 23-43 أما الخاصة فهى على أنبيائه ورسله ، خصوصاً على خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم .. وأختلف الناس فى معنى الصلاة من الله سبحانه وتعالى على أقوال منها :
1) أنها رحمته ، وهو المعروف عن كثير من المتأخرين
2) أنها مغفرته : وهذا من جنس الذى قبله وهما ضعيفان لعدة وجوه هى :
أ - أن الله سبحانه فرق بين صلاته على عباده ورحمته فقال : { وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتُ من ربهم ورحمة } 2-157 فعطف الرحمة على الصلاة فأقتضى ذلك تغايرهما .
ب – أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين ، أما رحمته فوسعت كل شئ فليست الرحمة مرادفة للصلاة ولكنها من لوازمها وموجباتها وثمراتها .
ج – لا خلاف فى جواز الرحمة على المؤمنين ، وأختلف السلف والخلف على جواز الصلاة على غير الأنبياء . فعلم أنهما ليسا بمترادفين . كما أنه معلوم بجواز الرحمة للكافرين لقوله تعالى { وربك الغفور ذو الرحمة } فى حين أن الصلاة لا تكون إلا على المؤمنين فقط .
د – لو كانت الرحمة هى الصلاة لقامت مقامها فى إمتثال الأمر وأسقطت الوجوب عند من أوجبها إذا قال : اللهم ارحم محمداً وآل محمد ، وليس الأمر كذلك .
هـ- معلوم أن من رحم غيره فأطعمه أوسقاه أو كساه لا يُقال عنه أنه صلى عليه بل يُقال رَحِمَهُ إذاً الرحمة غير الصلاة .
و – لو قال أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمه الله بدل من صلى الله عليه وسلم لبادرت الأُمة إلى الإنكار عليه وعَدّوه مبتدعاً غير مُوقّر للنبى صلى الله عليه وسلم ولا مُصلِ عليه ، فلو كانت الصلاة هى الرحمة لم يمتنع ذلك .
ز – لا يسوغ لأحد أن يقول ( اللهم صلى علىّ ) فى حين أنه يسوغ أن يقول ( اللهم ارحمنى ) ، بل يُستحب لكل واحد أن يسأل الله أن يرحمه . كما أن الداعى بـ (اللهم صلى علىّ) معتدٍ فى دعائه هذا والله لا يُحب المعتدين .. وغير ذلك .. وأكتفى بما ذكرته لبيان هذا الأمر .
3) وقيل : معنى الصلاة من الله هى الثناء على الرسول والعناية به وإظهار شرفه وفضله وحرمته . وهذا هو الصواب والله أعلى وأعلم ..

سؤال : هل ( صلى الله عليه وسلم ) خير أم طلب ؟
الجواب : هى تحمل الإثنين معاً فهى تتضمن خبر وطلب ، فصلاة الله عليه ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه ، وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به . فالله عز وجل أخبرنا عن صلاته عز وجل وهى ثناء عليه وإظهار فضله وشرفه ، والصلاة المأمور بها { صلوا عليه وسلموا تسليماً } هى طلب من الله عز وجل وسؤالنا من الله أن يفعل ذلك .
ملحوظة : صلى الله عليه وسـلَم : تكون خبر ( بالفتح )
صلى الله عليه وسـلِم : تكون طلب ودعـاء ( بالكسـر )
فالله سبحانه وتعالى يخبرنا بأنه يصلى على النبى ونحن نصدق بذلك ونؤمن به ونطلب له ذلك .

سؤال : عرفنا معنى الصلاة على محمد فما معنى الآل ؟ ( صلى الله على محمد وعلى آله وسلم )
الإجابة : فيه قولان :
الأول : أنها أصلية غير مشتقة و أن أصله أهل ثم قُلبت الهاء همزة فقيل آل ، وهذا القول ضعيف من وجوه منها : ( ملحوظة كونه ضعيف لا يعنى أنه باطل ولا يمنع أن يكون بهذا المعنى ) :
1) لا دليل على ذلك . كما أنه يلزم القلب من غير موجب مع مخالفة الأصل .
2) الآل لا تضاف إلا إلى عاقل . وأهل تضاف إلى العاقل وغيره .
3) الآل تضاف إلى مُعظم من شأنه أن غيره يؤول إليه . والأهل تضاف إلى العَلَم والنكرة .
4) منع بعض النُحاة إضافة الآل إلى المُضمر ومن فعل وجوزها قليلة شاذة .. والأهل تضاف إلى الظاهر والمُضمر .
5) الآل يدخل فيه المضاف إليه مثل آل فِرعون ، كان فرعون داخلاً فيهم . أما الأهل بخلاف ذلك إذا قلت جاء أهل زيد لم يدخل زيد فيهم .
الثانى : أنه مشـتق وأن آل الرجل أهله وعياله . وأصله أوَّل ، وقيل أصله آل يؤول إذا رجع .فآل الرجل هم الذين يرجعون إليه ويُضافون إليه ويؤلهم أن يسوسهم فيكون مآلهم إليه ، فآل الرجل هم أتباعه . وقيل منه الإيالة وهى السياسة فآل الرجل هم الذين يسوسهم ونفسه أحق بذلك من غيره فهو أحق بالدخول فى آله ولا يُقال مختص بأله . . هذا من حيث اللغة ..
أما معناه من حيث الشرع وأضافتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأختلف فيه العلماء على عدة أقوال وهى :
1) هم الذين حُرمت عليهمالصدقة : وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء :
أ - أنهم بنو هاشم وبنو المُطلب ، وهذا مذهب الشافعى وأحمد رحمهما الله فى رواية عنه .
ب – أنهم بنو هاشم خاصة ، وهذا مذهب أبو حنيفة ورواية عن أحمد وأختيار ابن القاسم صاحب مالك .
ج – أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب فيدخل فيهم بنو المطلب وبنو أمية وبنو نوفل ومن فوقهم إلى بنى غالب وهو إختيار أشهب من أصحاب مالك .
2) هم ذريته وأزواجه خاصة حكاه ابن عبد البر فى التمهيد .
3) هم أتباعه إلى يوم القيامة حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم .
4) هم الأتقياء من أُمته حكاه القاضى حسين والراغب ( هذا القول لا دليل عليه )
والقول الراجح هم أزواجه وذريته من المؤمنين ، يليه القول بأنهم أتباعه وإن كان الثانى أقوى يقويه اللغة لكن جاءت النصوص الكثيرة موضحة أن الآل هم الأزواج والذرية ( انظر النصوص ص 79 من هذا المبحث : جاء الآل بمعنى الأهل فى المدلول الشرعى فهو أقوى الوجوه ليس من باب اللغة لكن من باب المدلول الشرعى ، وهو الذى يعنينا ، وإن كان الآل بمعنى الأهل فى اللغة ضعيف . لكن لما استخدم فى الشرع جاء على المعنى اللغوى الأضعف وهو الأهل ويدخل الأتباع بالمدلول اللغوى الأقوى .. )
والذى يعنينا هو المدلول الشرعى والذى إختاره الجمهور أنهم من حُرمت عليهم الصدقة . وقال أحمد : هُم أهل بيته .
وقال ابن القيم : الصحيح الأول ثم الثانى أما الثالث والرابع فضعيفان . أ. هـ إذ أن الآل هم أزواجه وذريته من المؤمنين ( علىالتحقيق ) ويدخل الأتباع بالمدلول اللغوى .

سؤال : لماذا جاء ذكر محمد وآل محمد بالإقتران دون الإقتصار على أحدهما فى عامة الأحاديث وجاء الإقتصار على ابراهيم وآله فى عامتها ؟
الجواب : أن الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم وعلى آله ذُكرت فى مقام الطلب والدعاء ، وأما الصلاة على إبراهيم فإنما جاءت فى مقامالخبر وذِكر الواقع لأن قوله : ( اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد ) جملة طلبية ، وقوله ( كما صليت على آل إبراهيم ) جملة خبرية ، والجملة الطلبية إذا وقعت موقع الدعاء والسؤال كان بسطها وتطويلها أنسب من إختصارها وحذفها ، ولهذا يُشرع تكرارها وإبداؤها وإعادتها فإنها دعاء والله يُحب المُلحين فى الدعاء فإن الدعاء عبودية لله وإفتقار إليه وتذلُل بين يديه فكل ما كثره العبد وطوله وأعاده ونوّع جُمله كان ذلك أبلغ فى عبوديته وإظهار فقره وتذلُله وحاجته وكان ذلك أقرب له من ربه وأعظم لثوابه . .. وأما الخبر فهو خبر عن أمر قد وقع وأنقضى لا يحتمل الزيادة والنقصان فلم يكن فى زيادة اللفظ فيه كبير فائدة فكان الإيجاز فيه والإختصار أكمل وأحسن .

سؤال : هناك مسألة مشهورة بين الناس وهى أن النبى صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم فكيف طُلب له من الصلاة ما لإبراهيم مع أن المُشبه به أصله أن يكون فوق المُشبه ؟ فكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين ؟ .
الإجابة : تكلم الناس فى هذه المسألة بأقوالٍ كثيرة ، وأحسن ما قيل فى ذلك :
أولاً : قالت طائفة : آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس فى آل محمد مثلهم فيكون الصلاة الحاصلة لإبراهيم ولآله وفيهم الأنبياء وكل نبى له فضل كل ذلك جمله مقسومة على محمد صلى الله عليه وسلم وآله فيبقى قَسْمِ النبى صلى الله عليه وسلم والزيادة المتوفرة التى لم يستحقها آله مختصة به صلى الله عليه وسلم فيصير الحاصل له من مجموع ذلك أعظم وأفضل من الحاصل لإبراهيم .
ثانياً : وهو الأحسن منه أن يُقال : محمد صلى الله عليه وسلم هو من آل إبراهيم بل هو خير آل إبراهيم فيكون قولنا كما صليت على آل إبراهيم متناولاً للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم . وقد أمرنا الله أن نُصلى عليه وعلى آله خصوصاً بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموماً وهو فيهم ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم ويبقى الباقى كله له صلى الله عليه وسلم ، بمعنى : أنه يكون قد صلى عليه خصوصاً وطلب له من الصلاة ما لآل إبراهيم وهو داخل معهم ، ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم .. فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم وعلى كل من آله وفيهم النبيون ما هو اللائق به وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل وتابعة له .

سؤال : ( اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم ) .. هل الكاف هنا للتشبيه أم ماذا ؟
الإجابة : أكثر أهل العلم يقولون أنها للتشبيه ، وقال بعض العلماء أنها للتعليل وأن هذا من باب التوسل بفعل الله السابق لتحقيق الفعل اللاحق ، يعنى كما أنك سبحانك سبق الفضل منك على آل إبراهيم فألحِق الفضل منك على محمد وآله ،وهذا لا يلزم أن يكون هناك مشبه ومشبه به . يقول الشيخ صالح بن العثيمين – رحمه الله – فى كتابه ( الشرح الممتع على زاد المستقنع ) : فهذا القول أعنى أن الكاف فى قوله كما صليت للتعليل من باب التوسل بالفعل السابق إلى تحقيق اللاحق هو القول الأصح الذى لا يرد عليه إشكال . ( ذلك أن القول الأول : أنها للتشبيه : يفتح أو يرد إشكال وهو : أن القاعدة أن المشبه دون المُشبه به وهذا الرأى يُعارض القاعدة وقد أوضحنا الجواب على هذا )

حُكـمـهــا :
ذكر ابن حجر مذاهب العلماء العشر فى حُكم الصلاة على النبى صلىالله عليه وسلم :
1) قول ابن جرير الطبرى : أنها من المستحبات .
2) نُقل ابن القصـار وغيره الإجماع على أنها تجب فى الجملة بغير حصر لكن أقل ما يحصل به الإجزاء : مرة .
3) قال أبو بكر الرازى وابن حزم وغيرهما : تجب فى العُمر فى صلاة أو فى غيرها وهى مثل كلمة التوحيد .
4) تجب فى القعود آخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلُل .. قاله الشافعى ومن تبعه .
5) تجب فى التشهد وهو قول الشعبى وإسحق بن راهويه .
6) تجب فى الصلاة من غير تعيين محل . نقل ذلك عن أبى جعفر الباقر .
7) يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد . قاله أبو بكر بن بكير من المالكية
8) كلما ذكر . قاله الطحاوى والحليمى وابن العربى قال إنه الأحوط وكذا قال الزمخشرى .
9) فى كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مراراً . حكاه الزمخشرى
10)فى كل دعاء . حكاه الزمخشرى
والراجح والله أعلم أنها تجب لكن أقل ما يحصُل به الإجزاء : مرة . وفيما عدا ذلك فهى مستحبة . ( ملحوظة : الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم عبادة فيُستحب الإكثار منها لما فى ذلك من حصول الثواب )

محـلهـا :
يؤخذ من حُكمها ، وأورد ابن القيم أربعين موطن من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم من أراد الإستزادة والتفصيل فليراجع كتابه ( جلاء الأفهام فى الصلاة على خير الأنام ) ..

الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم :
[ كما ذكرها ابن القيم فى كتابه ( جلاء الأفهام فى الصلاة على خير الأنام ) ]
1 ) إمتثال أمر الله سبحانه وتعالى .
2 ) موافقته سبحانه فى الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وإن إختلفت الصلاتان .
3 ) موافقة الملائكة فيها .
4 ) حصول عشر صلوات من الله على المُصلى مرة .
5 ) يرفع له عشر درجات .
6 ) يُكتب له عشر حسنات .
7 ) يُمحى عنه عشر سيئات .
8 ) يُرجى إجابة دعائه إذا قدمها أمامه .
9 ) سبب لشفاعته إذا قرنها بسؤال الوسيلة له .
10) سبب غفران الذنوب .

سؤال : هل يجوز كتابة ( ص ) أو ( صلعم ) عند كتابة إسم النبى محمد صلى الله عليه وسلم ؟
الإجابة : لا يجوز ذلك فإن الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم عبادة ، فإن لم تستطع كتابتها فأذكرها بلسانك أو فى نفسِك ولكن لا تختصر هذا وتكتب ( ص ) أو ( صلعم ) لأن هذه الكلمة أو هذا الحرف لا يعنى شيئاً ولا يختصر فى العبادات والشرع ..

سؤال : ما هى النصوص التى تدل على أن الآل هُم الأزواج والذُرية ؟
الإجابة : وردت نصوص عديدة توضح أن الآل هم أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم وذريته ، ومن ذلك :
(1) عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إجعل رزق آل محمد قوتاً " وفى رواية " كفافاً " .. صحيح .
(2) عن الحسن بن على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :" إنّا آل محمد لا تحل لنا الصدقة " أخرجه أحمد فى مسنده وابن حِبان فى صحيحه .
(3) عن عائشة رضى الله عنها : " ما شبع آل محمد من خُبز شعير يومين متتابعين حتى قُبِض " .
(4) عن أنس :" والذى نفس محمدٍ بيده ما أصبح عند آل محمد صاع حب ولا صاع تمر " .
(5) عن أنس : " ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب وإن عنده يومئذٍ لتسع نسوة " .
(6) عن عائشة :" كُنا آل محمد نمكث شهراً ما نستوقد ناراً إن هو إلا الماء والتمر " .
(7) عن أبو بكر قال : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة " إنما يأكل آل محمد من هذا المال – يعنى مال الله – ليس لهم أن يزيدوا على المأكل "
(8) وفى صحيح مسلم أن الحسن بن علىّ أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها فى فِيهِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كخ كخ إرمِ بها أما علمتَ أنّا لا نأكل الصدقة "
وهذا كله يدل على أن آل محمد هم أزواجه وذريته وليس أُمته وأتباعه بالتأكيد ..

تم بحمد الله وتوفيقه شرح المقدمة
هالة يحيى صادق
ام شهاب
مدرسة العقيدة بمعهد اعداد الداعيات بالمركز الأسلامي
والحاصلة علي اجازة من الشيخ سليمان محمد اللهيميد - السعودية

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عمر الأزهري ; 08-05-2008 الساعة 03:04 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-16-2008, 11:52 PM
قـَسْوَرَةُ الأَثَرِيُّ قـَسْوَرَةُ الأَثَرِيُّ غير متواجد حالياً
قـــلم نــابض
 




افتراضي

مـــــــا شاءَ الله
جمعت فأوعت حقَّا

فعلا بحث متكامل و نادر
تحتاج جلسة طويلة و ذهن هادئ
فعلا كنوز
نفع الله بكم
وفّقكم الله


***يتمّ تثبيته **

التعديل الأخير تم بواسطة قـَسْوَرَةُ الأَثَرِيُّ ; 05-16-2008 الساعة 11:57 PM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-16-2008, 11:57 PM
هجرة إلى الله السلفية هجرة إلى الله السلفية غير متواجد حالياً
رحمها الله رحمة واسعة , وألحقنا بها على خير
 




افتراضي

جزاكم الله خيرا ونفع بكم
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 08-05-2008, 03:08 AM
أبو عمر الأزهري أبو عمر الأزهري غير متواجد حالياً
الأزهر حارس الدين في بلاد المسلمين
 




افتراضي

ماشاء الله
حفظ الله الأختين الكاتبة والناقلة وجزاهما خيراً وبارك فيهما .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 08-05-2008, 03:14 AM
أبو الفداء الأندلسي أبو الفداء الأندلسي غير متواجد حالياً
قـــلم نــابض
 




افتراضي

جازاك الله خيرا
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 08-05-2008, 03:48 AM
هجرة إلى الله السلفية هجرة إلى الله السلفية غير متواجد حالياً
رحمها الله رحمة واسعة , وألحقنا بها على خير
 




افتراضي

وبارك الله فيك اخي الفاضل ابو عمر
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 08-05-2008, 03:49 AM
هجرة إلى الله السلفية هجرة إلى الله السلفية غير متواجد حالياً
رحمها الله رحمة واسعة , وألحقنا بها على خير
 




افتراضي

جزاك الله خيرا اخي الفاضل ابو الفدا
في انتظار مشاركاتك
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 08-17-2008, 06:14 AM
السراج الوهاج السراج الوهاج غير متواجد حالياً
عضو فعال
 




افتراضي



جزاكما الله خيراً ونفع بكما
ربنا يبارك لكم
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 08-26-2008, 03:49 AM
سقف العالم سقف العالم غير متواجد حالياً
عضو ذهبي
 




افتراضي

جهدٌ طيبٌ , جزاكِ اللهُ خيراً وبارك اللهُ فيكِ , وثقل موازينكِ


لا إله إلا الله العظيم الحليم , لا إله إلا الله رب العرش العظيم , لا إله إلا الله رب السموات , ورب الأرض , ورب العرش الكريم
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 08-27-2008, 07:21 AM
هجرة إلى الله السلفية هجرة إلى الله السلفية غير متواجد حالياً
رحمها الله رحمة واسعة , وألحقنا بها على خير
 




افتراضي

جزاكي الله خيرا اختي الكريمة ام سهيل
وبارك الله فيكي
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

منتديات الحور العين

↑ Grab this Headline Animator

الساعة الآن 09:14 AM.

 


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
.:: جميع الحقوق محفوظة لـ منتدى الحور العين ::.